الــشـَّـــامـِـــخــَـــة
أَلَا حَيِّ مَنْ تَهوَىٰ القُلُوبُ وَتُكرِمُ وَمَنْ ذِكرُهَا بَينَ الضُّلُوعِ مُعَظَّمُ
تَبِيتُ بِقَلبِي وَالضُّلُوعُ خِيَامُهَا وَيَسرِي هَوَاهَا فِي العُرُوقِ وَيَضرِمُ
لَئِن غَابَ وَجهٌ كَانَ لِلعَينِ قِبلَةً فَذِكرَاهُ فِي سِرِّ الفُؤَادِ مُخَيِّمُ
أُغَالِبُ شَوقًا كُلَّمَا قُلتُ إِنَّهُ تَسَلَّىٰ أَتَانِي مِنْ هَوَاهَا مُتَيَّمُ
وَمَا ذَلَّ قَلبِي فِي المَحَبَّةِ مَرَّةً وَلَكِنَّهُ لِلحُسنِ طَوعٌ فَمُغرَمُ
فَإِن كَانَ لِلحُبِّ الجَمِيلِ مَذَلَّةٌ فَقَلبِي لِغَيرِ الحُبِّ لَا يَتَهَدَّمُ
وَإِنّي إِذَا مَا الخَطبُ أَبدَىٰ نُيُوبَهُ ثَبَتُّ وَقَلبِي فِي المَكَارِهِ مُقدِمُ
أُرَوِّضُ صَعبَ الدَّهرِ حَتَّىٰ يَلِينَ لِي وَيَخشَعُ مِن عَزمِي العَنِيدُ المُصَمِّمُ
وَمَا خَفَضَتنِي لِلحَوَادِثِ نَكبَةٌ وَلَا هَالَنِي خَطبٌ مِنَ الدَّهرِ مُظلِمُ
إِذَا القَومُ هَابُوا أَنْ يَخُوضُوا غِمَارَهَا كَرَرتُ وَحَدُّ السَّيفِ بِالكَفِّ يَبسِمُ
وَإِنِّي لَمِنْ قَومٍ إِذَا الحَربُ أَقبَلَتْ تَقَدَّمَ مِنَّا فِي اللِّقَاءِ المُقَدَّمُ
لَنَا مِنْ مَعَالِي المَجدِ إِرثٌ مُؤَثَّلٌ وَمِنَّا عَلَىٰ هَامِ المَكَارِمِ مِيسَمُ
إِذَا ذُكِرَتْ حُمرُ النَّدَىٰ فِي مَحَافِلٍ فَأَكرَمُ مَن تُثنِي عَلَيهِم وَأَنعَمُ
نَصُونُ وُجُوهَ القَومِ عِندَ مَذَلَّةٍ وَنَحمِلُ عَن جَارٍ إِذَا الجَارُ يُظلَمُ
وَنَضرِبُ حَتَّىٰ يَعرِفَ القَومُ أَنَّنَا إِذَا حَمِيَت نَارُ الوَغَىٰ لَا نُسَلِّمُ
وَمَا المَجدُ أَلفَاظٌ تُقَالُ وَإِنَّمَا مَوَاقِفُ يَعلُو عِندَهَا المُتَكَلِّمُ
بَنَينَا لَنَا ذِكرًا يَطُولُ بَقَاؤُهُ وَيَفنَىٰ وَلَا يَفنَىٰ لَنَا فِيهِ مَعلَمُ
فَإِنْ سَاءَلُوا عَنَّا اللَّيَالِي فَإِنَّهَا بِأَفعَالِنَا لَا بِالظُّنُونِ تُتَرجَمُ
وَمَا المَجدُ إِلَّا مَا أَقَامَتْ شُهُودُهُ وَمَا كُلُّ مَجدٍ فِي البَرِيَّةِ يُعلَمُ
وَيَبقَىٰ مِنَ الأَقوَامِ ذِكرٌ إِنِ انقَضَوا إِذَا حَفِظَتهُ فِي القَرِيضِ المَكَارِمُ
وَإِنِّي لَمِمَّنْ لَا يُضَيَّعُ ذِكرُهُمْ إِذَا خَفَتَتْ أَصوَاتُ نَاسٍ فَتَمتَمُوا
وَأُحكِمُ قَولَ الشِّعرِ حَيثُ تَزِلُّهُ قَوَافٍ وَيَعيَا بِالبَيَانِ المُتَرجِمُ
وَأَحمِلُ مِنْ وَجدِ المَحَبَّةِ مَا انثَنَىٰ عَنِ الحُبِّ فِيهِ المُدَّعِي وَالمُتَيَّمُ
وَأَحفَظُ وُدًّا إِنْ تَقَضَّتْ عُهُودُهُ وَيَنسَىٰ قَدِيمَ الوَصلِ مَنْ كَانَ يَزعُمُ
وَإِنْ نَضَبَتْ عِندَ الرِّجَالِ مَكَارِمٌ فَعِندِي لِمَنْ يَرجُو المَكَارِمَ مَغنَمُ
وَإِنْ ضَاقَ مَجرَىٰ القَولِ عَنْ كُلِّ قائِلٍ وَجَدتُ لَهُ فِي مُعضِلَاتِهِ مَعلَمُ
وَمَا أَبتَغِي فِي الشِّعرِ تَاجًا وَإِنَّمَا أَقُولُ فَيَبقَىٰ مَا مِنَ القَولِ يَلزَمُ
وَإِنِّي لَأَهوَىٰ الحُسنَ وَالحُسنُ فِتنَةٌ وَلَكِنَّ قَلبِي عِندَ حُبِّكِ مُحكَمُ
أُحِبُّ فَلَا أَشكُو المَحَبَّةَ ذِلَّةً وَلَا أَتَّقِي وَجدًا بِهِ القَلبُ مُغرَمُ
وَإِنْ أَعرَضَتْ عَنِّي الحَبِيبَةُ سَاعَةً حَفِظتُ لَهَا وُدًّا وَغَيرِيَ يَسأَمُ
وَمَا كُلُّ مَنْ أَهوَىٰ أُجَازَىٰ بِوَصلِهِ وَلَكِنَّ حُرَّ الوُدِّ بِالعَهدِ مُلزَمُ
وَأَعرِفُ مِنْ وَجهِ الحَبِيبَةِ مَا خَفِي عَلَىٰ نَاظِرٍ وَالحُسنُ لِلحُرِّ مُفهِمُ
لَئِنْ قِيلَ مَنْ أَوفَىٰ إِذَا الوُدُّ أَدبَرَتْ لَهُ سُنَنٌ قُلتُ الوَفَاءُ مُقَدَّمُ
وَأَصنَعُ مِنْ شَوقِي قَرِيضًا كَأَنَّهُ إِذَا مَسَّهُ سَمعُ اللَّبِيبِ مُكَلِّمُ
فَمَا الشِّعرُ عِندِي غَيرُ وَجدٍ أَصُوغُهُ إِذَا عَجَزَ العُشَّاقُ عَنهُ وَأُفحَمُوا
وَإِنْ خَفَّ وَجدُ العَاشِقِينَ فَإِنَّنِي عَلَىٰ عَهدِ مَنْ أَهوَىٰ أَرَقُّ وَأَدوَمُ
إِذَا ضَاقَ بِي عَيشٌ وَسِعتُهُ بِالنُّهَىٰ وَإِنْ عَبَسَتْ أَيَّامُهُ أَتَبَسَّمُ
وَإِنْ رَامَنِي ضَيمٌ تَرَفَّعتُ فَوقَهُ وَفِي النَّفسِ عَنْ دَربِ المَهَانَةِ مَعصِمُ
وَلِي هِمَّةٌ لَا يَستَفِزُّ قَرَارَهَا بَرِيقُ المُنَىٰ وَالعَزمُ فِيهَا مُحَكَّمُ
وَمَا أَنَا مِمَّنْ يَستَطِيلُ بِقَولِهِ وَلَكِنَّنِي عِندَ المَوَاقِفِ أُفحِمُ
عَلَىٰ أَنَّ قَلبِي وَهوَ أَمنَعُ جَانِبًا إِذَا مَرَّ طَيفٌ مِنْ هَوَاكِ يُسَلِّمُ
أَحِنُّ إِذَا هَبَّ النَّسِيمُ كَأَنَّمَا تَنَفَّسَ مِنْ أَنفَاسِكِ المُتَنَسِّمُ
وَإِنْ لَاحَ وَجهُ الصُّبحِ أَبصَرتُ فِيهِ مِنْ مُحَيَّاكِ نُورًا بِالمَحَاسِنِ يَنعَمُ
وَأَذكُرُكِ الذِّكرَ الخَفِيَّ كَأَنَّنِي أُنَاجِيكِ وَاللَّيلُ الطَّوِيلُ مُخَيِّمُ
فَلَا الهَجرُ يُنسِي مَا حَفِظتُ مِنَ الهَوَىٰ وَلَا القُربُ عِندِي بِالمَوَدَّةِ أَعظَمُ
سَأَحفَظُ عَهدَ الوُدِّ مَا دَامَ نَابِضٌ مِنَ القَلبِ أَو دَامَ الحَمَامُ يُرَنِّمُ
فَيَا مَنْ لَهَا فِي القَلبِ أَوَّلُ نَبضَةٍ لَهَا آخِرُ النَّجوَىٰ وَبِاسمِكِ أَختِمُ
أُقِيمُ عَلَىٰ عَهدِ الهَوَىٰ وَكَأَنَّنِي عَلَىٰ مَوقِفٍ لَا يَستَحِيلُ وَيُهدَمُ
لَئِنْ طَالَ نَأيٌ بَينَنَا وَتَصَرَّمَتْ عُهُودُ أُنَاسٍ عَهدُنَا لَا يُحَطَّمُ
وَإِنْ عَادَ بَعدَ النَّأيِ مِنَّا تَقَارُبٌ فَعَهدُ الهَوَىٰ فِي مُهجَتِي مُتَحَزِّمُ
فَإِنْ غِبتِ عَنْ عَينِي فَذِكرُكِ حَاضِرٌ وَإِنْ حَضَرَتْ عَينَايَ فَالقَلبُ أَقدَمُ