قصيدة
سَمَاءٌ تُحَدِّثُ الْفُؤَادَ الْمُعَذَّبَا بِشَوْقِ الْمَلِيحَةِ الَّتِي ذَا تَعَذَّبُ
فَفِيهَا مَحَاسِنُ الْجَمَالِ شُمُولًا لَا نَقُصَتْ عَنِ الْكَمَالِ بَلْ هِيَ تَقْرَبُ
أُكَاتِبُهَا وَالشِّعْرُ مُنْسَكِبٌ أَتْلُو وَقَلْبِي عَلَيْهَا نَاطِقٌ لَيْتَ يَقْرَبُ
وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا أَرَاضٍ أَيَا لَيْتَ الَّذِي بَيْنَنَا حِجْرٌ وَحِضْنٌ مُطَيَّبُ
ذَكَرْتُكِ وَاللَّيْلُ لِي سَامِعٌ قَالَ أَمِثْلُهَا بَيْنَ الْأَنَامِ وَيُنْدَبُ؟
أَرَقٌ أَرَقَّ مُهْجَتِي وَالصَّبَابَةُ تَرَقْرَقُ مِنْهَا ذَا بِلَيْلٍ يُرَقِّبُ
أَتَيْتُ عَسَانِي أَقْدِرُ لَيْتَ أَشْدُو بِالْـ ـكَلَامِ الْمُصَاغِ بِالْأَصِيلِ وَأَكْتُبُ
أَحَارَتْ فُؤَادِي مِنْ نَدَى حُسْنِهَا كَمَا لِنَبْعٍ يَجُودُ بِيْدَ حُرٍّ يُذَوِّبُ
عَلِمْتُ الْجَمَالَ يَوْمَ لَمَحْتُهَا حَقًّا فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ أَمَامِي تُخَاطِبُ؟
وَصَادَتْ فُؤَادِي بِاللِّحَاظِ بِرَمْشِهَا أَصَقْرٌ يُصَادُ مِنْ غَزَالٍ فَيُطْرَبُ؟
وَبَلْ كَانَتِ الصَّقْرَ السَّدِيدَ بِصَيْدِهِ وَأَنَا الْغَزَالُ لَا أَرَى كَيْفَ أَهْرُبُ
فَقُولُوا عَلَيَّ مَا أَرَدْتُمْ فَطِيبُهَا تَحَكَّمَ وَالْفُؤَادُ فِيهَا يُطَالِبُ
فَكُلُّ الْجَمَالِ فِي سِوَاهَا سَرَابٌ إِذْ لَدَى حُسْنِهَا حَتَّى الْجَمَالُ مُهَذَّبُ
أَيَا رِيحَ لَيْلِي إِحْمِلِينِي لِصَوْبِهَا فَشَوْقِي يَزِيدُ هَلْ لَدَيْكِ لَهَا دَرْبُ؟
وَصُورَتُهَا فِي الْعَقْلِ وِرْدٌ مُخَلَّدٌ وَإِنِّي بِذِكْرِهَا وَحُلْمِي بِهَا دَأْبُ
أَرَاهَا بِنَوْمِي وَالْمَنَامُ قَصِيرٌ يَا مَنَامِي أَلَا تَطُولُ إِنِّي مُعَاتِبُ
أَرَاهَا أَمَامِي وَالنَّهَارُ مُجَلْجِلٌ فَيَا مُهْجَتِي دَعِي السُّهَادَ يَعَتِّبُ
لَهَا خَيْرُ مَا خَطَّ الْقَلَمُ الْمُزَخْرَفُ وَفِيهَا الْمِدَادُ لَاقِحٌ لَيْسَ يَنْضُبُ
فَقَدْ مَلَّ مِنِّي الْقَوْمُ طُرًّا لِذِكْرِهَا لَإِنِّي بِهَا قَرِيرُ عَيْنٍ مُطَبْطِبُ
وَإِنِّي لَهَائِمُ الْهَوَى وَالْحَنَايَا مِنْ هَوَاهَا تُنِيرُ وَالْجُرُوحُ تَضَبْضَبُ
وَإِنَّ هَوَاهَا مُسْكِرِي دُونَمَا خَمْرٍ يُصَاغُ بِكَأْسٍ أَوْ يُصَبُّ وَيُشْرَبُ
وَإِنَّ الْخُمُورَ تِلْكَ يَعْصُو عَلَيْهَا مَا فَعَلَتْ جَمِيلَتِي بِرُوحِي فَتَغْضَبُ
تَرَى حُبَّهَا سَيْفًا عِقَابًا وَمَسْلُولًا وَلِلْقَلْبِ ذَاكَ كَانَ سَهْمًا يُصَوِّبُ
فَلَهَا أَقُومُ لِلْحُرُوبِ مُرَحِّبًا فِدَاهَا النُّفُوسُ وَالْأَضَاحِي تَقَرَّبُ
فَلَوْ كَانَ يَدْرِي الْوَرَى لِلْحَبِيبِ مِنَ مَقَامٍ لَبَادَ ذَا الْعَقِيقُ وَيَذْهَبُ
وَلَها تَسَابَقَ الْأَنَامُ أَفْوَاجًا لِقُرْبٍ عَسَاهُمْ يَنْتَصِرُوا وَيَغْلِبُوا
فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ نَسْجُ خَيْرِ الْكَلَامِ إِذْ بِهَا أَحْسَنُ الْأَمْثَالِ تُرْوَى وَتُضْرَبُ
بِسُقْمِي أَرَاهَا وَالْجُرُوحُ تَطِيبُ فِي جَزَعِي أَخَالُهَا أَمَامِي فَأَنْصَبُ
لَهِيبُ الْهَوَى يُلَاعِبُ الرُّوحَ حَارِقًا يَزِيدُ الشَّجَى وَالْحُزْنَ فِي بَيْنِهَا كَرْبُ
يُبَاهَى بِهَا عِنْدَ الْوَرَى خِلْقَةً كَمَا خُلُقًا مُطَرَّزًا لَعِشْقِي لَهَا عَذْبُ
مُلِئَ الْفُؤَادُ مِنْ شَجَنٍ لِبُعْدِهَا أَيَا لَيْتَنِي أَنَالُهَا وَأُجَانِبُ
فَقُرْبٌ يَطِيبُ عِنْدَهُ الْوَهْنُ سَرْمَدًا فَقَلْبِي بِحُبِّهَا صَفَا يَتَخَضَّبُ
هَنَاءٌ بَدَا عَلَى هَنَاءٍ أُبَادِيهِ وَرُوحِي تُرِيدُ مِنْ لِقَاءٍ يُرَتَّبُ
وَلَمَّا تَلَاقَيْنَا كُشِفَ الْغِشَاءُ عَنْ عُيُونِي بَدَا الْكَمَالُ وَلَيْسَ يُحْجَبُ
فَقَدْ كُنْتُ عَنْ نُورِ الْمَلِيحَةِ جَاهِلًا لَعَمْرِي لَعُمْرِي قَبْلَهَا لَيْسَ يُحْسَبُ
فَعَيْنٌ تُشِعُّ النُّورَ دِفْئًا وَتَبْرُقُ وَأُخْرَى كَنَسْرٍ جَارِحٍ ذَاكَ يَعْطِبُ
وَكِلْتَاهُمَا لِمُهْجَتِي سَبَبٌ لَقَتَّالٌ أَصَابَ فَرُحْتُ وَالْعِشْقُ يُعْطِي وَيَسْلُبُ
وَلَكُلَّمَا تَلَاقَتِ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ غَرِقْتُ وَمَا لِي أَسْبَحُ ثُمَّ أُسْحَبُ
وَلَمَّا تَكَلَّمَتْ كَأَنَّ التَّغَارِيدَ لَدَيْهَا كَأَوْلَادٍ وَطِفْلٍ لِيَلْعَبُ
فَتَشْدُو بِأَلْحَانِ الصَّفَاوَةِ وَالْوَصْلِ صَفَاءٌ مُرَاقٌ مِنْ فَمِهَا يَعَجَّبُ
كَأَنَّ الْحُرُوفَ تُسْتَصَاغُ بِطَوْعِهَا بِمَحَبَّةٍ كَمَا الذَّهَبُ الْمُذَوَّبُ
فَطَيْرُ السَّمَاءِ عِنْدَهَا وَاقِفُونَ فِي عَجَابٍ فَصَوْتُهَا لِعِشْقٍ مُسَبِّبُ
وَرَمْشٌ مُكَحَّلٌ عَتِيدٌ مُسَدَّدٌ أَتَانِي فَصَارَ الْغُلْبُ لَهَا فَتَكْسِبُ
خَفَقَ الْفُؤَادُ كُلَّمَا هُدْبُهَا رَقَّ كَأَنَّ الرُّمُوشَ حِينَ رَفَّتْ تَجَاذَبُ
وَعَيْنٌ يُرَاقُ عِنْدَ نُورٍ شُعَاعُهَا فَكَأَنَّ الْحَيَاةَ تَنْجَلِي وَتَطِيّبُ
فَكَأَنَّ الْأَصِيلَ وَالْغَدَاةَ وَعَسْجَدًا سَكَنُوا عُيُونَهَا ذَهَبًا وَيُسْكَبُ
وَآهٍ لِثَغْرِهَا الْمُعَذِّبِ بِبَسْمَةٍ تَشُقُّ الدُّجَى تُبْدِي الصَّبَاحَ وَتَجْلِبُ
فَكُلَّمَا تَعَالَتِ الضَّحِكَاتُ ذَا فُؤَادِي يَكُونُ الشَّمْسَ حَرًّا وَيَطْرَبُ
وَإِنَّ الْحَيَاةَ دُونَهَا ذَا مَشَقَّةٌ فَلِي هِيَ لَلْقَاضِي لِرُوحِي يُحَاسِبُ
فَإِنَّ الْمُحَالَ الْيَوْمَ صُبَّ بِهَا حَقًّا فَهِيَ الْمَلَاكُ وَالْبَهَاءُ الْمُقَرَّبُ