قصيدة
هاجَ المَنازِلُ رِحلةَ المُشتاقِ
دِمَنٌ وآياتٌ لَبِثْنَ بَواقي
طَمَسَتْ سَوافي الرِّيحِ جِدَّةَ رَسْمِها
فَبَدَتْ كَرَقٍّ دارِسِ الأرْماقِ
لِعَقِيلَةٍ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالنَّوَى
بِهِمُ وَلَمْ تَجْنَحْ إِلَى الْإِفْرَاقِ
وَمَسِيرُ مُدْجِنَةٍ تُسَحِّبُ ذَيْلَهَا
سَحْبَ الْخِبَاءِ يُشَدُّ بِالأَرْوَاقِ
غَرْبِيَّةٍ حَصَّاءَ يَسْفَحُ وَبْلُهَا
بِعُنَيْزَةٍ فَالرَّمْلِ فَالْأَبْرَاقِ
هَدَمَتْ عَلَى رُبَعِ الشِّيَاهِ كِنَاسَهَا
فَيَلُذْنَ بِالْأَشْجَارِ وَالأَعْذَاقِ
فَتَرَى مَسَايِلَ كُلِّ بَطْنِ قَرَارَةٍ
طَمَّتْ غَوَارِبُهَا مِنَ الإِدْفَاقِ
فَكَأَنَّ مَجْرَى السَّيْلِ كُلَّ عَشِيَّةٍ
يُكْسَى بِوَشْيٍ بَاهِرِ الْأَنْمَاقِ
مِنْ نَسْجِ صَنْعَاءَ الَّتِي قَدْ نُمِّقَتْ
لِتُبَاعَ يَوْمَ مَوَاسِمِ الْإِنْفَاقِ
فَزَجَرْتُ فِيهَا نَاقَتِي فَتَجَاوَبَتْ
لِهَوَى النَّجَاءِ تَحِنُّ فِي الأَشْوَاقِ
وَأَثَرْتُ مِذْعَانَ السُّرَى وَكَأَنَّهَا
إِذْ ذُعِّرَتْ أَحْشَاؤُهَا لِفِرَاقِ
مُتَصَيِّفٌ نَزَعَ الْهَجِيرُ نَسِيلَهُ
صَخِبُ الْمَرَاحِ يُجِيبُ كُلَّ نُهَاقِ
مِنْ نَبْتِ رَوْضَاتِ الْغَبِيطِ تَسَرْبَلَتْ
أَلْوَى الْغُصُونِ وَلَجَّ فِي إِرْهَاقِ
هَزِجُ التَّنَهْنُهِ فِي الصُّدُورِ كَأَنَّهُ
غَرِدٌ يُرَجِّعُ صَوْتَهُ بِشَرَاقِ
فِي عَانَةٍ سُفْعٍ أَشَدَّ صَرِيحَهَا
قُودٍ كَأَقْدَاحِ النِّضَالِ عِتَاقِ
وَكَأَنَّ بَارِدَهَا إِذَا ذَاقَتْ لَهُ
كَأْسٌ مُعَتَّقَةٌ لَدَى ذَوَّاقِ
صِرْفٌ تَرَى ضَوْءَ الشُّعَاعِ خِلَالَهَا
تَغْتَالُ لُبَّ الْمَرْءِ قَبْلَ مَذَاقِ
يُسْلَى بِنَشْوَتِهَا أَصَالَةَ رَأْيِهِ
فَيَبِيتُ بَيْنَ الصَّحْوِ وَالْإِغْمَاقِ
فَتَرَى الْمَهَا فِيهَا تَبَخْتَرُ خِلْفَةً
مَشْيَ الْغَرَانِقِ فِي ثَرًى رَقْرَاقِ
يَقْضِمْنَ نَوْرَ الرَّوْضِ جَلَّلَهُ النَّدَى
وَالنَّبْتُ يَبْلُغُ مَعْقِدَ الْمِنْطَاقِ
وَلَقَدْ هَبَطْتُ الْقَاعَ حَلَّ بِهِ الْحَيَا
يَنْضَحْنَ فَاضِلَهُ عَلَى الْأَحْدَاقِ
أَزْجِي بِهِ صَحْباً يُدَارُ حَدِيثُهُمْ
تِيهًا وَذِكْرَ مَرَاجِلٍ وَخِنَاقِ
حَتَّى إِذَا آبَ الْمُثَوِّبُ قَدْ رَأَى
لَيْثَ الْعَرِينِ مُحَدِّدَ الْآمَاقِ
لَبِسُوا مِنَ الدِّرْعِ الْمُفَاضَةِ نَسْجَهَا
كَالْغَدْرِ يَوْمَ حَفِيفِهَا الْغَيْدَاقِ
مِنْ نَسْجِ دَاوُدٍ وَصُنْعَةِ تُبَّعٍ
غَلَتِ الذَّخَائِرُ فَوْقَ كُلِّ صَدَاقِ
وَجَعَلْتُ نَفْسِي دُونَهُمْ وَطِمِرَّةً
جَرْدَاءَ تَقْحَمُ فِي الْوَغَى بِعَنَاقِ
كَالرُّمْحِ صُمِّمَ مَتْنُهَا فَتَزَيَّنَتْ
بِنَجَابَةِ الآبَاءِ وَالأَخْلَاقِ
تَذَرُ الْجِيَادَ كَلِيلَةً فِي إِثْرِهَا
وَتَنَالُهُنَّ بِسُرْعَةٍ وَخِرَاقِ
وأَصَمَّ صَدقا مِن رِماحِ رُدَينةٍ
فِي كَفِّ لَيْثٍ لِلْوَغَى مِعْنَاقِ
بَطَلٌ يَكُرُّ عَلَى الْكُمَاةِ مُدَجِّجٌ
إِذْ زَاغَتِ النُّشَّابُ عَنْ إِرْشَاقِ
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ مَعْشَرٍ بَكْرِيَّةٍ
زُرْقِ الْأَسِنَّةِ كُلَّ يَوْمِ سِيَاقِ
لا يُدْبِرُونَ إِذَا الْفَوَارِسُ أَحْجَمَتْ
نَظَرَ الْبَعِيرِ يَغَصُّ فِي الأَوْثَاقِ
يَحْمُونَ حَوْزَتَهُمْ وَيُمْضَى أَمْرُهُمْ
فِي جَمْعِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَيِّ نِفَاقِ
والخَيلُ تَعلمُ مَن يَبُلُّ نُحورَها
بدَمٍ ، كماءِ العَنْدَمِ المُهرَاقِ