قصيدة

أَضْحَى الْفِرَاقُ بَدِيلًا عَنْ تَلَاقِينَا

وَأَوْرَثَ الْهَجْرُ أَسْقَامًا لِتُضْنِينَا

غَدَاةَ شَقَّ عَمُودُ الْبَيْنِ طَلْعَتَهُ

حَتْفًا وَقَامَ بِكَأْسِ الْمَوْتِ سَاقِينَا

مَنْ مُبْلِغُ الْقَوْمِ مَنْ جَادُوا بِفُرْقَتِهِمْ

وَجْدًا عَلَى الدَّهْرِ لَا يَبْلَى وَيُبْلِينَا

أَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي بِالْقُرْبِ أَضْحَكَنَا

أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا

غيظَ العِدا مِن تَساقينا الهَوى فَدَعَوا

بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا

فَانْحَلَّ عِقْدُ وِدَادٍ فِي جَوَانِحِنَا

وَانْبَتَّ حَبْلُ رَجَاءٍ مِنْ أَيَادِينَا

وَقَدْ نَبِيتُ وَلَا نَخْشَى النَّوَى أَبَدًا

فَالْيَوْمَ نَحْنُ وَلَا يُرْجَى تَوَافِينَا

يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلَمْ نُغْضِبْ أَعَادِيَكُمْ

هَلْ بَاتَ يَشْفِي غَلِيلَ الْحِقْدِ شَانِينَا

لَمْ نَعْتَقِدْ بَعْدَكُمْ إِلَّا الْوَفَاءَ لَكُمْ

شِرْعًا، وَلَمْ نَتَّخِذْ فِي الْحُبِّ تَلْوِينَا

مَا كَانَ عَدْلًا بِأَنْ تُرْضُوا الْحَسُودَ بِنَا

أَوْ أَنْ تُقِرُّوا بِفَرْطِ الْهَجْرِ قَالِينَا

كُنّا نَرى اليَأسَ تُسلينا عَوارِضُهُ

فَالْيَوْمَ نَيْأَسُ وَالسُّلْوَانُ يُجْفِينَا

بِنْتُمْ وَبِنَّا فَمَا قَرَّتْ جَوَارِحُنَا

شَوْقًا إِلَيْكُمْ، وَلَا جَفَّتْ غَوَادِينَا

نَكَادُ حِينَ يُنَاجِي طَيْفُكُمْ حُلُمِي

يَقْضِي عَلَيْنَا الْأَسَى لَوْلَا تَوَاسِينَا

أَحَالَتِ الدَّارُ أَيَّامِي فَقَدْ لَبِسَتْ

سُودًا، وَكَانَتْ بِكُمْ بِيضًا لَيَالِينَا

إِذْ رَوْنَقُ الْعَيْشِ ضَحَّاكٌ بِأُلْفَتِنَا

وَمَرْبَعُ الْأُنْسِ طَلْقٌ مِنْ تَصَافِينَا

وَإِذْ قَطَفْنَا غُصُونَ الْوَصْلِ دَانِيَةً

جَنَائِهَا، فَجَنَيْنَا كُلَّ مَا شِينَا

لِيُسْقَ عَهْدُكُمُ الْمَاضِي بِوَابِلٍهِ

فَمَا خُلِقْتُمْ سِوَى رَوْحٍ يُحَيِّينَا

لَا تَحْسَبُوا النَّأْيَ عَنْ عَيْنَيَّ يُبْدِلُنِي

وَإِنْ أَطَالَ الْجَفَا صَدًّا وَتَهْوِينَا

وَاللَّهِ مَا طَلَبَتْ نَفْسِي بِكُمْ بَدَلًا

مِنْكُمْ وَلَا انْصَرَفَتْ عَنْكُمْ أَمَانِينَا

يَا سَارِيَ الْمُزْنِ غَشِّ الدَّارَ وَاسْقِ بِهَا

مَنْ كَانَ صِرْفَ الْهَوَى وَالْوُدَّ يَسْقِينَا

وَاسْأَلْ مَغَانِيَهُمْ: هَلْ شَاقَهُمْ كَلَفِي؟

صَبًّا تَذَكُّرُهُ بِالشَّوْقِ يُضْنِينَا

وَيَا نَسِيمَ الصَّبَا بَلِّغْ مَوَدَّتَنَا

مَنْ لَوْ عَلَى الْبُعْدِ حَيَّا كَانَ يُحْيِينَا

فَهَلْ يَمُنُّ عَلَيْنَا الدَّهْرُ مُسْعِفَةً

يَوْمًا، وَيَقْضِي لَنَا مَا قَدْ تَقَاضِينَا

فَرِيدُ حُسْنٍ كَأَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَهُ

مِسكاً وَقَدَّرَ إِنشاءَ الوَرى طينا

أَوْ صَاغَهُ لُؤْلُؤًا رَطْبًا وَتَوَّجَهُ

بِالتِّبْرِ فَازْدَانَ إِبْدَاعًا وَتَحْسِينَا

إِذَا تَثَنَّى أَمَالَتْهُ رَفَاهِيَةٌ

طَوْقُ الْعُقُودِ، وَأَدْمَتْهُ الْبُرَى لِينَا

ظِلُّ الْغَمَامَةِ يَكْفِيهِ لِمَهْدِ صِبًا

وَالشَّمْسُ مَا بَرَزَتْ إِلَّا أَحَايِينَا

كَأَنَّمَا رُصِّعَتْ فِي حُسْنِ جَبْهَتِهِ

زُهْرُ النُّجُومِ لِتَعْوِيذٍ وَتَزْيِينَا

مَا ضَرَّنَا أَنْ قَصُرْنَا عَنْ مَرَاتِبِهِ

وَفِي الْغَرَامِ وِفَاقٌ مِنْ تَكَافِينَا

يَا رَوْضَةً طَالَمَا أَهْدَتْ نَوَاظِرَنَا

وَرداً جَلاهُ الصِبا غَضّاً وَنَسرينا

وَيَا حَيَاةً تَمَلَّيْنَا بِبَهْجَتِهَا

مُنًى عِذَابًا وَلَذَّاتٍ أَفَانِينَا

وَيَا نَعِيمًا تَبَخْتَرْنَا بِزَهْرَتِهِ

فِي بُرْدِ سَعْدٍ سَحَبْنَا ذَيْلَهُ حِينَا

لَسْنَا نُسَمِّيكِ إِجْلَالًا وَتَكْرِمَةً

وَالْقَدْرُ يَسْمُو فَكِنْيَاتٌ تُغَطِّينَا

إِذَا انْفَرَدْتِ بِأَوْصَافٍ مُنَزَّهَةٍ

فَحَسْبُنَا الْوَصْفُ إِيضَاحًا وَتَبْيِينَا

يَا جَنَّةَ الْخُلْدِ أُبْدِلْنَا بِنَضْرَتِهَا

وَالْكَوْثَرِ الْعَذْبِ زَقُّومًا وَغِسْلِينَا

كَأَنَّنَا لَمْ نَبِتْ وَالْوَصْلُ يَجْمَعُنَا

وَالسَّعْدُ أَغْفَى لَدَيْنَا عَيْنَ وَاشِينَا

إِنْ شَحَّتِ الدَّارُ فِي الدُّنْيَا بِرُؤْيَتِكُمْ

فِي يَوْمِ بَعْثٍ نَلْقَاكُمْ وَتَلْقُونَا

سِرَّانِ فِي سَدَفِ الظَّلْمَاءِ نَكْتُمُهَا

حَتَّى يَكَادَ لِسَانُ الصُّبْحِ يُفْشِينَا

لَا غَرْوَ إِنْ جَدَّدَ الْبُعْدُ الشَّجَى أَلَمًا

عَنْهُ النُّهَى، وَتَرَكْنَا الصَّبْرَ نَاسِينَا

إِنَّا قَرَأْنَا الْأَسَى يَومَ النَّوَى سُورًا

مُحْكَمَةً وَأَخَذْنَا الصَّبْرَ تَلْقِينَا

أَمَّا غَرَامُكِ لَمْ نَعْدِلْ بِمَنْهَلِهِ

شِرْبًا، وَإِنْ كَانَ يُرْوِينَا فَيُظْمِينَا

لَمْ نَجْفُ أُفْقَ سَنَاءٍ أَنْتِ كَوْكَبُهُ

سَالِينَ عَنْهُ، وَلَمْ نَهْجُرْهُ قَالِينَا

وَلَا اخْتِيَارًا تَجَنَّبْنَاهُ مِنْ كَثَبٍ

لَكِنْ عَدَتْنَا عَلَى كُرْهٍ عَوَادِينَا

نَأْسَى عَلَيْكِ إِذَا دَارَتْ مُشَعْشَعَةً

فِي مُلْتَقَانَا، وَغَنَّانَا مُغَنِّينَا

لَا أَكْؤُسُ الرَّاحِ تُبْدِي مِنْ شَمَائِلِنَا

وَشْيَ ارْتِيَاحٍ وَلَا الْأَوْتَارُ تُسْلِينَا

دُومِي عَلَى الْعَهْدِ مَا دُمْنَا مُحَافِظَةً

فَالْحُرُّ مَنْ دَانَ إِنْصَافًا كَمَا دِينَا

فَمَا اسْتَعَضْنَا خَلِيلًا عَنْكِ يَحْبِسُنَا

وَلَا اسْتَفَدْنَا حَبِيبًا عَنْكِ يَثْنِينَا

وَلَوْ رَنَا نَحْوَنَا مِنْ أُفْقِ مَطْلَعِهِ

بَدْرُ الدُّجَى، لَمْ يَكُنْ حَاشَاكِ يُصْبِينَا

أَرْعَى الْوَفَاءَ وَإِنْ لَمْ تَبْذُلِي صِلَةً

فَالطَّيْفُ يُقْنِعُنَا، وَالذِّكْرُ يَكْفِينَا

وَفِي الْجَوَابِ مَتَاعٌ إِنْ شَفَعْتِ بِهِ

بِيضَ الصَّنَائِعِ فِي الْآيَاتِ تُولِينَا

عَلَيْكِ مِنَّا سَلَامُ اللَّهِ مَا بَقِيَتْ

حُشَاشَةٌ بِكِ نُخْفِيهَا فَتُخْفِينَا