قصيدة
الدَهرُ ذو دُوَلٍ وَالمَوتُ ذو عِلَلٍ
وَالمَرءُ ذو أَمَلٍ وَالناسُ أَشباهُ
وَلَم تَزَل عِبَرٌ فيهِنَّ مُعتَبَرٌ
يَجري بِها قَدَرٌ وَاللَهُ أَجراهُ
يَبكي وَيَضحَكُ ذو نَفسٍ مُصَرَّفَةٍ
وَاللَهُ أَضحَكَهُ وَاللَهُ أَبكاهُ
يَا رَاكِضاً فِي غُرُورِ العَيْشِ مُغْتَرِباً
هَلّا تَذَكَّرتَ يَوْماً لَسْتَ تَنْسَاهُ؟
تَبْنِي القُصُورَ وَتَنْسَى القَبْرَ فِي طَمَعٍ
وَالقَبْرُ حَقٌّ، وَبَطْنُ الأَرْضِ مَأْوَاهُ
وَالمَرْءُ يَجْمَعُ مَالاً كَدُّهُ تَعَبٌ
وَإِنْ أَتَى الأَجَلُ المَحْتُومُ خَلَّاهُ
أَيْنَ المُلُوكُ الَّتِي شَادَتْ حُصُونَهُمُ؟
أَيْنَ الجُيُوشُ؟ وَأَيْنَ العِزُّ وَالجَاهُ؟
أَمْسَوْا رَمِيماً، وَتَحْتَ الأَرْضِ مَرْقَدُهُمْ
لَا المُلْكُ يُنْقِذُهُمْ مِنْ دَرْكِ مَثْوَاهُ
يَا خُطْبَةَ المَوْتِ مَا أَقْوَى مَوَاعِظَهَا
لَكِنَّ قَلبَ الفَتَى وَالغَيَّ أَعْمَاهُ
يَبْنِي الفَتَى أَمَلاً وَالحَيْنُ يَهْدِمُهُ
يَا حَسْرَةَ المَرْءِ إِنْ خَابَتْ نَوَايَاهُ
إِنَّ المَنِيَّةَ سَهْمٌ لَا نَظِيرَ لَهُ
مَا سُدِّدَ السَّهْمُ إِلَّا الرُّوحُ مَرْمَاهُ
كَمْ مِنْ فَتَىً ضَاحِكٍ، وَالمَوْتُ يَطْلُبُهُ
وَالقَبْرُ يَنْسِجُ فِي سِرٍّ خَبَايَاهُ
خَلِّ المَطَامِعَ فِي عَيْشٍ سَيَتْرُكُنَا
إِنَّ الحَكِيمَ لَمَنْ بِالزُّهْدِ يَقْلَاهُ
وَاغْسِلْ بِدَمْعِكَ ذَنْباً كُنْتَ تَعْمَلُهُ
سِرّاً وَجَهْراً، وَعَيْنُ اللَّهِ تَرْعَاهُ
وَقُمْ بِقَلْبٍ كَسِيرٍ فِي الدُّجَى وَجِلٍ
فَاللَّهُ يَقْبَلُ عَبْداً حِينَ نَادَاهُ
نَبْكِي عَلَى مَيِّتٍ، وَالمَوْتُ يَرْقُبُنَا
كَأَنَّنَا عُمِيٌ عَمَّا شَهِدْنَاهُ
يَا وَيْحَ نَفْسِيَ مِنْ ذَنْبٍ أُكَابِدُهُ
يَوْمَ الحِسَابِ إِذَا مَا اللَّهُ أَبْدَاهُ
تَبْكِي إِذَا ذَهَبَتْ عَنْكَ الحُظُوظُ سُدًى
وَتَضْحَكُ السِّنُّ إِنْ وَافَتْ عَطَايَاهُ
وَتَغْفَلُ العَيْنُ عَنْ يَوْمٍ نُسَاقُ لَهُ
وَكُلُّ خَافِيَةٍ يَبْدُو مُخَبَّاهُ
المَالُ يُتْرَكُ، وَالأَحْبَابُ قَدْ شُغِلُوا
وَالدُّودُ يَأْكُلُ لَحْماً طَابَ مَحْيَاهُ
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ
رُبَّ اِمرِئٍ حَتفُهُ فيما تَمَنّاهُ
إِنَّ المُنى لَغُرورٌ ضِلَّةً وَهَوىً
لَعَلَّ حَتفَ اِمرِئٍ في الشَيءِ يَهواهُ
تَغتَرُّ لِلجَهلِ بِالدُنيا وَزُخرُفِها
إِنَّ الشَقِيَّ لَمَن غَرَّتهُ دُنياهُ
كَأَنَّ حَيّاً وَقَد طالَت سَلامَتُهُ
قَد صارَ في سَكَراتِ المَوتِ تَغشاهُ
وَالناسُ في رَقدَةٍ عَمّا يُرادُ بِهِم
وَلِلحَوادِثِ تَحريكٌ وَإِنباهُ
شِبْرٌ مِنَ التُّرْبِ.. ثَوْبٌ لَا كِمَامَ لَهُ
مَا أَصْغَرَ الدَّارَ إِذْ حَلَّتْ رَزَايَاهُ
لَا يُؤْنِسُ المَرْءَ فِي ظَلْمَاءِ مَحْفَرِهِ
إِلَّا صَنِيعٌ لِوَجْهِ اللَّهِ أَسْدَاهُ
فَاخْرُجْ مِنَ الكِبْرِ إِنَّ الكِبْرَ مَهْلَكَةٌ
وَاسْجُدْ لِرَبِّكَ ذُلاًّ سَوْفَ تَرْضَاهُ
وَالخَوْفُ فَرْضٌ، وَرَجْوَى اللَّهِ عِصْمَتُنَا
مَنْ يَرْجُ فَضْلَ إِلَهِ العَرْشِ آوَاهُ
وَكُنْ جَلِيسَ كِتَابِ اللَّهِ فِي حَلَكٍ
طُوبَى لِعَبْدٍ كِتَابُ اللَّهِ نَجْوَاهُ
أَنصِف هُديتَ إِذا ما كُنتَ مُنتَصِفاً
لا تَرضَ لِلناسِ شَيئاً لَستَ تَرضاهُ
يا رُبَّ يَومٍ أَتَت بُشراهُ مُقبِلَةً
ثُمَّ اِستَحالَت بِصَوتِ النَعيِ بُشراهُ
لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ أَصغَرَهُ
أَحسِن فَعاقِبَةُ الإِحسانِ حُسناهُ
وَكُلُّ أَمرٍ لَهُ لا بُدَّ عاقِبَةٌ
وَخَيرُ أَمرِكَ ما أَحمَدتَ عُقباهُ
تَلهو وَلِلمَوتِ مُمسانا وَمُصبِحُنا
مَن لَم يُصَبِّحهُ وَجهُ المَوتِ مَسّاهُ
كَم مِن فَتىً قَد دَنَت لِلمَوتِ رِحلَتَهُ
وَخَيرُ زادِ الفَتى لِلمَوتِ تَقواهُ
ما أَقرَبَ المَوتَ في الدُنيا وَأَفظَعَهُ
وَما أَمَرَّ جَنى الدُنيا وَأَحلاهُ
كَم نافَسَ المَرءُ في شَيءٍ وَكايَدَ في
هِ الناسَ ثُمَّ مَضى عَنهُ وَخَلّاهُ
بَينا الشَفيقُ عَلى إِلفٍ يُسَرُّ بِهِ
إِذ صارَ أَغمَضَهُ يَوماً وَسَجّاهُ
يَبكي عَلَيهِ قَليلاً ثُمَّ يُخرِجُهُ
فَيُمكِنُ الأَرضَ مِنهُ ثُمَّ يَنساهُ
وَكُلُّ ذي أَجَلٍ يَوماً سَيَبلُغُهُ
وَكُلُّ ذي عَمَلٍ يَوماً سَيَلقاهُ
هَذِي القَوَافِي إِلَى الإِخْوَانِ أُرْسِلُهَا
مِثْلَ الدَّوَاءِ لِقَلْبٍ غَرَّهُ جَاهُ
طُوبَى لِمَنْ طَهَّرَ الدُّنْيَا بِسَجْدَتِهِ
وَبَاتَ يَشْكُو لِرَبِّ النَّاسِ بَلْوَاهُ
فَاحْزَمْ مَتَاعَكَ إِنَّ الرِّحْلَةَ اقْتَرَبَتْ
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ ذَنْبٍ جَنَيْنَاهُ
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى الهَادِي وَعِتْرَتِهِ
مَا لَاحَ نَجْمٌ وَمَا لَيْلٌ تَغَشَّاهُ