قصيدة

أَبَانَتْ زُهارُ وَالنَّوَى لَمْ تُبَعَّدِ

وَأَنْتَ كَمَغْرُورٍ بِوَصْلٍ مُقَدَّدِ

أَرَى عَمَهاً بِالْمَرْءِ تَوْلِيهَ قَلْبِهِ

بِخَرْعَبَةٍ عَيْطَاءَ إِنْ تَدْنُ تَبْعُدِ

أَتَذْكُرُ أَيَّاماً لَنَا بِدَكَادِكٍ

وَأَيَّامَنَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ فَعُسْجَدِ

وَبَيْدَاءَ مِقْفَارٍ تَرَامَى سَرَابُهَا

إِذَا جَالَ كَالرَّقْمِ السَّدِيجِ الْمُمَدَّدِ

خَبَطْتُ بِحَرْفٍ كَالْقَسِيِّ نَجِيبَةٍ

تَخُبُّ السُّرَى لَيْلاً بِكُلِّ مُصَمَّدِ

غَذَاهَا الْعِرَاقِيُّ السَّمِينُ مِنَ الْقَصَا

وَعَلْفِي لَهَا الْحَبَّ الْمُنَقَّى بِمِذْوَدِ

رَعَاهَا أَبُو قَيْسٍ وَأَسْعَدُ قَوْمِهِ

يُنَقِّي لَهَا حَبّاً وَطَوْرًا بِمِقْوَدِ

فَأَمْسَتْ كَأُطْمٍ لِلْيَمَانِيِّ حَاطَهُ

بِآجُرِّ جِصٍّ فِي جِدَارٍ مُشَيَّدِ

فَلَمَّا بَدَا نُورُ الصَّبَاحِ وَأَقْبَلَتْ

حُمُولٌ لِذِي عَمْدٍ إِلَى كُلِّ مَقْصَدِ

شَدَدتُ عَلَيها كورَها فَتَشَدَّدَت

تَمِيسُ عَلَى بَطْنِ السَّبِيلِ وَتَهتَدِي

لَيَالِيَ خَاضَتْ ثُمَّ آلَتْ نَضِيَّةً

حَسِيرَ فَيَافٍ كَالْقَضِيبِ الْمُجَرَّدِ

إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ سِيقَ وَجِيفُهَا

إِلَى الْأَرْوَعِ السَّامِي النَّدَى الْمُتَفَرِّدِ

إِلَى بَاسِلٍ لَا يَمْلِكُ السُّهْدُ قَلْبَهُ

نَهُوضٍ تَرُوكٍ لِلْوِسَادِ الْمُنَضَّدِ

نَقِيَّ نِجَادِ النَّصْلِ صُلْبَاً جَنَانُهُ

نِيَامَ القَطَا بِالْغَسْقِ فِي كُلِّ فَدْفَدِ

وَلَا أَلْفَتِ الْهَيْجَاءُ عِنْدَ كُلُوحِهَا

جَنَانَكَ خَوَّافاً بِأَيْدِي التَّرَدُّدِ

وَلَكِنْ تُذِكِّي الْخَيْلَ عِنْدَ صِدَامِهَا

إِذَا ذَعْذَعُوهَا خُضْتَهَا غَيْرَ مُصْرِدِ

لَعَمْرُ الَّذِي طَافَتْ نِزَارٌ بِبَيْتِهِ

لَقَدْ كِدْتَهُمْ كَيْدَ الْحَرِيبِ الْمُعَمَّدِ

دَهَسْتَهُمُ قَهْراً فَلَسْتَ بِمُعْتَدٍ

وَدُسْتَهُمُ دَوْسَ الْفَنِيقِ الْمُعَبَّدِ

بِجَيْشٍ لَهَامٍ لَا يُحِيطُ بِهِ الْمَدَى

وَعَقْدِ لِوَاءٍ فِي كَفِيلٍ مُشَدَّدِ

كَأَنَّ نَعَامَ الدَّوِّ فَرَّخَ فَوْقَهُمْ

إِذَا جَاشَ فَزْعٌ لِلصَّرِيخِ الْمُنَكِّدِ

فَمَا ضَيْغَمٌ جَهْمٌ كَأَنَّ جَبِينَهُ

عَبِيرٌ زَكَا أَوْ عُصْفُرٌ لَمْ يُجَدَّدِ

حَمَتْهُ ذُبَابُ الْقَفْرِ نَسْجَ قَطِيفَةٍ

إِذَا نَالَهُ مِنْ خَدْشِهَا يَتَمَرَّدِ

كَأَنَّ رِمَامَ الْقَوْمِ حَوْلَ عَرِينِهِ

خِرَاقُ تِجَارٍ عِنْدَ بَابٍ بِمَوْصِدِ

جَلَا نَارَ حَيٍّ بَعْدَ طُولِ تَطَوُّفٍ

تَلَأْلَأَ نُوراً بَيْنَ نَخْلٍ وَجَرْهَدِ

فَيَا طَرَباً لِلَّيْثِ إِذْ يَسْتَدِلُّهَا

إِلَيْهِمْ وَسَوْقِ الْمَوْتِ لِلْمُتَوَعِّدِ

فَلَمَّا تَبَدَّى قُرْبَ بَرْكِ نِيَاقِهِمْ

تَوَلَّوْا سِرَاعاً بِالْعَتَادِ الْمُهَنَّدِ

بَدَا لَهُمُ طَعْمُ الْبَقَاءِ فَأَدْبَرُوا

وَعَيْشُ الْفَتَى طُولُ الْحَيَاةِ إِلَى غَدِ

فَمَا أَفْلَتُوهُ أَنْ يَصِيدَ غَنِيمَةً

عَدِيمَ نَصِيرٍ آبَ غَيْرَ بِمُنْجَدِ

فَنَادَى أَعَالِي الصَّوْتِ قَبْلَ حِمَامِهِ

وَكَانَتْ لَهُ الدَّعْوَى الَّتِي لَمْ تُصَدَّدِ

فَأَنْتَ أَشَدُّ النَّاسِ بَأْساً وَنَجْدَةً

إِذَا كَعَّتِ الْأَبْطَالُ فِي كُلِّ جَلْمَدِ

وَلَا جَدْوَلٌ يَسْقِي حِيَاضَ طُهَيَّةٍ

لَهُ دَفَقٌ عَذْبٌ عَلَى كُلِّ مَرْصَدِ

وَيَسْقِي ظِمَاءَ الْقَوْمِ مِنْ فَيْضِ جُودِهِ

فَتَغْدُو رَوَاعاً بِالْأَتِيِّ الْمُجَوَّدِ

بِأَفْضَلَ مِنْهُ جَسْرَةً وَسَمَاحَةً

إِذَا شَحَّ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ الْمُعَقَّدِ

تَؤُمُّ الْبَخَاتِي كَالْقُصُورِ وَتَلْتَقِي

عِتَاقاً لَدَى كَفِّ الْكَرِيمِ الْمُسَوَّدِ

فَلَا تَحْسَبَنِّي خَاذِلاً لِصَنِيعَةٍ

عَلَيَّ شَهيدٌ شاهِدُ اللَهِ فَاِشهَدِ

وَمَنْ أَغْفَلَتْ عَيْنُ الْعَمَى نُورَ دَرْبِهِ

إِذَا سَارَ فِي جُنْحِ الدُّجَى يَتَبَلَّدِ