قصيدة
سَارت زُهارُ وأمسىٰ حَبلُها رَابا
وَأحدثَ الهَجرُ بَعد القُربِ أوصابا
وَأجمعت زُهرا النَأيَ بَعد هِجرَتِنا
مُذ أن رَأت رَاسي الآنَ قَد شَابا
لَيالِ تَجلو لَنا مِن شُربِ مُسبِغَةٍ
حَتىٰ تَخال نَكهَتَهُ مِن رِيحِ أطيابا
وَجيدٍ مُحسَنةٍ تَجلو قَواطِعُها
مِن يَانعِ البَيضِ مَا احلولى وَما طَابا
وَعينٍ كَعينِ الرِيم أغفَت فَأرَّقَها
صَوتُ الوُحوشِ فَطارَ النَومُ ذَهَّابا
هِركَولَةٌ مِثلُ دِعصِ الرَملِ أسفَلُها
مَكسوَّةٌ مِن مِثالِ الحُسنِ جِلبَابا
تُميلُ عِقفًا عَلى المَتنينِ ذَا كِثَفٍ
يَملو مَواشِطَهُ طِيبًا وَتطيابا
رُعبوبَةٌ فُنُقٌ خَمَّاصةٌ رَدَحٌ
قُد أُسقِيَت مِثلَ مَاءِ الدُرِّ تَشرَابا
وَمَهمَهٍ نازِحٍ قَفرٍ مَسارِبُهُ
كَلَّفتُ أَعيَسَ تَحتَ الرَحلِ نَعّابا
يُنبي القُتودَ بِمِثلِ البُرجِ مُتَّصِلاً
مُؤَيَّداً قَد أَنافوا فَوقَهُ بابا
كَأَنَّ كوري وَميسادي وَميثَرَتي
كَسَوتُها أَسفَعَ الخَدَّينِ عَبعابا
أَلجاهُ قَطرٌ وَشَفّانٌ لِمُرتَكِمٍ
مِنَ الأَميلِ عَلَيهِ البَغرُ إِكثابا
وَباتَ في دَفِّ أَرطاةٍ يَلوذُ بِها
يَجري الرَبابُ عَلى مَتنَيهِ تَسكابا
تَجلو البَوارِقُ عَن طَيّانَ مُضطَمِرٍ
تَخالُهُ كَوكَباً في الأُفقِ ثَقّابا
حَتّى إِذا ذَرَّ قَرنُ الشَمسِ أَو كَرَبَت
أَحَسَّ مِن ثُعَلٍ بِالفَجرِ كَلّابا
يُشلي عِطافاً وَمَجدولاً وَسَلهَبَةً
وَذا القِلادَةِ مَحصوفاً وَكَسّابا
ذو صِبيَةٍ كَسبُ تِلكَ الضارِياتِ لَهُم
قَد حالَفوا الفَقرَ وَاللَأواءَ أَحقابا
فَاِنصاعَ لا يَأتَلي شَدّاً بِخَذرَفَةٍ
تَرى لَهُ مِن يَقينِ الخَوفِ إِهذابا
وَهُنَّ مُنتَصِلاتٌ كُلَّها ثَقِفٌ
تَخالُهُنَّ وَقَد أُرهِقنَ نَشّابا
لَأياً يُجاهِدُها لا يَأتَلي طَلَباً
حَتّى إِذا عَقلُهُ بَعدَ الوَنى ثابا
فَكَرَّ ذو حَربَةٍ تَحمي مَقاتِلَهُ
إِذا نَحا لِكُلاها رَوقَهُ صابا
لَمّا رَأَيتُ زَماناً كالِحاً شَبِماً
قَد صارَ فيهِ رُؤوسُ الناسِ أَذنابا
يَمَّمتُ خَيرَ فَتىً في الناسِ كُلَّهُمُ
الشاهِدينَ بِهِ أَعني وَمَن غابا
لَمّا رَآني صَديقٌ في مُرَجَّمَةٍ
رَثَّ الشَوارِ قَليلَ المالِ مُنشابا
أَثوى ثَواءَ كَريمٍ ثُمَّ مَتَّعَني
يَومَ العُروبَةِ إِذ وَدَّعتُ أَصحابا
بِعَنتَريسٍ كَأَنَّ الحُصَّ ليطَ بِها
أَدماءَ لا بَكرَةً تُدعى وَلا نابا
وَالرِجلُ كَالرَوضَةِ المِحلالِ زَيَّنَها
نَبتُ الخَريفِ وَكانَت قَبلُ مِعشابا
جَزى الإِلَهُ صَديقًا خَيرَ نِعمَتِهِ
كَما جَزى المَرءَ نوحاً بَعدَما شابا
في فُلكِهِ إِذ تَبَدّاها لِيَصنَعَها
وَظَلَّ يَجمَعُ أَلواحاً وَأَبوابا
أُنبِئتُ أنَّ أبا نَعماءَ أوعدني
بِبَئسِهِ وَسِنانُ الرُمحِ قَد خَابا
إيهٍ لِقاعِدِكُم سُحقًا لِجارِكُمُ
تَبًّا لِآلِفِكُم ذُو الخِزي تَبَّابَّا
بِئسَ المَنازلُ أنتم تَسكنونَ بِها
وَبِئس جَنى دَاركم مَالًا وَأنسابا
لَا تَعرفونَ مِن الإكرامِ سُنَتَهُ
بَل تَعرفونَ لِنَيكِ القَينِ أسبابا
إن المَخازي يَومَ اللهُ خَالِقُها
دَارت عَليكم فَصارت فِيكمُ نَابا
كَأنما أنتمُ أفرَاخُ نَاخِرَةٍ
لَا تَنظُرونَ وَلا تُعطُونَ مِإيابا
حُمرُ الطِباعِ وَسُودُ الوَجهِ تَجمَعُكم
كَأنَهُ وَجهُ نَعلٍ صَار مِعطَابا
إن المَكارمَ لَم تُخلق إليكَ وَلا
لِقومِكَ العُميُ لَا مَا كَانوا أطيَابا