قصيدة
إِنِّي جُبِلْتُ عَلَى السَّخَاءِ فَطِينَتِي
طِينُ المَكَارِمِ غَيْرُ طِينِ الأَعْصُرِ
نُورِي تَجَلَّى مِنْ أَرُومَةِ سُؤْدُدٍ
شُمِّ العَرَانِينِ الغِضَابِ الكُسَّرِ
لَا طِينَتِي طِينُ الرَّعَاعِ وَإِنَّمَا
مِنْ جَوْهَرِ الشَّرَفِ الأَصِيلِ الأَطْهَرِ
وَلَوْ أَنَّنِي أُوتِيتُ مَالاً زَاخِراً
مِثْلَ السَّحَابِ الهَاطِلِ المُتَفَجِّرِ
لَأَبَدْتُهُ جُوداً بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ
وَلَفُقْتُ حَاتِمَ طَيِّءٍ فِي المَفْخَرِ
وَلَأَطْرَقَ الطَّائِيُّ مِنْ فَرْطِ النَّدَى
وَأَقَرَّ لِي بِالسَّبْقِ قَبْلَ تَفَكُّرِ
وَلَقَالَ أَنْتَ البَحْرُ طَمَّ عُبَابُهُ
وَأَنَا الغَدِيرُ الغَائِضُ المُتَكَدِّرِ
وَأَرَى كُنُوزَ الأَرْضِ عِبْئاً فَادِحاً
مَا لَمْ تَجُدْ لِلْجَائِعِ المُتَحَسِّرِ
وَأُبِيتُ طَاوِيَةً ضُلُوعِي سَاغِباً
وَالضَّيْفُ شَبْعَانٌ بِطِيبِ المَجْزَرِ
نَحْنُ الغِيَاثُ إِذَا السَّمَاءُ تَبَاخَلَتْ
بِمُجَلْجِلٍ دَاجِي الرَّبَابِ المُقْطِرِ
يَا لَائِمِي فِي البَذْلِ أَقْصِرْ إِنَّنِي
لَوْ مِلْتُ عَنْ جُودِي رُمِيتُ بِمُنْكَرِ
نَفْسِي مُطَهَّرَةٌ تَصُونُ عَفَافَهَا
عَنْ كُلِّ مَنْقَصَةٍ وَأَمْرٍ مُصْغَرِ
وَأَرُدُّ نَفْسِي عَنْ خَنَا وَرَذِيلَةٍ
وَأَغُضُّ طَرْفِي عَنْ خَفَايَا المَخْبَرِ
وَأَغُضُّ طَرْفِي إِنْ تَبَدَّتْ جَارَتِي
حَتَّى تُوَارَى فِي خِبَاءِ المَخْدَرِ
لَا أَهْتِكُ الأَسْتَارَ جَهْلاً فِي الوَرَى
كَلَّا وَلَا أَمْشِي بِقَوْلِ المُفْتَرِي
وَأَحُضُّ قَوْمِي أَنْ يَكُونُوا سَادَةً
قُدْماً إِلَى نَيْلِ المَقَامِ الأَكْبَرِ
وَأَصُدُّهُمْ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سَافِلٍ
وَعَنِ الدَّنَايَا مِثْلَ فِعْلِ الأَخْسَرِ
إِنَّ المَكَارِمَ كَالسَّمَاءِ بَعِيدَةٌ
لَا تُرْتَقَى إِلَّا بِعَزْمٍ مُقْدِرِ
وَالْخَيْلُ تَعْلَمُ وَالرِّمَاحُ شَوَاهِدٌ
فِي حَوْمَةِ المَوْتِ الزُّؤَامِ الأَحْمَرِ
أَنِّي أُصَادِمُ أَلْفَ قِرْنٍ جَاسِرٍ
وَأَشُقُّ هَامَاتِ الكُمَاةِ بِمِبْتَرِ
وَأَخُوضُ نَارَ الحَرْبِ وَهْيَ مُسَعَّرٌ
وَأَرُدُّ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ بِمِنْحَرِ
أَسْقِي ظِمَاءَ البِيضِ مِنْ مُهَجِ العِدَا
وَأُرَوِّيَ السُّمْرَ اللِّدَانَ بِمَحْشَرِ
مَا لَانَ عُودِي فِي الخُطُوبِ وَإِنْ قَسَتْ
كَالطَّوْدِ أَرْسَخُ فِي الرِّيَاحِ الصَّرْصَرِ
سَأَعِيشُ حُرّاً نَاصِعاً مِثْلَ الضُّحَى
وَأَمُوتُ حُرّاً كَالشِّهَابِ الأَزْهَرِ
هَذِي مَكَارِمُنَا وَذَلِكَ شَأْنُنَا
شَأْنُ المُلُوكِ وَكُلِّ حُرٍّ قَسْوَرِ
فَلْتَسْمَعُوا مِنِّي نَصَائِحَ خَابِرٍ
ذَاقَ الزَّمَانَ بِمُرِّهِ وَالأَمْرَرِ
كُونُوا كَمَا كَانَ الأَوَائِلُ كَالذُّرَى
فِي عِزَّةٍ وَشَجَاعَةٍ وَتَبَصُّرِ
وَالْمَجْدُ لَيْسَ بِنَائِلٍ حَتَّى تَرَى
بَذْلَ النُّفُوسِ لِكُلِّ خَطْبٍ أَوْعَرِ