الــــوَفِــــيَّــــةُ
البَينُ جَرَّعَنِي نَقِيعَ الحَنظَلِ وَأَذَلَّنِي وَالحُرُّ لَا يَتَذَلَّلِ
وَرَمَىٰ الزَّمَانُ عَلَىٰ طَرِيقِي غُرْبَةً فَبَقِيتُ كَالجُلمُودِ لَمْ أَتَبَدَّلِ
يَا حَادِيَ الأَظْعَانِ رِفقًا بِالحَشَا فَالرُّوحُ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ بِمَعْزِلِ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ شَمْلًا جَامِعًا يَغْلُو عَلَىٰ كَفِّ الزَّمَانِ فَيُؤْكَلِ
هَذِي القُلُوبُ مَحَلَّةٌ لِمُسَافِرٍ يَقْتَاتُ مِنْ ذِكْرَىٰ القَدِيمِ المُقْبِلِ
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَىٰ مَا الحُبُّ إِلَّا لِلحَبِيبِ الأَوَّلِ
وَاسْلُكْ مَنَاهِجَ مَنْ تُحِبُّ وَتَهْتَوِي إِنَّ الوَفَاءَ لَشِيمَةٌ فِي النُّبَّلِ
مَا لَي أَرَىٰ هَذَا السَّبِيلَ مُمَهَّدًا بِدَمِ القُلُوبِ وَدَمْعِ مَنْ لَمْ يَبخَلِ
فَلَئِنْ وَصَلْتِ فَكُلُّ جُرْحٍ هَيِّنٌ مَا دَامَ مَورِدُ عِزَّتِي أَنْ تُوصِلِي
وَلَقَدْ وَقَفْتُ بَيَعْمُلَاتٍ شُزَّبٍ بِأَبَاطِحِ الرَّبْعِ الخَلِيِّ المُقْحِلِ
أَسْقِي المَنَازِلَ مِنْ شُجُونِي دِيمَةً تَرْوِي صَدَىٰ طَلَلٍ بِمَدْرَجِ أَجْدَلِ
تِلْكَ المَعَاهِدُ قَدْ بَلِينَ وَلَمْ يَزَلْ طِيبُ العِذَارِ بِطَيِّهَا لَمْ يَسفُلِ
أَينَ الأُلَىٰ نَزَلُوا الشَّغَافَ فَأَمْرَعُوا جَدْبَ الرَّجَاءِ بَوَبْلِ جُودٍ مُجزِلِ
رَحَلُوا فَصَارَ العَيشُ بَعْدَ رَحِيلِهِمْ مِثْلَ الهَبَاءِ بِفَدْفَدٍ مُسْتَوحِلِ
يَا مَنْ رَمَتْ بِي فِي السَّرَابِ وَأَعرَضَتْ عَنْ وُدِّ صَبٍّ فِي الهَوَىٰ لَمْ يَنكُلِ
إِنَّ القَدِيمَ هُوَ المَلَاذُ إِذَا الْتَوَتْ طُرُقُ الغَوَانِي بِالفَتَىٰ المُتَبَتِّلِ
فَاذْكُرْ وِدَادِي كُلَّمَا نَاحَ الحَمَا ـمُ عَلَىٰ الأَرَاكِ بِبَينِ خِلٍّ أَمْثَلِ
وَاحْفَظْ ذِمَامًا لِلعُهُودِ فَإِنَّمَا شَرَفُ الفَتَىٰ فِي عَهْدِهِ المُتَأَصِّلِ
أَبْعِدْ بِمَنْ غَدَرَ العُهَودَ وَخَانَهَا وَادْنُ بِقَلْبِ الصَّادِقِ المُتَحَمِّلِ
فَلَأَنْتِ أَولَىٰ بِالوِدَادِ وَإِنْ نَأَتْ دَارٌ وَأَنْتِ مَدَارُ كُلِّ المَأْمَلِ
عَهْدٌ عَلَيَّ وَإِنْ تَقَادَمَ عُمْرُنَا أَلَّا أَحِيدَ عَنِ الهُيَامِ الأَجْمَلِ
مَازَالَ طَيفُكِ فِي الظَّلَامِ مَنَارَةً تَهْدِي شَرِيدًا فِي الهَوَىٰ لَمْ يَجفُلِ
يَا لَيتَ شِعْرِي هَلْ يَعُودُ زَمَانُنَا وَيُبَلُّ رِيقُ الصَّادِيَاتِ بِمَنْهَلِ
فَالحُبُّ يُعْطِي ثُمَّ يَنْزِعُ كَفَّهُ وَالشَّوقُ بَاقٍ كَالحُسَامِ الصَّيقَلِ
وَلَرُبَّ رِيحٍ زَفْزَفَتْ بِأَصِيلِنَا تَحْكِي لَنَا ذِكْرَىٰ الأَلِيفِ الأَجْمَلِ
هَيَّجْتِ فِي صَدْرِي شُجُونَ صَبَابَةٍ لَمَّا نَفَحْتِ بِعَرْفِ ذَاكَ المَحْمِلِ
فَكَأَنَّنِي لَمَّا رَأَيتُ حُمُولَهُمْ نِضْوٌ رَمَتْهُ الرِّيحُ بَينَ الأَرْجُلِ
أَوَّاهُ مِنْ وَجْدٍ يُقَطَّعُ أَعْظُمِي وَمِنَ انْتِحَابٍ فِي الحَشَا لَمْ يَغفَلِ
هِيَ شِيمَةُ العُشَّاقِ حُبٌّ دَائِمٌ يَقْتَاتُ مِنْ أَلَمِ الفِرَاقِ المُجْزِلِ
فَلَقَدْ رَعَيتُ الوُدَّ حِينَ تَصَرَّمَتْ أَسْبَابُ غَيرِي فِي الطُّرِيقِ المُوحِلِ
وَبَقِيتُ أَكْتُمُ فِي الضُّلُوعِ لَوَاعِجًا أَوْرَتْ بِلَيلِي كَيدَ كُلِّ العُذَّلِ
يَا أُمَّ خَالِدَ حَسْبُ نَفْسِي أَنْ تَرَىٰ مِنْكِ السَّلَامَ عَلَىٰ الفُؤَادِ المُبْتَلِي
عُدْ بِالرِّكَابِ فَمَا لِقَلْبِي حِيلَةٌ إِلَّا الرُّجُوعَ إِلَىٰ الغَرَامِ الأَوَّلِ
مَا شَابَ هَذَا الشَّعْرُ إِلَّا بَعْدَمَا أَمْسَتْ حِبَالُ الوُصْلِ لَا تَتَحَلْحَلِ
وَإِذَا ذَكَرْتُكِ وَالفَلَاةُ مَخُوفَةٌ آنَسْتُ نُورًا بِالظَّلَامِ المُسْدَلِ
صَبْرًا عَلَىٰ الأَيَّامِ إِنَّ صُرُوفَهَا تَغْدُو بِصَفْوِ الخِلِّ بَعْدَ المَنْهَلِ
وَلَقَدْ دَعَوتُ وَلِلفَيَافِي رَجْعَةٌ صَوتَ الحَزِينِ بِمَهْمَهٍ لَمْ يُؤهَلِ
يَا قَامَةَ الخِدْرِ الَّتِي ضَنَّت بِنَا رِفْقًا بِمَنْ أُودِي بِهِ أَن تَبخَلِي
هَلْ تَذْكُرِينَ إِذِ العُهُودُ نَضِيرَةٌ وَالعَيشُ غَضٌّ كَالرَّبِيعِ المُقْبِلِ
إِذْ نَحْنُ نَرْتَعُ فِي ظِلَالِ مَوَدَّةٍ لَمْ تَدْرِ مَا شَأْنُ المَشِيبِ الأَعْزَلِ
هَيهَاتَ يُمْحَىٰ مِنْ ضَمِيرِي مَشْهَدٌ فِيهِ الحَبِيبُ سَمَا كَبَدْرٍ كَامِلِ
عَينِي تَرَاكِ بِكُلِّ فَجٍّ مُوحِشٍ وَالنَّفْسُ تَأْبَىٰ غَيرَ ذَاكَ الهَيكَلِ
فَإِذَا رَأَيتِ جَوَىً بَرَانِي نَحلُهُ فَاسْتَيقِنِي أَنَّ الوَفَاءَ مُجَلِّلِي
إِنَّ الأُلَىٰ نَقَضُوا المَوَاثِقَ هَمُّهُمْ نَيلُ الخَسِيسِ مِنَ المَتَاعِ الأَرْذِلِ
أَمَّا الوَفِيُّ فَإِنَّهُ رَهْنُ الجَوَىٰ بَاقٍ عَلَىٰ عَهْدِ الحَبِيبِ الأَوَّلِ
مَا غَيَّرَتْ صُرُفُ الزَّمَانِ مَوَدَّتِي كَلَّا وَلَا أَغْرَتْ هَوَايَ بِأَمثَلِ
أَمْشِي وَيَحْمِلُنِي إِلَيكِ تَصَبُّرِي وَالشَّوقُ يَحْدُو خُطْوَتِي لِلمَنْزِلِ
وَلَئِنْ تَطَاوَلَ بَينُنَا أَمَدُ النَّوَىٰ فَالعَهْدُ عِنْدِي لَمْ يَزَلْ كَالأَوَّلِ
وَإِذَا تَعَذَّرَ فِي الحَيَاةِ لِقَاؤُنَا فَلِقَاؤُنَا فِي الحُلْمِ غَيرُ مُؤَجَّلِ
فَاسْلُك بِقَلْبِكَ كُلَّ دَرْبٍ مُوحِشٍ إِنْ كَانَ آخِرُهُ لِقَاءَ الأَوَّلِ
يَا لَيتَ شِعْرِي هَلْ أَرَاكِ بِمَنزِلٍ كَالرِّيمِ تَهْمِي فِي حِيَاضِ المَنْهَلِ
وَبَقِيتِ ذِكْرَىٰ لَا تُغَادِرُ خَاطِرِي مَا حَنَّ شَوقٌ لِلقَدِيمِ الأَكْحَلِ
حَتَّىٰ إِذَا أَفْنَىٰ الزَّمَانُ مَعَالِمِي وَطَوَىٰ خُطَايَ بِتُرْبِهَا المُتَهَلِّلِ
يَبْقَىٰ وِدَادُكِ فِي الضُّلُوعِ كَأَنَّهُ نَقْشٌ عَلَىٰ صَخْرِ الزَّمَانِ الأَطْوَلِ
مَا كَانَ حُبُّكِ نَزوَةً فِي خَاطِرِي لَكِنَّهُ عُمْرِي وَسِرُّ تَحَمُّلِي
إِنْ غِبْتِ عَنْ عَينِي فَطَيفُكِ حَاضِرٌ وَإِذَا ذُكِْرتِ فَكُلُّ حُزْنٍ يَنْجَلِي
فَخُذِي سَلَامَ مُتَيَّمٍ بَقِيَ الهَوَىٰ فِي قَلْبِهِ حَتَّىٰ اللِّقَاءِ الأَجْمَلِ
لَا بُدَّ لِلبَينِ الطَّوِيلِ نِهَايَةٌ وَلِكُلِّ شَوقٍ صَادِقٍ مِنْ مَنْهَلِ
فَسَنَلْتَقِي وَالعَهْدُ يَضْحَكُ بَينَنَا وَيَقُولُ هَذَا وَعْدُكُمْ لَمْ يُخْذَلِ