قصيدة

أَمِنْ آلِ زَهْرَةَ مُدْلِجٌ أَوْ مُغْتَدِ

يَطْوِي الفَيَافِيَ غَيْرَ خَبٍّ مُجْهِدِ

أَفِدَ التَرَجُّلُ غَيرَ أَنَّ رِكابَنا

لَمّا تَزُل بِرِحالِنا وَكَأَن قَدِ

زَعَمَ البَوارِحُ أَنَّ رِحلَتَنا غَداً

وَبِذاكَ خَبَّرَنا الغُدافُ الأَسوَدُ

لا مَرْحَباً بِغَدٍ وَلا أَهْلاً بِهِ

إِنْ كَانَ تَفرِيقُ الأحبَةِ فِي غَدِ

حانَ الرَحيلُ وَلَم تُوَدِّع مَهدَداً

وَالصُبحُ وَالإِمساءُ مِنها مَوعِدي

تِلْكَ الَّتِي رَمَتِ الْحَشَا بِلِحَاظِهَا

سَهْمًا أَصَابَ مَقَاتِلِي لَمْ يَقْصِدِ

طَابَتْ مُجَاوَرَةً بِأَرْضٍ رَغْدَةٍ

بِتَبَسُّمٍ يُحْيِي الرَّجَاءَ وَمَقْعَدِ

غَنيَت بِذَلِكَ إِذ هُمُ لَكَ جيرَةٌ

مِنها بِعَطفِ رِسالَةٍ وَتَوَدُّدِ

فَرَمَتْ فُؤَادَ الصَّبِّ مِنْ قَوْسِ الهَوَى

عَنْ غِرَّةٍ نَبْلاً دَقِيقَ الْمَقْصَدِ

رَنَتِ الْغَدَاةَ بِمُقْلَةٍ مَكْحُولَةٍ

حَوْرَاءَ تَرْتَعُ فِي الرِّيَاضِ الْخُرَّدِ

وَعَلَى التَّرَائِبِ عَسْجَدٌ مُتَلَأْلِئٌ

يَسْبِي النَّوَاظِرَ كَالشِّهَابِ الْمُوقَدِ

بَيْضَاءُ خَالِصَةُ الْبَهَاءِ كَأَنَّمَا

قُدَّتْ مِنَ الْغُصْنِ الرَّطِيبِ الأَمْلَدِ

هَيْفَاءُ ضَامِرَةُ الْحَشَا خِمْصَانَةٌ

نَهَدَتْ بِثَدْيٍ كَالْحُقَاقِ مُنَهَّدِ

مَحطوطَةُ المَتنَينِ غَيرُ مُفاضَةٍ

رَيّا الرَوادِفِ بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ

بَرَزَتْ تَمِيسُ مِنَ الْخُدُورِ كَأَنَّهَا

شَمْسٌ تَبَدَّتْ فِي طُلُوعٍ أَسْعَدِ

أَو دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها

بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ وَيَسجُدِ

أَو دُميَةٍ مِن مَرمَرٍ مَرفوعَةٍ

بُنِيَت بِآجُرٍّ تُشادُ وَقَرمَدِ

سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ

فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ

بِيَدٍ مُنَعَّمَةٍ لَطِيفٍ مَسُّهَا

مَخْضُوبَةِ الأَطْرَافِ ذَاتِ تَوَرُّدِ

رَمَقَتْ بِعَيْنٍ تَسْتَبِيحُ حَشَاشَتِي

نَظَرَ السَقيمِ إِلى وُجوهِ العُوَّدِ

تَبْتَرُّ عَنْ ثَغْرٍ نَقِيٍّ ظَلْمُهُ

بَرَدٌ يُشِعُّ لِثَاتُهُ بِالإِثْمِدِ

كَالأُقْحُوَانِ الْغَضِّ بَاكَرَهُ النَّدَى

فَاهْتَزَّ مِنْ رِيٍّ وَطِيبِ تَبَرُّدِ

قَالُوا بِأَنَّ رُضَابَهَا شَهْدٌ صَفَا

عَذْبُ الْمَذَاقِ مُبَرَّدٌ فِي مَصْعَدِ

قَالُوا وَلَمْ أُطْعَمْ جَنَاهُ بِأَنَّهُ

خَمْرٌ إِذَا ذُقْتَ الْمَعِينِ تَقُلْ زِدِ

قَالُوا وَلَمْ أُطْعَمْ جَنَاهُ بِأَنَّهُ

بَرْدٌ لِأَكْبَادِ الظِّمَاءِ الْوُرَّدِ

يَا حُسْنَ عِقْدٍ صَاغَهُ أَتْرَابُهَا

مِنْ لُؤْلُؤٍ رَطْبِ الْجُمَانِ مُنَضَّدِ

لَوْ أَنَّهَا بَرَزَتْ لِحَبْرٍ نَاسِكٍ

عَبَدَ الإِلَهِ صَرورَةٍ مُتَعَبِّدِ

لَصَبَا إِلَيْهَا تَارِكًا نُسْكَانَهُ

وَرَأَى الْغِوَايَةَ فِي هَوَاهَا تُرْشِدِ

بِمَقَالَةٍ لَوْ أَنَّهَا صَدَحتْ بِهَا

لَانَتْ لَهَا صُمُّ الْجِبَالِ الْخُضَّدِ

وَبِفَاحِمٍ ضَافٍ يَجُولُ بِظَهْرِهَا

كَعَنَاقِدِ الْكَرْمِ الْبَهِيجِ الأَسْوَدِ

فَإِذَا دَنَوْتَ دَنَوْتَ مِنْ كَثَبٍ إِلَى

دِفْءٍ تَحَيَّزَ فِي الْمَكَانِ الْأَوْحَدِ

وَإِذَا حَلَلْتَ حَلَلْتَ فِي رَحْبِ الذُّرَى

عَبَقَ الْمَجَسَّةِ بِالْعَبِيرِ الأَجْوَدِ

وَإِذَا جَذَبْتَ جَذَبْتَ عَنْ مُسْتَوْثِقٍ

جَذْبَ الْكَمِيِّ لِصَارِمٍ مُتَجَرِّدِ

وَإِذَا تَشَبَّثَ شَدَّهُ بِوَثَاقِهِ

شَدَّ الأَسِيرِ بِغُلِّهِ المُتَعَقِّدِ

يَصْلَى الَّذِي يَدْنُو لِفَرْطِ حَرَارَةٍ

تَلْفَحْ كَلَفْحَةِ مَارِجٍ مُتَوَقِّدِ

لا وَارِدٌ عَنْ مَوْرِدٍ يُثْنَى وَلَا

صَادٍ يَؤُوبُ إِذَا دَنَا لِلْمَوْرِدِ