قصيدة
بَدا لَك حُبٌّ بَعدما كَانَ مُضمَرا
وَحَلَّت زُهيرا بَطنَ سَقرٍ فَقيصَرا
جُديّلِيةٌ بَانت وَفي الصَدرِ حُبها
مُجاوِرَةَ الأعرابِ والحَيُّ أقفَرا
بِعَينَيَّ رَكبُ الحَيِّ لَما تَزمَعوا
لَدىٰ جَانبِ الوِديانِ مِن جَنبِ أعفَرا
فَشَبهتُ تِلكَ العِيسَ لَما تَرحلّوا
حَدائِقَ بَسقٍ أو سَفينًا مُصيَّرا
أَو البَاسِقَاتُ مِن نَخيلِ ابنِ وَائِلٍ
وَدونَ الصِبا الائي يَلينَ المُزَمَّرا
سَوامِقَ خَلَّاقٍ أثيثٍ فُروعهُ
وَعالينَ أَثمارًا مِن البُسرِ أصفَرا
حَمتهُ بَنو الأشرَاسِ مِن آلِ خِندفٍ
بِأنصَالِهِم حَتى أُقِرَّ وَأثَمَرا
وَذَادَتْ عِدَى الغَارَاتِ دُونَ هَضِيمِهِ
شَبَاةُ رِمَاحٍ لَمْ تَدَعْ مُتَجَبِّرَا
وَأَرْضَى بَنِي الأَشْرَاسِ نَوْءُ مُخِيلَةٍ
فَأَعْذَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَتَهَصَّرَا
أَطَافَ بِهِ الجُنَّاةُ يَوْمَ صِرَامِهِ
يَرُدُّونَ لَحْظَاً بِالتَّعَجُّبِ أَحْوَرَا
خَرَائِدُ فِي خِدْرٍ كَأَنَّ حُدُوجَهَا
كَنَائِسُ قِسٍّ رُصِّعَتْ لِتُوَقَّرَا
تَزَمَّلْنَ عَصْبَاً حِمْيَرِيّاً وَبُرْدَةً
وَشَذْرَاً وَيَاقُوتَاً بَدِيعَاً مُفَقَّرَا
وَرِيحَ صَبَاً حَشَّتْ بِأَنْفَاسِ رَوْضَةٍ
تُعَلُّ بِمَفْرُوكٍ مِنَ النَّدِّ أَذْفَرَا
ومَحْلَبَ عُودٍ مِن سَرَنديبَ قادِماً
وعَنْبَرَ حَانُوتٍ ذَكِيّاً تَبَخَّرَا
وَيَلَنْجَجَاً جَالَتْ بِهِ كَفُّ طَارِقٍ
وَمَجْمَرَةً فَاحَتْ كِبَاءً مُقَتَّرَا
رَهَائِنُ صَبٍّ قَدْ تَوَلَّى وَعَاقَهُ
قَطِيعَةُ خَوْدٍ حَبْلُهَا قَدْ تَبَتَّرَا
وَكَانَ لَهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ عَاشِقٌ
يُسَارِقُهَا اللَّحْظَ الخَفِيَّ المُسَتَّرَا
إِذَا نَالَ مِنْهَا نَظْرَةً رِيعَ قَلْبُهُ
كَمَوْقُوذَةٍ صَابَتْ سُلَافَاً مُخَمَّرَا
نَزِيفُ طِلَاءٍ إِنْ مَشَتْ فِي قَبَائِهَا
تُعَاطِي حَشَايَا القَلْبِ أَنْ لا تُفَطَّرَا
أزهراءُ أَمسى وُدُّها قَد تَغَيَّرا
سَنُبْدِلُ إِنْ خَانَ الخَلِيلُ وَغَيَّرَا
تَذَكَّرْتُ صَحْبِي الأَكْرَمِينَ وَقَدْ هَوَتْ
بِنَا يَعْمَلَاتٌ تَقْطَعُ الفَيْفَ أَوْجَرَا
فَلَمَّا بَدَتْ أَعْلَامُ حِسْمَى وَسَرْبُهَا
نَظَرْتُ فَلَمْ أُبْصِرْ بِعَيْنَيَّ مَنْظَرَا
تَبَتَّتْ عُرَى الأَسْبَابِ مِنْ وَصْلِ شَادِنٍ
عَشِيَّةَ جَاوزنا حَماةَ وَشيزَرا
بِسَيْرٍ يَئِنُّ النِّضْوُ مِثْلَ مُقَيَّدٍ
أَخُو الجَهْدِ لا يُلْوِي لِمَنْ قَدْ تَعَذَّرَا
وَلَمْ يُنْسِنِي مَا قَدْ لَقِيتُ حَدَائِجَاً
وَمِظْلَلَةً تَقِي الهَوَاجِرَ مُخْدَرَا
كَأَثْلٍ بِبَطْنِ الوَادِيَيْنِ بِتِهْمَةٍ
وَدُونَ اللِّوَى عَامِدَاتٍ لِعَرْعَرَا
فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِعَنْطَلٍ
ذَمُولٍ إِذَا ذَابَ السَّرَابُ وَهَجَّرَا
تُخَلِّفُ قِيعَانَاً كَأَنَّ مُتُونَهَا
مَلَاءَاتُ عَصْبٍ غَارِزَاً مُتَنَشِّرَا
بَعِيدَةُ مَهْوَى القُرْطِ خَلْفَ غَبِيطِهَا
تُشَابِهُ هِرّاً فِي الوَثَاقِ مُشَجَّرَا
تُطَايِرُ صَوَّانَ الفَلَاةِ بِمَنْسِمٍ
أَزَجَّ نَحِيتٍ لَمْ يُغَادِرْهُ أَمْعَرَا
كَأَنَّ الحَصَى مِنْ دَوْسِهَا وَعِنَاقِهَا
إِذَا نَجَلَتْهُ الرِّجْلُ خَذْفَةَ أَعْسَرَا
كَأَنَّ صَليلَ المَروِ حينَ تُشِذُّهُ
صَليلِ زُيوفٍ يُنتَقَدنَ بِعَبقَرا
عَلَيْهَا كَمِيٌّ لَمْ تُقِلَّ كَمِثْلِهِ
أَبَرَّ بِمِيثَاقِ وَأوفى وَأصبرا
هُوَ المُوْرِدُ الأَرْطَاطَ فِي جَوْفِ مَأْزِقٍ
إِذَا الخَطْبُ أَعْيَا المَاجِدِينَ وَأَعْسَرَا
وَلَوْ شَاءَ كَانَ المُلْكُ فِي رَبْعِ حِمْيَرٍ
وَلَكِنَّهُ لِلرُّومِ سَارَ وَعَسْكَرَا
بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَنَا
وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ وَقد دَرى
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنَكَ إِنَّمَا
نَرومُ العُلَى أَو نَلقَى حَتْفاً مُقَدَّرَا
وإِنّي كَفِيلٌ إِن رَجِعتُ بِسُؤدُدٍ
بِجَيشٍ تَرى فِيهِ السَناجِقَ عَسْكَرَا
عَلَى مَهْيَعٍ صَلْدٍ يَضِلُّ دَلِيلُهُ
إِذَا سَافَهُ العَوْدُ النُباطيُّ جَرْجَرَا
بِكُلِّ كُمَيْتٍ كَالعُقَابِ طِمِرَّةٍ
تُجَاوِبُ أَصْدَاءَ السُّرَى إِنْ تَنَمَّرَا
أَقَبَّ كَسِرْحَانِ الفَلَاةِ ضَبَارِمٍ
تَرَى المَاءَ مِنْ أَقْطَارِهِ قَدْ تَحَدَّرَا
إِذا زُعتُهُ مِن جانِبَيهِ كِلَيهِما
مَشى الهَيدبى فِي خَطوهِ ثُمَّ فَرْفَرَا
إِذَا قُلْتُ رَوَّحْنَا أَرَنَّ فُرَانِقٌ
كَلَيْثِ عَرِينٍ نَازَلَ القِرْنَ قَسْوَرَا
لَقَدْ أَنْكَرَتْنِي أرضُ سَقرٍ وَسُورُهَا
وَفِي أَرْضِ حِمْصٍ قَدْ جُفِيتُ لِأُقْهَرَا
نَشِيمُ بُرُوقَ الغَيْثِ أَيْنَ مَصَابُهُ
وَلَيْسَ دَوَاءٌ مِنْكِ يَا ابْنَةَ جَعْفَرَا
مِنَ الخَفِرَاتِ البِيضِ لَوْ ذَرَّةٌ مَشَتْ
عَلَى حَرِّ وَجْهٍ نَاعِمٍ مِنْكِ أَثَّرَا
لَهُ الوَيْلُ مَنْ يُمْسِي وَمَا عِنْدَهُ أَخٌ
يُوَاسِيهِ أَوْ خِلٌّ صَدُوقٌ لِيُخْبَرَا
أَرَى أُمَّ سَامٍ دَمْعُهَا قَدْ تَحَدَّرَا
بُكاءًا عَلَى سَامٍ كَمَا المُزْنُ أَمْطَرَا
إِذَا نَحْنُ سِرْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً
وَرَاءَ أَعَالِي الشَّامِ نَحْوَ الصَّنَوْبَرَا
إِذَا قُلْتُ هَذَا صَاحِبٌ قَدْ أَمِنْتُهُ
وَقَرَّتْ بِهِ العَيْنَانِ بُدِّلْتُ آخَرَا
كَذَلِكَ جَدِّي لا أُعَاشِرُ صَاحِبَاً
مِنَ النَّاسِ إِلَّا خَانَنِي وَتَنَكَّرَا
وَكُنَّا أُنَاسَاً قَبْلَ غَزْوَةِ ذِي الْقُرَى
وَرِثْنَا تِلَادَ الْمَجْدِ كِبرًا وَمفخرا
وَمَا نَكَلَتْ خَيْلِي وَلَكِنْ تَذَكَّرَتْ
مَرَابِطَهَا فِي ذَاتِ عِرْقٍ وَمَحْجَرَا
أَلَا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ قَدْ شَهِدْتُهُ
بِحَوْرَانَ ذَاتِ التَّلِّ مِنْ دُونِ عَبْقَرَا
وَلا مِثْلَ يَوْمٍ فِي قُدَارَانَ ظِلْتُهُ
كَأَنِّي وَأَصْحَابِي عَلَى قَرْنِ أَعْفَرَا
وَنَشْرَبُ حَتَّى نَحْسِبَ الخَيْلَ حَوْلَنَا
نِقَادَاً وَحَتَّى نَحْسِبَ الجَوْنَ أَشْقَرَا