ربيع الخلود

قصيدة عبدالله راغب في ديوان الأعضاء

قَدْ كَانَتِ الأَرْضُ يَطْمُو جَهْلُهَا صَرَرَا يَغْشَى القُلُوبَ وَيَطْوِي دُونَهَا البَصَرَا

​مَوْجٌ مِنَ الرِّجْسِ أَمْسَى فِي المَدَى شَرَرًا يُدْمِي العُقُولَ وَيُصْمِيْ دُونَهَا الفِكَرَا

​تَهْوِي النُّفُوسُ إِلى الأَوْثَانِ فِي سَفَهٍ فَتَعْبُدُ الصَّخْرَ وَالصَّلْدَ الَّذِي انْكَسَرَا

​تَذْوِي الأَمَانِي عَلَى أَغْصَانِهَا كَمَدًا وَيُعْدَمُ العَدْلُ مَصْلُوبًا وَمُعْتَصَرَا

​تَسَوَّرَ البَغْيُ وَالأَحْقَادُ نَخْوَتَهُمْ فَيُطْرَحُ العِزُّ فِي أَغْلَالِهَا خَوَرَا

وَتَطْحَنُ القَسْوَةُ الهَوْجَاءُ أَنْفُسَهُمْ فَيُسْفَكُ الدَّمُ فِيهَا بَاطِلاً هَدَرَا

وَتُوْأَدُ الْبِنْتُ فِي الرَّمْضَاءِ تَنْهَشُهَا فَتُعْوِلُ الرَّمْلُ مِنْ أحْشائِه خَدَرَا

​سَيْفٌ يُسَلُّ عَلَى شِبْهِ المُنَى طَمَعًا وَالْجَهْلُ يَغْتَالُ فِي أَعْمَاقِهَا العِبَرَا

​ضَاعَتْ كَرَامَةُ هَذَا الإِنْسِ فِي ظُلَمٍ كَأَنَّمَا الوَحيُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ سَتَرَا

​دُنْيَا تَمُوجُ بِأَوْهَامٍ مُكَبَّلَةٍ تَشْكُو الظَّلَامَ وَتَسْتَجْدِي لَهَا غُرَرَا

​ضَلَّتْ فِجَاجُ الوُجُودِ الرَّحْبِ وَانْقَطَعَتْ أَسْبَابُ مَنْ رَقَبُوا فِي لَيْلِهِمْ سَحَرَا

​تَرَنَّحَ العَالَمُ المَغْشِيُّ فِي زَلَلٍ حَتَّى اسْتَغَاثَتْ تَرَى مِنْ رَحْمَةٍ خَبَرَا

فَجَاشَتِ الرَّحْمَةُ الكُبْرَى فَمَا بَقِيَتْ ظَلْمَاءُ عَصْرٍ وَنُورُ اللهِ قَدْ ظَهَرَا

وَقَدْ أَتَى«أَحْمَدٌ» فَالْأَرْضُ فِي طَرَبٍ وَفَاضَتِ الأَرْضُ ضَوْءًا يَغْمُرُ القَمَرَا

وَأغْدَقَ النُّورَ يُجْلِيْ كُلَّ دَاجِيَةٍ وَأَنْشَدَ الكَوْنُ إِذْ نُورُ النَّبِيِّ جَرَى

وَمَاسَتِ الأَرْضُ فِي طِيبِ الهُدَى فَرَحًا كَأَنَّمَا الْمِسْكُ فِي أَرْجَائِهَا انْتَشَرَا

تَنَفَّسَ الفَجْرُ أَنْوَارًا بِمَقْدِمِهِ وَأَمْطَرَتْ سُحُبُ الرَّحْمَاتِ مَا اسْتَتَرَا

تَشْدُو بِهِ الطَّيْرُ فِي الأَغْصَانِ مِئْذَنَةً تَزُفُّ بُشْرَاهُ كَيْ تَسْتَبْشِرَ الشَّجَرَا

وَتَزْدَهِي الأَرْضُ لِلأَفْلاكِ زَاهِيَةً وَتَكْتَسِي الرَّابِيَاتُ النَّورَ وَالزَّهَرَا

تَضُوعُ مِنْ طِيبِها الأجْرَامُ عَاطِرَةً فَلَمْ يَدَعْ رَبْوَةً إِلاَّ لَهَا سَحَرَا

كَأَنَّمَا الكَوْنُ أَمْسَى المَهْدَ يَحْضُنُهُ وَيَغْزِلُ الشّرْقَ حَتَّى يُدْحِضَ الخَطَرَا

وَصَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ لَألَأئِهَا حُلَلًا لِكَيْ تُضِيْءَ بِهَا الأَيَّامَ وَالعُصُرَا

​وَاسْتَلْهَمَتْ أَعْيُنُ الأَيَّامِ كَحْلَ هُدًى وَيَطْرَبُ الدَّهْرُ مَشْغُوفًا بِمَا نَظَرَا

وَرَقَّ ثَوْبُ اللَّيَالِي بَعْدَ قَسْوَتِهِ وَصَارَ كُلُّ جَمَادٍ يَسْكُبُ العُطُرَا

وَصَفَّقَ البَحْرُ والأَمْوَاجُ مُطْرِبَةٌ وَعَانَقَتْ ظَبْيَةُ الصَّحْرَاءِ مَا نَضَرَا

وَهَامَتِ النَّحْلُ بِالأَزْهَارِ سَاجِعَةً وَالْوَحْشُ فِي جُحْرِهِ بِالبِشْرِ قَدْ سَكَرَا

​حَتَّى الحَصَى كَبَّرَتْ شَوْقًا بِبِعْثَتِهِ وَكُلُّ ذَرَّاتِ هَذَا الكَوْنِ قَدْ زَهَرَا

وَسَارَتِ الرِّيحُ بِالبُشْرَى مُعَطَّرَةً وَأبْشَرَ الوَحْشُ فِي الآكَامِ مَنْ حَضَرَا

وَجَاءَ يَحْمِلُ لِلأَرْوَاحِ بَلْسَمَهَا وَيَرْفَعُ الأَسْرَ عَنْ عَقْلٍ قَدِ انْكَسَرَا

فَأَعْتَقَ النَّفْسَ مِنْ أَغْلَالِ شِقْوَتِهَا وَأَعْمَرَ القَلْبَ بالإِيمَانِ وَانْتَصَرَا

فَأَشْرَقَتْ مِلَّةُ التَّوْحِيدِ سَاطِعَةً فَلَمْ تَدَعْ جَاهِلًا إِلاَّ وَقَدْ بَصُرَا

​وَبَثَّ فِي الأَرْضِ عَدْلًا سَاطِعًا عَسَلًا فَلَمْ يَدَعْ ظَالِمًا فِي الأَرْضِ قَدْ قَهَرَا

سَقَى الوُجُودَ عُلُومًا غَيْرَ فَانِيَةٍ فَأَوَرَقَ العُودُ بَعْدَ المَحْلِ وَازْدَهَرَا

​صَلَّى الإِلَهُ عَلَى المُخْتَارِ مَا بَزَغَتْ شَمْسُ الضِّيَا لِلوَرَى أو نُورُهَا اسْتَتَرَا

​وَآلِهِ الطُّهْرِ مَنْ زَانُوا الزَّمَانَ هُدًى وَصَحْبِهِ كُلِّ مَنْ لِلْحَقِّ قَدْ نَصَرَا

​مَنْ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِالْحَقِّ حَتَّى جَلَوْا عَنْ دَرْبِنَا الْكَدَرَا

​يَا سَيِّدَ الرُّسْلِ يَا غَوْثًا لِمُنْكَسِرٍ إِذَا العُصَاةُ أتَوْا وَالْخَطْبُ قَدْ جَسُرَا

​إِنِّي أَتَيْتُكَ بِالأَشْعَارِ يَمْلَؤُهَا وَجْدٌ يُؤَرِّقُ قَلْبِي كُلَّمَا ذُكِرَا

​فَاشْفَعْ لِعَبْدٍ جَنَى فِي الدَّهْرِ زَلَّتَهُ يَلُوذُ بِالظِّلِّ إِذْ مِيزَانُهُ خُسِرَا

وَاقْبَلْ قَوَافِيَّ كَيْ أَحْظَى بِمَكْرُمَةٍ حَتَّى أَنَالَ بِهَا الرِّضْوَانَ وَالظَفَرَا