قصيدة

"هَلْ تَذْكُرُونَ غَرِيباً عَادَهُ شَجَنُ

مِنْ ذِكْرِكُمْ وَجَفَا أَجْفَانَهُ الوَسَنُ؟

يَطْوِي التَّبَارِيحَ وَالأَدْمَاعُ تَهْتِكُهُ

فَالْجَهْرُ وَالسِّرُّ عِنْدَ الصَّبِّ يَقْتَرِنُ

وَا وَيحَتاهُ أَيَثْوِي فِي تَرَائِبِهِ

لُبٌّ غَدَا بِطُلُولِ الْحَيِّ يُرْتَهَنُ

أَذْكَى نُفُورَ الْكَرَى وَاللَّيْلُ مُعْتَكِرٌ

نَوْحُ الْحَمَائِمِ إِذْ أَوْدَى بِهَا الحَزَنُ

ظَلَلْتُ أَنْعَى وَتَنْعَى فَوْقَ سِدْرَتِهَا

وَبَاتَ يَهْتَزُّ مِنْ أَلْحَانِنَا الفَنَنُ

مَتَى أُنَادِمُ أُلَّافاً وُدِدْتُهُمُ

كَانُوا الرَّجَاءَ وَلَكِنْ لِلنَّوَى ظَعَنُوا

أَمْ تَحْفَظُونَ ذِمَاماً لَسْتُ أُهْمِلُهُ

إِنَّ الأَصِيلَ بِحِفْظِ الْعَهْدِ يُمْتَحَنُ

إِنْ أَسْفَرَ الْعِيدُ فِي أَوْطَانِكُمْ فَرَحاً

فَالصَّبُّ أَوْدَى بِهِ من ذِكْرِكُمْ حزَنُ

وَأَوْحَشَتْهُ خُطُوبُ الدَّهْرِ مِنْ سَكَنٍ

فَبَاتَ يَنْدُبُ حَظّاً شَابَهُ الْوَهَنُ

بِمَ التَّعَلُّلُ؟ لاَ أَهْلٌ وَلَا وَطَنٌ

وَلَا نَدِيمٌ، وَلَا كَأْسٌ، وَلَا سَكَنُ

أَرْجُو مِنَ الْوَقْتِ شَأْواً لَا يُطَاوِعُهُ

نَفْسُ الزَّمَانِ وَلَمْ يُدْرَكْ لَهُ سَنَنُ

فَوَاجِهِ الخَطْبَ لَا تَعْبَأْ بِطَارِقِهِ

مَا دَامَ عِرْقُكَ فِي الأَحْيَاءِ يُحْتَضَنُ

فَلَا النَّعِيمُ بِبَاقٍ إِنْ ظَفِرْتَ بِهِ

وَلَا الرَّزِيَّةُ تُحْيِي مَنْ بِهَا دُفِنُوا

وَمِنْ شَقَاءِ ذَوِي الأَشْوَاقِ أَنَّهُمُ

هَامُوا بِمَا جَهِلُوا حُبّاً وَمَا زَكَنُوا

أَفْنَوْا مَدَامِعَهُمْ وَجْداً وَأَنْفُسَهُمْ

فِي إِثْرِ ذِي غَدَرَاتٍ طَبْعُهُ إِحَنُ

وَلُّوا الرِّكَابَ، وَقَادُوا كُلَّ ضَامِرَةٍ

وَالْبَيْنُ غُولٌ بِلَحْمِي الْيَوْمَ يَعْتَجِنُ

لَيْسَتْ حُمُولُكُمُ تُغْنِي إِذَا سُلِبَتْ

نَفْسِي، فَلَيْسَ لَهَا فِي عِيرِكُمْ ثَمَنُ

يَا مَنْ أَشَاعَ هَلَاكِي وَهْوَ مُغْتَبِطٌ

كُلُّ الأَنَامِ لِحُكْمِ الحَتْفِ تَرْتَكِنُ

كَمْ ذُقْتُ طَعْمَ الرَّدَى مِنْ صَدِّكُمْ كَمَداً

ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَلَا لَحْدٌ وَلَا شَطَنُ

كَانُوا شُهُوداً عَلَى مَوْتِي فَمَا لَبِثُوا

حَتَّى أُبِيدُوا، وَمَنْ يَبْكُونَ مُتَّزِنُ

مَا كُلُّ سَاعٍ إِلَى الْمَأْمُولِ مُدْرِكُهُ

يَسْرِي الْقَضَاءُ بِمَا لَا يَحْسِبُ الذَّهِنُ

عَاشَرْتُكُمْ فَإِذَا بِالْجَارِ مُنْتَهَكٌ

وَأَرْضُكُمْ سَبَخٌ مَا زَارَهَا الدِّجَنُ

جَزاءُ كُلِّ قَريبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ

وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنكُمُ ضَغَنُ

وَتَمْنَحُونَ قَرِيبَ الدَّارِ غِلْظَتَكُمْ

وَحَظُّ مَنْ رَامَكُمْ بِالْوُدِّ مُمْتَهَنُ

وَتَحْقِدُونَ عَلَى مَنْ حَازَ فَضْلَكُمُ

حَتَّى يُنَغِّصَ ذَاكَ السَّيْبَ مُضْطَغِنُ

أَبْقَى صُدُودُكُمُ بَيْدَاءَ مُهْلِكَةً

فِيهَا الْمَسَامِعُ وَالأَبْصَارُ تُغْتَبَنُ

تَمْشِي النَّجَائِبُ فِيهَا بَعْدَ سُرْعَتِهَا

زَحْفاً، وَتَنْدُبُ مِنْ أَخْفَافِهَا الْخُشُنُ

إِنِّي أُصَابِرُ حِلْمِي وَهْوَ مَكْرُمَةٌ

وَلَسْتُ أَلْزَمُ حِلْماً شَابَهُ الأَفَنُ

وَلَا أُقِيمُ عَلَى جَاهٍ يُدَنِّسُنِي

وَلَا أُسَرُّ بِعَيْشٍ شَابَهُ الْعَفَنُ

سُهِدْتُ بَعْدَكُمُ وَالشَّوْقُ يَلْسَعُنِي

حَتَّى صَلَبْتُ قَنَاتِي فَانْقَضَى الْمَرَنُ

إِذَا ابْتُلِيتُ بِحُبٍّ خَائِنٍ صَلِفٍ

فَإِنَّنِي لِفِرَاقِ مِثلِهِ قَمِنُ

أَبْلَى السَّرَائِحَ طِرْفِي نَحْوَ غَيْرِكُمُ

وَبُدِّلَ الرَّبْعُ بِالْهَيْجَاءِ وَالْمُدُنُ"