قصيدة

تَصابَيتُ في أَطلالِ زَهرةَ بَعدَما

نَبا نَبوَةً بِالعَينِ عَنها دُثورُها

بِأَجْرَاعِ حُزْوَى زَايَلَ الحَيُّ رَبْعَهَا

وَهَبَّتْ بِهَا بَعْدَ الجَنُوبِ حَرُورُهَا

وَغُدَّفَ مُزْنٍ ثُمَّ حَوْلَيْنِ أَسْبَلَتْ

عَزَالِي نَدِيَّاتٍ يَسِيلُ خَرِيرُهَا

تَعَاثَتْ بِهَا الأَرْوَاحُ إِلَّا رَمَادَهَا

يُهَيِّجُ أَحْزَاناً قَدِيماً نُشُورُهَا

وَقَفْنَا نَرُدُّ الْيَعْمَلاَتِ بِسَاحِهَا

لِتَهْدَأَ وَالأَشْوَاقُ يَطْغَى نُفُورُهَا

يُخَالِجُ نَفْسِي مِنْ هَوَاهَا مُرَوِّعٌ

مِنَ الشَّوْقِ حَتَّى شَفَّ عَنِّي شُعُورُهَا

عَشِيَّةَ لَوْلاَ رَهْبَةُ اللَّوْمِ لانْجَلَتْ

عَنِ المُهْجَةِ الحَرَّى دُمُوعٌ غَزِيرُهَا

فَمَا صَدَّ قَلْبِي عَنْ لَجَاجَةِ حُبِّهَا

وَقَدْ طَالَ فِي إِثْرِ الحُمُولِ زَئِيرُهَا

خَليلَيَّ أَدِّ اللَهُ خَيراً إِلَيكُما

إِذا قُسِمَت بِينَ العِبادِ أُجورُها

إِلَى دَارِهَا سُوقَا المَطَايَا بِسُدْفَةٍ

وَإِنْ عَاهَدَ الأَعْدَاءُ أَلاَّ أَحُورُهَا

يُسَرُّ فُؤَادِي أَنْ أَرَانِي وَرُفْقَتِي

نُحِثُّ المَهَارَى صَوْبَهَا وَنُسِيرُهَا

أُسَارِرُ صَحْبِي وَالصَّبَابَةُ غَمْرَةٌ

غَدَاةَ دَعَا أَظْعَانَ زَهرا نَذِيرُهَا

أَلا هَلْ تَرَى الأَظْعَانَ تَهْوِي كَأَنَّهَا

ذُرى أَثأُبٍ راشَ الغُصونَ شَكيرُها

تَغِيبُ وَتَجْلُوهَا السَّرَابَاتُ كُلَّمَا

تَسَامَتْ شُخُوصُ الآلِ بَانَ حُضُورُهَا

فَوَدَّعنَ أَقواعَ الشَماليلِ بَعدَما

تَنَاثَرَ مِنْ بَقْلِ الرَّبِيعِ زُهُورُهَا

وَلَم يَبقَ بِالخَلصاءِ مِمّا عَنَت بِهِ

سِوَى يَابِسِ الحُلاَّبِ يَغْشَى سَعِيرُهَا

فَمَا قَطَعَتْ رَجْوَايَ حَتَّى أَبَنْتُهَا

بِأَخْفَافِ رَمْلٍ قَدْ تَسَامَى قُصُورُهَا

فَلَمّا عَرَفتُ البَينَ لا شَكَّ أَنَّهُ

عَلَى ظَهْرِ حَرْفٍ قَدْ تَصَلَّبَ زُورُهَا

تَصَبَّرْتُ كَرْهاً وَالمَدَامِعُ سَحَّةٌ

بِتَهْتَانِ وَجْدٍ لَا يُكَفْكَفُ فُورُهَا

وَكَمْ خَلَّفَتْ أَعْيَاؤُنَا مِنْ قَبِيلَةٍ

لِنَغْشَاكَ لَمْ نَنْزِلْ لَدَيْهَا نَزورها

وَقَطَّعْنَ مِنْ دَوٍّ خَلَاءٍ تَلَفَّعَتْ

بِأَسْدَافِ آلِ الهَاجِرَاتِ صُخُورُهَا

وَمِنْ حَدَبٍ يُقْصِي العِضَاهَ يَفَاعُهُ

بِقَوْرَاءَ لَمْ يَنْبُتْ بِرَوْضٍ بُذُورُهَا

إِذَا مَا طَوَاهَا المُدْلِجُونَ بَهِيرَةً

يَرَى المُبْصِرُ الآجَالَ فِيهَا يُذِيرُهَا

مُخَطَّطَةً طَبَّاءَ لَيْسَتْ بِشَاةِ مَنْ

يُدَمِّنُ أَطْرَافَ الحِيَاضِ بَقِيرُهَا

وَمِنْ بَلْقَعٍ مَجْهُولَةٍ قَدْ تَزَخْرَفَتْ

بِحَبْكِ الرِّيَاحِ السَّافِيَاتِ قُتُورُهَا

تَرَى السَّفْرَ يَهْوُونَ اقْتِحَاماً بِغَمْرَةٍ

رَهاءٍ كَمَجرى الشَمسٍ دُرمٌ حُدورُها

بِتِيهٍ يُرِي الخِرْبَانَ فِيهِ كَأَنَّهُ

قَلوصٌ أَضَلَّتها بِعِكمَينِ عيرُها

وَمِنْ وَسْطِ أَحْجَارٍ يُجَاوِبُهَا الصَّدَى

لأَشْعَثَ مَغْبَرٍّ وَصُفْرٍ ثُغُورُهَا

وَحَومانَةٍ وَرقاءَ يَجري سَرابُها

بِمُبْتَلَّةِ الأَلْغَادِ شُعْثٍ شُزُورُهَا

تُشِيدُ الإِكَامُ السُّودُ فِيهَا كَأَنَّهَا

قَراقيرُ مَوجٍ غَضَّ بِالساجِ قيرُها

مُغَمَّسَةٌ فِي الآلِ يَغْشَى عُبَابُهُ

قَوَاعِدَهَا السُّفْلَى وَتَطْفُو قُشُورُهَا

نُكَابِدُهَا وَالطَّيْرُ فِي الغَارِ لاَجِئٌ

مَعَ الضَبِّ وَالشِقذانُ تَسمو صُدورُها

بِمَمْدُودَةِ الأَعْنَاقِ جَدَّ ارْتِحَالُهَا

بِأَخْفَافِهَا وَالنُّوقُ بَاقٍ ضَمِيرُهَا

تُوَاصِلُ هَجْراً فِي الْهَوَاجِرِ سَيْرَهَا

وَتُمْسِي وَتُضْحِي وَهْوَ غَذٌّ مُرُورُهَا

كَأَنِّي وَأَصْحَابِي وَقَدْ قَذَفَتْ بِنَا

هِلالَينِ أَعجازَ الفَيافي نُحورُها

عَلَى أُتُنٍ قُبٍّ سَمَاحِيجَ صَادَفَتْ

رِيَاحَ السَّوَافِي إِذْ تَلَظَّى دَحُورُهَا

طَرِيدَاتُ قَيْظٍ تَبْتَغِي الطِّينَ يَنْتَحِي

بِهَا فِي مَهَاوِي البِيدِ فَحْلٌ يُدِيرُهَا

طَوِيُ الحَشَا مُسْتَلْحِجُ الظَّهْرِ أُذْعِنَتْ

لَهُ لَقَحاً مِرباعُها وَنَزورُها

تَرَى كُلَّ مَلْسَاءِ المُتُونِ كَأَنَّمَا

كَسَاهَا بُرُوداً مِنْ نَسِيجٍ حَرِيرُهَا

ظَمِئْنَ وَخَبَّبْنَ الأَصِيلَ وَإِنَّمَا

إِلَى العِدِّ لَوْ شَاءَتْ لَخَبَّ غَرُورُهَا

فَظَلَّتْ بِمَلْقَى الغَوْرِ جُوفاً حَنَاجِرٌ

قِياماً يُفالي مُصلَخِمّاً أَميرُها

بِيَوْمٍ كَنَارِ الكِيرِ كَادَتْ عُيُونُهَا

مِنَ الشَّمْسِ يَعْمَى طَرْفُهَا وَبَصِيرُهَا

فَلَمْ يَبْرَحِ العَالِي مِنَ التَّلِّ حَارِساً

يُراقِبُ حَتّى فارَقَ الأَرضَ نورُها

فَراحَت لِإِدلاجٍ عَلَيها مُلاءَةٌ

صُهابِيَّةٌ مِن كُلِّ نَقعٍ تُثيرُها

فَما أَفجَرَت حَتّى أَهَبَّ بِسُدفَةٍ

عَلاجيمَ عَينٍ اِبني صُباحٍ يُثيرُها