قصيدة

حَيِّ الدِيارَ إِذِ الزَمانُ زَمانُ

وَإِذِ الشِباكُ لَنا خَوىً وَمَعانُ

يا حَبَّذا سَفوانُ مِن مُتَرَبَّعٍ

وَلَرُبَّما جَمَعَ الهَوى سَفوانُ

وَإِذَا وَقَفْتَ مُسَائِلًا عَنْ أَهْلِهَا

صَمَتَ الجَوَابُ وَأَفْصَحَ التِّبْيَانُ

شَطَّ المَزَارُ بِهِمْ وَبَانَ خَيَالُهُمْ

فَالقَلْبُ حَرٌّ وَالنَّوَى نِيرَانُ

لَمَّا طَوَيْتُ عَنِ الغَوَايَةِ كَشْحَهَا

وَهَفَتْ بِيَ العَيْدَانَةُ المِعْوَانُ

حَرْفٌ كَأَنَّ سَنَامَهَا وَقَذَالَهَا

هَضْبٌ تَقَاصَرَ دُونَهُ الصَّوَّانُ

عَشْمَاءُ صَكَّتْ فِي الهَجِيرِ جَنَادِلًا

كَالسَّيْفِ جُرِّدَ مَا عَلَيْهِ جِفَانُ

حَتَّى تَبَدَّى رَبْعُ فَيْصَلَ وَالَّذِي

يَحْيَا بِنُورِ يَقِينِهِ الإِيمَانُ

مَلِكٌ تَمَكَّنَ فِي الصُّدُورِ جَلَالُهُ

فَلَهُ عَلَى شُمِّ الأُنُوفِ عِنَانُ

يَجْلُو طَوِيَّاتِ الصُّدُورِ بِفِطْنَةٍ

إِنْ لَجَّ فِي تَدْلِيسِهِ الخَوَّانُ

فَيَكَادُ مِنْ فَرْطِ الذَّكَاءِ مُؤَيَّدًا

يُتْلَى عَلَيْهِ الغَيْبُ وَالوِجْدَانُ

لَمَّ الشَّتَاتَ بِحُنْكَةٍ فَتَأَلَّفَتْ

أُمَمٌ أَذَابَ قُلُوبَهَا الشَّنَآنُ

فِي كُلِّ حَوْلٍ لِلْعَقِيدَةِ مَوْقِفٌ

تَعْنُو لَهُ الأَمْلَاكُ وَالتِّيْجَانُ

يَرْعَى حَرِيمَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

فَالبَيْتُ أَمْنٌ وَالمَقَامُ أَمَانُ

يَرْمِي الخُطُوبَ بِنَافِذٍ مِنْ حَزْمِهِ

تَنْدَكُّ مِنْ صَدَمَاتِهِ البُلْدَانُ

حَتَّى إِذَا وَقَفَ المَلِيكُ مُلَبِّيًا

وبَكَى المَقَامُ وَهَلَّلَ الرُّكْبَانُ

شَهْمٌ تُضِيءُ دَيَاجِرُ الدُّنْيَا بِهِ

وَبِعَدْلِهِ يَتَزَيَّنُ المِيزَانُ

يَطْوِي الدُّجَى مُتَهَجِّدًا بِيَقِينِهِ

عَافَ الكَرَى، فَدُمُوعُهُ غُدْرَانُ

لَكِنْ رَجَا رِضْوَانَ رَبٍّ عَالِمٍ

إِنَّ التَّقِيَّ يَحُفُّهُ الإِحْسَانُ

عَشِقَتْ سُيُوفُ المَكْرُمَاتِ يَمِينَهُ

فَتَمَزَّقَتْ بِظُبَاتِهَا الأَوْثَانُ

حَتَّى عَدُوُّ الدِّينِ مِنْ لَفْظِ اسْمِهِ

خَرَّتْ لِسَطْوَةِ بَأْسِهِ الأَذْقَانُ

لَيْثٌ إِذَا حَمِيَ الوَطِيسُ بِسَاحَةٍ

وَأَخُو النَّدَى إِنْ عَزَّتِ الأَثْمَانُ

عَذْبُ المَوَارِدِ لَا يُغِيضُ نَوَالُهُ

لَمْ يَدْرِ مَعْنَى المَنْعِ مِنْهُ بَنَانُ

تَهْمِي يَدَاهُ بِكُلِّ جُودٍ زَاخِرٍ

تَرْبُو عَلَى فَيَضَانِهِ الخُلْجَانُ

قَرْمٌ إِذَا كَشَرَ الرَّدَى عَنْ نَابِهِ

صَلْدٌ، وَلَيْسَ يَرُوعُهُ الْمَيْدَانُ

وَإِذَا دَعَا الدَّاعِي لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ

لَبَّتْ نِدَاءَ جَلَالِهِ العُقْبَانُ

يَغْشَى الْمَعَارِكَ بِالصَّوَارِمِ وَالْقَنَا

فَكَأَنَّهُ يَوْمَ الْوَغَى طُوفَانُ

جَرَّدْتَ صَمْصَامَ الْيَقِينِ لَدَى الْوَغَى

حَتَّى هَوَى مِنْ سَيْفِكَ الطُّغْيَانُ

وَإِذَا سَخَا غَمَرَ الْبَرِيَّةَ جُودُهُ

فَتَمَايَلَتْ مِنْ شُكْرِهِ الأَفْنَانُ

سَفَرَتْ مَنَاقِبُهُ لِعَيْنِ بَصِيرَةٍ

يُتْلَى فَيَسْجُدُ عِنْدَهُ العِرْفَانُ

كَمْ حِكْمَةٍ لَكَ قَدْ أَضَاءَتْ حَالِكًا

تَاهَتْ بِحَلِّ عِقَالِهَا الأَذْهَانُ

بَكَتِ الْجِيَادُ الصَّافِنَاتُ لِفَقْدِهِ

وَتَنَهَّدَتْ حُزْنًا لَهُ الْفُرْسَانُ

وَالْقُدْسُ تَنْدُبُ خِلَّهَا وَنَصِيرَهَا

مَنْ غَابَ عَنْهَا، وَالْخُطُوبُ عِوَانُ

لَبِسَتْ حَرِيمُ اللهِ أَسْوَدَ حُزْنِهَا

وَبَكَتْ عَلَيْهِ بِحُرْقَةٍ أَجْفَانُ

وَقَفَتْ جُمُوعُ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةٍ

وَالْقَلْبُ يَعْصِرُ نَبْضَهُ الأَشْجَانُ

نَامَتْ عُيُونُكَ وَالرِّضَا يَحْتَازُهَا

وَضَمِيرُ أُمَّتِنَا بِكُمْ يَقْظَانُ

إِنْ غَابَ شَخْصُكَ فِي التُّرَابِ مُوَسَّدًا

فَمَآثِرُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ كِيَانُ