الــــنـَّـــجــۡــــدِيــَّـــــة
قصيدة مَحمُود مُحَمَّد زِيَاد 🧉 في ديوان الأعضاء
أَلَا يَا صَبَا نَجۡدٍ مَتَىٰ هَبَّ عَاشِقُ تَهُبِّينَ وَالصَّبۡرُ العَصِيُّ يُفَارِقُ
بِمَ الوَصۡلُ نَـرۡجُوهُ وَقَدۡ بَانَ عَهۡدُهُ وَبَابُ اللِّقَا دُونِي وَدُونَكِ مُغۡلَقُ
عَرَفۡتُ مَغَانِي الدَّارِ حِينَ وَقَـفۡتُهَا بِهَا الدَّمۡعُ مِنۡ فَيضِ المَحَاجِرِ دَافِقُ
رُسُومٌ عَفَتۡ إِلَّا بَقِيَّةَ مَنۡزِلٍ عَلَيهِ سَوَافِي الرِّيحِ لَا تَتَرَفَّقُ
وَقَـفۡتُ عَلَىٰ الأَطۡلَالِ أَبۡـكِي رُسُومَهَا وَقَـلْۡبِي عَلَىٰ ذِكۡرَىٰ الحَبِـيبِ مُحَرَّقُ
أُقَلِّبُ طَرۡفِي فِي الدِّيَارِ فَلَا أَرَىٰ سِوَىٰ طَلَلٍ بَالٍ وَدَمۡعٍ يُرَافِقُ
تَلُوحُ بَقَايَا الدَّارِ كَالعَهۡدِ خَافِتًا وَفِي الصِّدۡرِ جَمۡرُ الشَّوقِ لَا يَتَفَرَّقُ
سَقَتۡهَا دُمُوعِي حِينَ شَطَّ مَزَارُهَا غَمَامًا لَهُ فِي كُلِّ شِبۡرٍ تَدَفُّقُ
فَلَسۡتُ بِبَاكٍ لِلخَرِابِ وَإِنَّمَا لِعَهۡدٍ مَضَىٰ بِالقَلبِ كَيفَ يُمَزَّقُ
تَلَوحُ رُسُومُ الدَّارِ وَهۡيًا كَأَنَّهَا صَدَىٰ عَهۡدِ وُدٍّ فِي الفُؤَادِ مُعَلَّقُ
تَعَفَّتۡ بِرِيحِ البِيدِ حَتَّىٰ كَأَنَّهَا خُطُوطُ يَدٍ فِي الـتَُرۡبِ لَا تَتَفَرَّقُ
أُحَدِّثُهَا وَالصَّمۡتُ يُرۡجِعُ صَوتَهَا عَلَيَّ وَقَـلۡبِي بِالحَنِينِ مُفَتَّـقُ
وَأَلۡثِمُ تُرۡبًا كَانَ بِالأَمۡسِ مَوطِنًا لِمَنۡ فِي هَوَاهُ اليَومَ قَلۡبِي مُعَلَّقُ
تَنَاءَيتِ حَتَّىٰ خِلۡتُ أَنَّكِ فِي الفَلَا سَرَابٌ بِقَفۡرٍ لَا يُنَالُ وَيُلحَقُ
بُكَاءٌ عَلَىٰ الأَطۡلَالِ لَيسَ بِمُسۡعِفٍ وَقَدۡ جَفَّ فِي عِرۡقِ الرُّسُومِ التَّعَشُّقُ
فَلَا حَيَّ فِي تِلۡكَ المَغَانِي نُجِيبُهُ وَلَا طَيفَ إِلَّا وَهۡمَ مَنۡ يَتَحَرَّقُ
تَرَكۡتُ بِهَا دَمۡعِي يُرَقۡرِقُ تُرۡبَهَا كَأَنِّي عَلَىٰ عَهۡدِ الهَوَىٰ أَتَصَدَّقُ
وَأَومَضَ فِي أَحۡشَائِهَا طَيفُ ذِكۡرِهَا فَهَاجَ شُجُونًا لَا تُطَاقُ فَتَخۡنِقُ
رَكِبۡتُ مَطَايَا الشَّوقِ أَطۡوِي فَلَاتَهَا وَنَجۡمُ الدُّجَىٰ فَوقِي دَلِيلٌ مُنَمَّقُ
أُسَابِقُ رِيحَ البِيدِ وَالقَلۡبُ مُثۡقَلٌ بِذِكۡرَىٰ حَبِيبٍ فِي الضُّلُوعِ فَأَسۡبِقُ
رَحَلۡتُ وَفِي صَدۡرِي مِنَ الشَّوقِ زَفۡرَةٌ تَكَادُ بِهَا أَوصَالُ صَدۡرِي تَشَقَّقُ
عَلَىٰ ضَامِرٍ كَالفَحۡلِ جَابَتۡ مَفَاوِزًا لَهَا فِي هَجِيرِ البِيدِ سَبۡقٌ مُحَـقَّقُ
أَشُقُّ عَبَابَ البِيدِ وَاللَّيلُ مُسۡبِلٌ سُدُولًا وَنَجۡمُ السَّيرِ فِيهِ مُعَلَّقُ
وَتَحۡتِي نَجِيبٌ لَا يَمِلُّ مَسِيرَهُ إِذَا مَا دَعَاهُ الشَّوقُ لَا يَتَوَهَّقُ
يُثِيرُ غُبَارًا فِي الفَلَاةِ كَأَنَّهُ سَحَابٌ عَلَىٰ وَجۡهِ المَفَازَةِ يُطۡبِقُ
وَيَخۡفِقُ قَـلۡبِي كُلَّمَا هَبَّ نَاسِمٌ لَعَلَّ نَسِيمًا مِنۡ رُبَاهَا يُوَافِقُ
تَسُدُّ فُضُولَ الرِّيحِ حِينَ زَفِيرِهَا وَفِي خَطۡوِهَا لِلصَّخۡرِ صَدۡعٌ مُفَلَّقُ
يَمُدُّ لَهَا الآلُ الغَرُورُ حِبَالَهُ فَيَرۡتَدُّ طَرۡفِي وَالعَمَاءُ يُطَوِّقُ
ظَمِيئًا لِأَطۡيَافِ المَهَا وَمَفَاوِزِي لَهَا فِي هَجِيرِ القَيظِ نَارٌ تُحَرِّقُ
وَأَطۡوِي فِجَاجَ الأَرۡضِ طَيَّ مُسَافِرٍ أُجَابِهُ حَرَّ الهَاجِرَاتِ وَأُحۡرِقُ
وَيَنۡضَو نَجِيبِي مِنۡ عَنَاءِ مَسِيرِهِ وَلَٰكِنَّهُ لِلشَّوقِ صَبۡرٌ مُوَفَّقُ
إِذَا مَا دَنَا لَيلٌ تَذَكَّرۡتُ طَيفَهَا فَيَخۡفِقُ قَلۡبِي وَالحَنِينُ يُحَلِّقُ
فَمَا زَالَ لِلذِّكۡرَىٰ خَيَالٌ يَؤُمُّنِي وَبَرۡقٌ لَهُ فِي القَلۡبِ وَمۡضٌ مُفَلَّقُ
كَأَنَّ ابۡتِسَامَ المَوتِ دُونَ لِقَائِهَا يَلَوحُ وَدُونَ الوَصۡلِ حَتۡفٌ مُحَقَّقُ
تَهُبُّ نَسِيمَاتُ المَسَاءِ فَيَنۡثَنِي إِلَيَّ مَعَ الأَنۡفَاسِ ذِكۡرَىٰ تَدَفَّقُ
وَيَخۡطُرُ بَينَ الضِّلۡعِ وَالضِّلۡعِ وَامِضٌ مِنَ الحُسۡنِ فِي كُلِّ ضُّلُوعِيَ يَبۡرُقُ
وَتَرۡجِعُ أَصۡدَاءُ الحَدِيثِ كَأَنَّهَا صَدَىٰ مُقۡلَةٍ يَومَ اللِّقَاءِ تُحَدِّقُ
وَيَبۡسِمُ فِي ذِكۡرَاهَا الثَّغۡرُ خَالِسًا فَيَزۡهُو بِهِ فِي مُقۡلَتَيَّ تَأَلُّقُ
يَلُوحُ لِيَ الآلُ الظَّمِيءُ كَأَنَّهُ مَرَايَا لِوَجۡهٍ فِيهِ صُبۡحِيَ يُشۡرِقُ
فَمَا زِلۡتُ أَطۡوِي البِيدَ لَهۡفَةَ عَاشِقٍ بِنُورِ السَّنَا فِي لُجَّةِ البِيدِ يَبۡرُقُ
وَيَومًا عَلَىٰ ظِلِّ الأَرَاكِ تَلَفَّتَتۡ إِلَيَّ وَفِي أَجۡفَانِهَا السِّحۡرُ عَابِقُ
فَمَالَتۡ كُغُصۡنِ البَانَ لَمَّا دَنَوتُهَا وَقَلۡبِي بِمَا أَلۡقَتۡهُ فِيهِ يُحَلِّقُ
وَقَالَتۡ بِصَوتٍ كَانَ أَعۡذَبَ مَا سَرَىٰ أَتَذۡكُرُ عَهۡدًا لَمۡ يَخُنۡهُ التَّفَرُّقُ
فَقُلۡتُ وَدَمۡعُ العَينِ يَخۡفِضُ دَفۡقَهُ عُهُودُ الهَوَىٰ فِي الصَّدۡرِ لَا تَتَفَرَّقُ
وَخَدٌّ كَوَردِ الرَّوضِ بَـلَّـلَـهُ النَّدَىٰ إِذَا مَسَّهُ طَرۡفِي تَوَهَّـجَ يُشۡرِقُ
أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرۡفِ فِيهِ مَهَابَةٌ إِذَا مَا تَجَلَّىٰ فِي الدُّجَىٰ يَتَرَقۡرَقُ
فَيَا لَيتَ شِعۡرِي هَلۡ لِوَجۡهِكِ عَائِدٌ أَمِ البُعۡدُ أَبۡقَىٰ وَالهُيَامُ مَضَائِـقُ
تَرُقُّ لَهَا الأَلۡفَاظُ حَتَّىٰ كَأَنَّهَا إِذَا أُلۡقِيَتۡ فِي السَّمۡعِ حَرۡفٌ مُنَمَّقُ
وَيَفۡتُرُ عَزۡمِي عِنۡدَهَا فَكَأَنَّنِي بِحَضۡرَةِ ذَاكَ الحُسۡنِ طِفۡلٌ مُرَاهِقُ
وَفِي خَطۡوِهَا نَقۡرٌ يَرِنُّ بِمَسۡمَعِي وَبِالأُذۡنِ عِنۡدِي كُلُّ خَطۡوٍ مُوَثَّـقُ
لَهَا فِي الهَوَىٰ آثَارُ سَعۡيٍ كَأَنَّهَا دَبِيبُ غَزَالِ البِيدِ حِينَ يُسَابِقُ
وَثَغۡرٌ نَقِيُّ اللَّونِ عَذۡبٌ مَذَاقُهُ إِذَا مَا جَلَتۡهُ بِاللَّآلِئِ يَـبۡرُقُ
لَئِنۡ دَنَتِ الأَنۡفَاسُ مِنۡهَا تَأَرَّجَتۡ رَوَائِحُ مِسۡكٍ فِي الحَوَاسِّ تُـفَرَّقُ
كَأَنَّ لَهَا فِي الجَوِّ رِيحًا مُعَطَّرًا يِسِيرُ مَعَ النَّسۡمَاتِ ثُمَّ يُسَبِّقُ
وَيَدۡنُو لَهَا طَرۡفِي فَيَرۡتَدُّ حَاسِرًا كَعَينِ الضُّحَىٰ إِذۡ غَمَّمَتۡهَا الصَّوَاعِقُ
وَوَجۡهٌ كَأَنَّ الشَّمۡسَ حَلَّتۡ لِثَامَهُ وَفِي الوَجۡهِ نُورٌ كَالضُّحَىٰ يَتَفَلَّقُ
لَئِنۡ حَدَّثَتۡنِي وَالحَدِيثُ مُطَوَّلٌ لَمَالَ بِآذَانِي إِلَيهَا تَعَلُّقُ
كَأَنَّ حَدِيثَ الثَّغۡرِ مِسۡكُ غَزَالَةٍ عَلَىٰ كُلِّ دَرۡبٍ فِي المَدَائِنِ يُهۡرَقُ
وَإِنۡ لَامَسَتۡ كَفِّي بَنَانًا بِهَا النَّدَىٰ يَثُورُ الهَوَىٰ بَينَ الضُّلُوعِ وَيَعۡلَقُ
كَأَنَّ البَنَانَ السِّحۡرُ يَـنۡفُذُ وَهۡنَةً فَيُمۡسِكُ أَسۡبَابَ الفُؤَادِ وَيُطۡلِقُ
وَيَسۡرِي لَهَا طِيبٌ كَأَنَّ فُتُوقَهُ خُزَامَىٰ الشَّآمِ فِي الرُّبَىٰ مُتَفَتِّقُ
تَمِيدُ كَأَنَّ الخَيزُرَانَ قَوَامُهَا وُكُلُّ الوَرَىٰ عَينٌ تَرَىٰ وَتُحَدِّقُ
وَيَضۡعُفُ فِيهَا الصَّبۡرُ حَتَّىٰ كَأَنَّهُ غُبَارُ الفَيَافِي فِي الثَّرَىٰ مُتَفَرِّقُ
تُطِيلُ إِلَيَّ نَاظِرَيهَا فَأَسۡتَحِي عَلَىٰ أَيِّ خَدٍّ بِالشِّفَاهِ أُسَابِقُ
كَأَنَّ بِهَا سِرًّا يُهَيِّئُ فِتنَةً إِذَا مَا دَنَونَا كَادَ يُرۡدِي وَيُعۡمِقُ
وَلِلخَصۡرِ مِنۡ طَيِّ الوِشَاحِ رَهَافَةٌ يِمِيدُ بِهَا قَلۡبٌ أَنَّىٰ تَتَرَفَّقُ
وَفِي نَاظِرَيهَا مِنۡ سَوَادٍ مَهَابَةٌ تَشُقُّ سُكُونَ النَّفۡسِ بَلۡ وَتُمَزِّقُ
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحۡرِ أَرۡخَىٰ سُدُولَهُ عَلَىٰ قَلۡبِ صَبٍّ فِي الهَوَىٰ يَتَأَرَّقُ
تَطَاوَلَ فِيهِ الشَّوقُ وَالرَّكۡبُ نُوَّمٌ كَأَنَّ الحَشَا فِي نَارِ جَمۡرٍ يُحَرَّقُ
وَأَنۡثُرُ شَمۡلِي فِي اللَّيَالِي نَدَامَةً وَفِي الصُّبۡحِ أَنۡسَىٰ أَنَّ شَمۡلِي مُفَرَّقُ
أَرَىٰ دَارَهَا عَبۡرَ الخَيَالِ تَسَلَّلَتۡ فَأُخۡفِي الهَوَىٰ فِي عَبۡرَةٍ فَأُمَزَّقُ
إِذَا أَدۡلَجَ اللَّيلُ أَبِيتُ مُسَهَّدًا وَفِي الصُّبۡحِ أَلۡهُو ثُمَّ أَدۡرِي فَأَقلَقُ
وَمَا عَودَتِي إِلَيكِ إِلَّا لِأَنَّنِي تَرَكۡتُ الفُؤَادَ الصَّبَّ خَلۡفِي يُمَزَّقُ
قَطَعۡتُ الفَيَافِي لِلدِّيَارِ فَلَمۡ أَجِدۡ سِوَىٰ صَمۡتِ جُدۡرَانٍ بِهَا الوَجۡدُ يَـنۡطِقُ
وَفِيهَا رِيَاحُ القَفۡرِ تَعۡبَثُ فِي الثَّرَىٰ وَلَا صَوتَ إِلَّا نَبۡضُ قَلۡبِيَ يَخۡفِقُ
وَلَمۡ يَبۡقَ فِي عَقۡبِ الَّذِي كَانَ عَامِرًا سِوَىٰ ذِكرَيَاتِ الوُدِّ فِيَّ تُؤَرِّقُ
تَسَاءَلۡتُ وَالأَصۡدَاءُ تَرۡتَدُّ خَيبَةً أَفِي كُلِّ رَسۡمٍ لِلمُحِبِّ خَوَافِقُ
فَمَا الدَّارُ إِلَّا وَقۡفَةٌ بَعۡدَ هُجۡرَةٍ وَمَا العُمۡرُ إِلَّا مَنۡزِلٌ يَتَشَقَّقُ
قَضَيتُ لُبَانَاتِي مِنَ الرَّكۡبِ وَالظَّبَا وَعَادَ ارۡتِدَادُ الطَّرۡفِ حِينًا يُحَدِّقُ
فَمَا الهَجۡرُ إِلَّا غَمۡضَةٌ بَعۡدَ يَقۡظَةٍ وَمَا الحُبُّ إِلَّا مَوجَةٌ تَتَدَفَّقُ
فَعُدۡتُ إِلَىٰ الأَطۡلَالِ أَسۡأَلُ تُرۡبَهَا أَمَا فِي رُفَاتِ العَهۡدِ شَيءٌ يُصَدَّقُ
فَلَمۡ يُجِبِ الصَّمۡتُ المُوَشَّىٰ بِوَحۡشَةٍ عَدَا أَنَّ مَا تَرۡجَاهُ لَا يَتَحَـقَّقُ
تَقَضَّىٰ بِنَا عَهۡدُ الهَوَىٰ كَخَيَالِهِ وَمَا نَجۡدُ إِلَّا صَفۡوَةٌ لَا تَحَقَّقُ
فَمَا نَجۡدُ إِلَّا طَيفُ حُلۡمٍ تَصَرَّمَتۡ بِهِ المُهۡجَةُ الحَرَّىٰ الَّتِي تَتَحَرَّقُ
أَلَا يَا صَبَا نَجۡدٍ أَعِيدِي الَّذِي مَضَىٰ فَإِنِّي عَلَىٰ بَابِ الحَنِينِ مُعَلَّقُ