قصيدة
أَرى بَدْرَ السَّماءِ يَلوحُ حيناً
ويَبدو ثُمَّ يَلتَحِفُ السَّحابا
وذاكَ لِأَنَّهُ لَمّا تَبَدَّى
وأَبْصَرَ وَجْهَكِ استَحيا وغَابا
كَأَنَّ جَبِينَهَا الصُّبْحُ الْمُجَلَّى
إِذَا مَا شَقَّ فِي الْغَسَقِ النِّقَابَا
لَهَا طَرْفٌ مِنَ الْغِزْلَانِ يَسْبِي
فَأَوْرَثَنِي الصَّبَابَةَ وَالْعَذَابَا
تَمِيسُ بِخَزِّهَا وَتَجُرُّ ذَيْلًا
وَتَسْحَبُ مِنْ مَفَاتِنِهَا عُجَابَا
إِذَا مَاسَتْ يَمِيدُ الغُصْنُ سُكْراً
وَيَحْسَبُ رِيقَهَا الْعَذْبَ الشَّرَابَا
لَهَا عُنُقٌ كَجِيدِ الرِّئْمِ بَدَّى
كَمَالَ الصُّنْعِ؛ لَا تَلْقَى مَعَابَا
أَسَالَتْ مِنْ غَدَائِرِهَا ظَلَاماً
لِيُسْدِلَ دُونَ طَلْعَتِهَا حِجَابَا
إِذَا نَطَقَتْ بِسِحْرِ الْقَوْلِ هَمْساً
تَخَالُ الْحَرْفَ سِحْراً أَوْ خِلَابَا
سَرَيْتُ إِلَيْكِ لَا أَخْشَى رَقِيباً
وَلَمْ أَهَبِ السُّيُوفَ وَلَا الْحِرَابَا
فَقَالَتْ وَهْيَ تَلْحَظُنِي بِذُعْرٍ:
لَقَدْ جَاوَزْتَ يَا هَذَا الصَّوَابَا
فَقُلْتُ لَهَا: خُذِي بالروحِ دَينًا
فَمَنْ يَهْوَاكِ لَا يَرْجُو إِيَابَا
وَمَا ذَلَّتْ لِغَيْرِ الْحُبِّ نَفْسِي
وَقَدْ دُسْتُ الْأَسِنَّةَ وَالصِّعَابَا
وَلَكِنْ لِلْمَحَبَّةِ سَطْوُ قَهْرٍ
يُذِلُّ الصِّيدَ فُرْسَاناً غِلَابَا
دَنَتْ مِنِّي فَفَاحَ شَذَا عَبِيرٍ
وَأَسْقَتْنِي مِنَ الثَّغْرِ الرُّضَابَا
نَمُوتُ صَبَابَةً وَنَعِفُّ طُهْراً
إِذَا مَا اللَّيْلُ جَمَّعَنَا اصْطِحَابَا
فَلَمَّا أَنْ دَنَا الْفَجْرُ افْتَرَقْنَا
وَقَدْ تَرَكَتْ بِمُهْجَتِيَ الْتِهَابَا
سَقَى اللهُ الْمَرَابِعَ مِنْ دِيَارٍ
بِهَا نَزَلَتْ وَإِنْ كَانَتْ خَرَابَا
لِأَنَّ خَرِيدَةً كَالشَّمْسِ حَلَّتْ
فَعَطَّرَتِ الْمَنَازِلَ وَالرِّحَابَا
بِأَلْحَاظٍ مِرَاضٍ غَيْرَ أَنِّي
رَأَيْتُ صَحِيحَهَا يَفْرِي الرِّقَابَا
وَكَانَ الْقَلْبُ قَبْلَكِ مِنْ حَديدٍ
فَلَمَّا أَنْ رَأَى الْعَيْنَيْنِ ذَابَا