الــجـَـــلـِـــيــــلـَـــة

قصيدة مَحمُود مُحَمَّد زِيَاد 🧉 في ديوان الأعضاء

أَلَا لَيتَ شِعرِي هَل يَرِقُّ لِمُدنَفِ جَفَتهُ الَّتِي يَهوَىٰ بِقَلبٍ مُعَنَّفِ

وَهَل تَذكُرُ العَهدَ الَّذِي كَانَ بَينَنَا إِذِ العَيشُ غَضٌّ وَالهَوَىٰ غَيرُ مُكلِفِ

وَإِذ نَحنُ نَرعَىٰ فِي الأَصَائِلِ لَهوَنَا وَنَشرَبُ مِن صَفوِ الزَّمَانِ المُخَفَّفِ

فَلَمَّا تَنَاءَت أَصبَحَ القَلبُ بَعدَهَا كَمَرتَعِ ظَبيٍ أَقفَرَت بَعدَ مَألَفِ

وَأَصبَحتُ أَستَسقِي الرِّيَاحَ نَسِيمَهُ وَأَسأَلُ عَنهَا كُلَّ بَرقٍ مُخَطَّفِ

وَأَطرُقُ ذِكرَاهَا إِذِ اللَّيلُ مُرخِيٌ سُدُولًا عَلَىٰ نَجمِ السَّمَاءِ المُطَرَّفِ

فَيَبعَثُ فِي صَدرِي مِنَ الوَجدِ لَوعَةً تُجَدِّدُ مَا أَبلَىٰ الهَوَىٰ دُونَ مَصرَفِ

إِلَىٰ أَن بَدَا لِي مِن رُبُوعِ أَحِبَّتِي طُلُولٌ كَخَطِّ الوَشمِ بَالكَفِّ مُتلَفِ

وُقُوفًا بِهَا أَستَنطِقُ الصَّمتَ بَعدَهَا وَأَستَخبِرُ الأَحجَارَ عَن كُلِّ مُؤلَفِ

فَمَا رَدَّ إِلَّا الرِّيحُ يَذرُو تُرَابَهَا وَصَوتُ القَطَا يَنعَىٰ زَمَانَ التَّآلُفِ

عَرَفتُ مَغَانِيهَا وَإِن غَيَّرَ البَلَىٰ مَعَالِمَ رَبعٍ بِالدُّمُوعِ مُعَرَّفِ

وَأَبصَرتُ فِي أَثنَائِهِ رَسمَ مَجلِسٍ لَهَا فَاستَبَاحَ الوَجدُ صَبرَ المُلَهَّفِ

فَهَيَّجَ مِن ذِكرَىٰ الأَحِبَّةِ لَوعَةً تُقَلِّبُ قَلبَ الصَّبِّ قَلبَ التَّأَسُّفِ

كَأَنِّي بِهَا وَالرَّبعُ غَضٌّ أَنِيسُهُ تُطِلُّ كَبَدرٍ مِن خِبَاءٍ مُسَقَّفِ

تُدِيرُ لَنَا طَرفًا كَأَنَّ سِهَامَهُ تُصِيبُ فُؤَادَ الصَّبِّ مِن غَيرِ مُرهَفِ

وَيَنسَابُ مِن فِيهٍ حَدِيثٌ كَأَنَّهُ زُلَالٌ جَرَىٰ فِي كَأسِ نَدمَانَ مُترَفِ

إِذَا ضَحِكَت لَاحَت ثَنَايَا كَأَنَّهَا أَقَاحٍ جَلَاهُ القَطرُ غِبَّ التَّرَشُّفِ

وَإِن أَطرَقَت خِلجًا تَنَاثَرَ نُورُهَا عَلَىٰ جَيدِهَا كَالفَجرِ فَوقَ التَّطَوُّفِ

لَهَا مِشيَةٌ لَا الخَيلُ تَبلُغُ وَقعَهَا وَلَا الغُصنُ يَحنُو مِثلَهَا فِي التَّعَطُّفِ

وَيَعبِقُ مِن أَردَانِهَا المِسكُ رَائِبًا كَأَنَّ الرُّبَىٰ نَدَّت بِطِيبٍ مُؤَلَّفِ

فَمَا كُنتُ أَدرِي قَبلَهَا أَنَّ نَظرَةً تُذِلُّ عَزِيزَ القَلبِ دُونَ تَجَلُّفِ

وَلَا أَنَّ لَفظًا مِن شِفَاهٍ عَفِيفَةٍ يَشُقُّ حِجَابَ الصَّدرِ شَقَّ المُثَقَّفِ

فَيَا لَيتَ ذَاكَ العَهدَ لَم يَكُ عَابِرًا وَلَا الدَّهرُ أَبدَىٰ وَجهَهُ غَيرَ مُنصِفِ

وَيَا لَيتَ شِعرِي هَل أَرَىٰ فِي فُؤَادِهَا مِنَ الوَجدِ مَا أُخفِي بِقَلبٍ مُشَغَّفِ

فَلَمَّا تَمَادَىٰ فِي الضُّلُوعِ تَذَكُّرِي وَضَاقَ فُؤَادِي بِالضَّنَىٰ وَالتَّلَهُّفِ

عَزَمتُ عَلَىٰ أَن أَستَفِزَّ مَطِيَّتِي وَأَضرِبَ فِي فَيفَاءَ قَفرٍ مُجَفَّفِ

إِلَىٰ حَيِّهَا وَاللَّيلُ يَطوِي فَلَاتَهُ وَيَكسُو رُبَىٰ البَيدَاءِ ثَوبَ التَّخَوُّفِ

وَمَا هَابَ قَلبِي وَحشَةَ القَفرِ إِنَّمَا أَهَابُ فُؤَادًا بِالنَّوَىٰ غَيرَ مُسعَفِ

فَأَلقَيتُ رَحلِي فَوقَ حَرفٍ كَأَنَّهَا قَضِيبُ قَنَاةٍ فِي مَهَبَّةِ أَعصُفِ

تُزَاحِمُ أَعنَاقَ الرِّيَاحِ إِذَا جَرَت وَتَضرِبُ وَجهَ الرَّملِ ضَربَ المُعَنِّفِ

إِذَا انقَضَّ نَجمٌ فِي السَّمَاءِ حَسِبتُهُ شِهَابًا يُرِينِي نَحوَ حَيٍّ مُهَيَّفِ

وَإِن لَاحَ بَرقٌ مِن تِهَامَةَ خِلتُهُ يُحَيِّي رُبُوعَ الحَيِّ طَرفَ المُخَسَّفِ

فَكَم قَطَعَت بِي مِن سَرَابٍ كَأَنَّهُ بَقَايَا سُيُوفٍ فِي الأَصِيلِ المُرَجَّفِ

وَكَم جَاوَزَت بِي مِن شِعَابٍ كَأَنَّهَا صُدُوعُ اللَّيَالِي فِي فُؤَادِ المُكَلَّفِ

أُسَائِلُ أَنوَاءَ السَّمَاءِ عَنِ الحِمَىٰ وَأَستَهدِيَ الأَفلَاكَ هَديَ المُعَرِّفِ

إِلَىٰ أَن بَدَت لِي مِن بَعِيدٍ خِيَامُهُم كَأَهدَابِ شَمسٍ فِي الضُّحَىٰ المُتَكَشِّفِ

فَخَفَّ فُؤَادِي وَهوَ مِن قَبلِ مُثقَلٌ وَهَاجَ الَّذِي أَخفَيتُهُ غَيرَ مُنطَفِ

وَقُلتُ لِقَلبِي وَهوَ يَجمَحُ صَبوَةً تَرَفَّق فَمَا كُلُّ اللِّقَاءِ بِمُسعِفِي

وَلَمَّا دَنَوتُ الحَيَّ هَاجَت مَشَاهِدٌ تَوَارَت بِصَدرِي بَينَ طَيٍّ وَمُتحَفِ

ذَكَرتُ عَشِيًّا أَينَ ظِلَّ خِبَائِهَا يُطَاوِلُ ظِلَّ الأَيكِ عِندَ التَّنَصُّفِ

وَقَد أَقبَلَت تَمشِي الهُوَينَىٰ كَأَنَّهَا نَسِيمُ صَبًا يَجتَازُ رَوضًا مُزَخرَفِ

تُطِلُّ عَلَينَا ثُمَّ تُعرِضُ مَرَّةً فَيَلهَثُ طَرفِي بَينَ لَحظٍ وَأَعطُفِ

وَتَرفَعُ عَن وَجهٍ أَسِيلٍ لِثَامَهُ فَيَنكَشِفُ الإِصبَاحُ بَعدَ التَّلَفُّفِ

كَأَنَّ ضِيَاءَ الشَّمسِ لَم يَدرِ مَوعِدًا سِوَىٰ وَجهِهَا حَتَّىٰ بَدَا لِلتَّعَفُّفِ

وَيَنسَدِلُ الشَّعرُ الأَثِيثُ كَأَنَّهُ جَنَاحُ دُجَىً مَمدُودُ ظِلٍّ مُرَفرِفِ

فَإِن لَامَسَت كَفَّ النَّسِيمِ ذُؤَابَةٌ تَفَلَّتَ مِن أَسرٍ عَبِيرُ المُهَفهِفِ

لَهَا عُنُقٌ لَم تَستَطِل فِي تَكَلُّفٍ وَلَم تَقصُرِ الأَجيَادُ عَنهُ بِمَوقِفِ

وَفِي نَحرِهَا لِلنُّورِ مَسرَىً كَأَنَّهُ طَرِيقُ ضُحَىً فِي لَيلَةٍ لَم تُكَشَّفِ

وَإِن نَطَقَت هَانَ الكَلَامُ لِمَنطِقٍ يُرَقِّقُ صَخرَ القَلبِ بَعدَ التَّصَوُّفِ

وَإِن سَكَتَت قَالَ الحَيَاءُ بِلَحظِهَا مَقَالًا بَدِيلًا عَن طَوِيلِ التَّكَلُّفِ

فَلَيسَ عَفَافُ الحُسنِ فِي وَجهِ غَادَةٍ إِذَا لَم يَكُن فِي الصَّمتِ حُسنُ التَّعَفُّفِ

وَكَم مَرَّ بِي مِن ذِي جَمَالٍ فَلَم أَجِد كَحُسنِ الَّتِي أَودَعتُهَا كُلَّ أَحرُفِي

أَرَاهَا فَيَدنُو مِن فُؤَادِي تَعَقُّلِي وَيَبعُدُ عَنِّي بَعضُ ذَاكَ التَوَجُّفِ

فَإِن قِيلَ صُن قَلبًا أَجَبتُ مُسَائِلًا وَهَل يَعرِفُ المَفتُونُ صَبرَ التَّعَكُّفِ

فَلَمَّا دَنَت وَالعَينُ تَرقُبُ خَطوَهَا تَبَدَّدَ مِن عَزمِي قَدِيمُ التَّضَعُّفِ

وَكُنتُ إِذَا لَاقَيتُ خَطبًا تَقَدَّمَت خُطَايَ وَلَم أَرهَب سِنَانَ المُثَقَّفِ

فَلَمَّا دَنَت مِنِّي وَأَرخَت لِثَامَهَا تَرَاجَعَ قَلبِي عَن جَرِيءِ التَّوَصُّفِ

وَأَطرَقتُ لَا خَوفًا وَلَكِن مَهَابَةً لِحُسنٍ لَدِيهِ اليَومَ حَقُّ التَّصَرُّفِ

فَمَا كُلُّ مَن يَلقَ السُّيُوفَ بِبَاسِلٍ إِذَا لَاقَ طَرفًا بِالهَوَىٰ غَيرَ مُنصِفِ

وَلَا كُلُّ مَن يَحمِي الذِّمَارَ بِمَاجِدٍ يَصُونُ فُؤَادًا مِن هَوَىً مُتَلَفِّفِ

فَقَالَت وَفِي الأَلفَاظِ وَقرُ سَكِينَةٍ أَطَلتَ النَّوَىٰ وَالشَّوقُ غَيرُ مُخَفَّفِ

فَقُلتُ وَقَلبِي قَبلَ لَفظِي مُجِيبُهَا وَهَلۡ فِي مَسِيرِ البِيضِ مِنۡ مُتَخَلِّفِ

حَمَلتُ إِلَيكِ الشَّوقَ حَتَّىٰ كَأَنَّهُ رِدَاءٌ عَلَىٰ أَضلَاعِ صَبٍّ مُكَفكَفِ

وَخَبَّأتُ فِي صَدرِي مِنَ الوَجدِ جَمرَةً تُحِيلُ عَنَاءَ الهَجرِ غَيرَ مُخَفَّفِ

فَإِن كُنتِ لَا تَدرِينَ مَا فِي جَوَانِحِي فَقَد شَحَّ وَجهِي بَعدَ كُلِّ التَّلَهُّفِ

سَلِي اللَّيلَ كَم أَبقَيتُ فِيهِ لِمُقلَةٍ مِنَ الدَّمعِ حَتَّىٰ مَلَّ طُولَ التَّوَقُّفِ

سَلِي البِيدَ عَنِّي كَيفَ طَوَّحَتِ النَّوَىٰ بِناحِيَتَي قَلبٍ مِنَ الشَّوقِ مُدنَفِ

فَمَا قُدتُ حَرفِي فِي المَهَامِهِ لَاهِيًا وَلَا كَانَ قَطعُ القَفرِ ضَربَ التَّطَرُّفِ

وَلَكِنَّنِي لَمَّا رَأَيتُكِ غَايَتِي تَبَدَّدَ فِي عَينِي عَظِيمُ التَّخَوُّفِ

فَأَطرَقَتِ الحَسنَاءُ ثُمَّ تَبَسَّمَت تَبَسُّمَ مَن يَهوَىٰ بِدُونِ التَّكشُّفِ

فَعَادَت إِلَيَّ النَّفسُ بَعدَ شُرُودِهَا وَعَادَ الهَوَىٰ عَذبًا بُعَيدَ التَّجَفُّفِ

وَمَا نِلتُ مِن وَصلٍ سِوَىٰ أَنَّ طَرفَهَا أَجَازَ لِقَلبِي بَعضَ حُسنِ التَّزَلُّفِ

فَكَانَ قَلِيلُ الوَصلِ عِندِي كَثِيرَهُ كَنَيلِ المُنَىٰ مِن بَعدِ عَهدٍ مُسَوَّفِ

وَقَامَت وَفِي أَعيَانِهَا لِي بَقِيَّةٌ مِنَ القَولِ لَم تَأذَن لَهُ بِالتَّكَشُّفِ

فَأَمسَكتُ قَلبِي أَن يَزِلَّ بِصَبوَةٍ وَرُحتُ أُدَارِي جَمرَةَ المُتَلَهِّفِ

وَمَا كُنتُ مِمَّن يَستَذِلُّ صَبَابَةً وَلَا مِمَّنِ استَرضَىٰ الهَوَىٰ بِالتَّعَطُّفِ

أُحِبُّ وَأُبقِي لِلمَكَارِمِ حُرمَةً وَأَحفَظُ وَجهَ العِزِّ غَيرَ مُخَسَّفِ

لَئِن نَالَنِي مِن حُبِّهَا وَجدُ مُدنَفٍ فَإِنَّ عَلَىٰ حُكمِ المَرُوءَةِ مَوقِفِي

وَإِن ضَاقَ صَدرِي بِاشتِيَاقٍ فَإِنَّنِي أُوَسِّعُهُ بِالصَّبرِ غَيرَ مُكَفَّفِ

وَأَحمِلُ نَفسِي حَيثُ تَكرَهُ عِزَّةً وَأَمنَعُهَا أَن تَستَكِينَ لِمُضعِفِ

وَكَم خُضتُ أَهوَالَ الطَّرِيقِ وَلَم أَكُن أُطَأطِئُ رَأسِي لِلعَنَاءِ المُعَنِّفِ

وَكَم لَيلَةٍ شَقَّقتُ أَستَارَ دُجنَةٍ بِقَلبٍ عَلَىٰ وَقعِ المَشَقَّاتِ مُرهَفِ

إِذَا خَافَ قَومٌ وَجهَ بَيدَاءَ أَقبَلَت خُطَايَ إِلَيهَا دُونَ وَقفٍ وَمَصرِفِ

وَإِن قِيلَ هَذَا الدَّربُ وَعرٌ تَقَدَّمَت عَزَائِمُ نَفسِي قَبلَ خُطوِ المُخَوَّفِ

فَلَستُ الَّذِي تُثنِيهِ عَن عَزمِهِ النَّوَىٰ وَلَستُ الَّذِي يَرضَىٰ بِعَيشٍ مُسَفَّفِ

وَلَكِنَّنِي إِن هَبَّ فِي الصَّدرِ مَطمَحٌ مَضَيتُ إِلَيهِ مَشيَ حُرٍّ مُشَرَّفِ

وَإِن كَانَ فِي دَربِي حَبِيبٌ فَإِنَّهُ يَزِيدُ خُطَايَ العَزمَ غَيرَ مُخَفِّفِ

فَمَا الحُبُّ عِندِي ذِلَّةً وَتَصَاغُرًا وَلَكِنَّهُ عَهدُ الكَرِيمِ المُعَفَّفِ

إِذَا القَومُ قَالُوا مَن يَذُودُ عَنِ الحِمَىٰ تَقَدَّمتُ لَم أَثقُل وَلَم أَتَخَوَّفِ

وَإِن نَزَلَت يَومًا بِقَومِي مُلِمَّةٌ وَقَفتُ لَهَا وَقفَ الجَلِيدِ المُثَقَّفِ

أَذُودُ عَنِ الجَارِ الضَّعِيفِ وَعِرضِهِ وَأَحمِلُ عَنهُ وَقعَ خَطبٍ مُعَنِّفِ

وَأُكرَمُ نَفسِي أَن تَمُدَّ يَمِينَهَا إِلَىٰ ذِي غِنَىً بِالذُّلِّ أَو بِالتَّزَلُّفِ

وَأَرضَىٰ مِنَ الدُّنيَا بِمَا صَانَ مُهجَتِي وَلَو بِتُّ طَاوِي الكَشحِ غَيرِ مُتَرَّفِ

وَإِن فَاضَ مَالِي لَم أَبِت مُتَحَصِّنًا بِهِ دُونَ ذِي قُربَىٰ وَضَيفٍ مُضَيَّفِ

أَرَىٰ المَالَ مَاءً إِن جَرَىٰ طَابَ وِردُهُ وَإِن حُبِسَ استَأسَىٰ بِطِينٍ مُجَفَّفِ

وَمَا ضَاقَ بَيتٌ بِالطَّرِيقِ وَطَارِقٍ إِذَا كَانَ رَبُّ البَيتِ سَمحَ التَّصَرُّفِ

نُقَدِّمُ خَيرَ الزَّادِ وَالعَيشُ مُجدِبٌ وَنَشرَبُ عِكۡرَ المَاءِ بَعدَ المُضَيَّفِ

وَنَمنَعُ عِرضَ الحُرِّ أَن يَبلُغَ الأَذَىٰ وَنَجعَلُ دُونَ العِرضِ حَدَّ المُثَقَّفِ

إِذَا صِيحَ فِي الحَيِّ المُرَوَّعِ نَهضَةٌ وَثَبنَا وَلَم نَستَأذِنِ المُتَوَقِّفِ

وَنَركَبُ أَهوَالَ الغُبَارِ كَأَنَّهَا مَجَالِسُ أُنسٍ فِي رَبِيعٍ مُهَفهَفِ

لَإِن عَصَفَت رِيحُ الكَرِيهَةِ لَم نَكُن كَغُصنٍ تَوَلَّىٰ فِي مَهَبَّةِ أَعصُفِ

وَلَكِنَّنَا كَالطَّودِ يَلقَىٰ هُبُوبَهَا فَتَرجِعُ عَنَّا كَالنَّسِيمِ المُخَفَّفِ

لَنَا فِي وُجُوهِ الخَطبِ وَجهٌ مُوَطَّنٌ عَلَىٰ الصَّبرِ لَا يَخشَىٰ عِتَابَ المُخَرِّفِ

وَنَعرِفُ أَنَّ المَجدَ لَيسَ بِدَعوَةٍ وَلَا بِانتِسَابٍ فِي الكَلَامِ مُزَخرَفِ

وَلَكِنَّهُ عَزمٌ إِذَا النَّاسُ أَحجَمُوا وَكَفٌّ إِذَا سَالَ النَّدَىٰ لَم تُجَفَّفِ

وَعَهدٌ إِذَا مَا قِيلَ صُنهُ حَفِظتَهُ وَلَو صَارَ دُونَ العَهدِ حَدُّ التَّسَيُّفِ

وَصَبرٌ إِذَا مَا الحَادِثَاتُ تَنَكَّرَت وَقَلبٌ إِذَا مَادَ الرِّجَالُ بِأَطرُفِ

وَمَا زَادَنِي حُبُّ الحَبِيبَةِ وَهنَةً وَلَكِنَّهُ سَامَىٰ الفُؤَادَ بِأَشرَفِ

فَإِنِّي إِذَا أَحبَبتُ صُنتُ مَوَدَّتِي كَمَا صَانَ حُرٌّ فِي الوَغَىٰ حَدَّ مُرهَفِ

وَإِنِّي إِذَا عَاهَدتُ لَم أَنسَ عَهدَهَا وَلَو عَبِثَت بِي سِنُّ دَهرٍ مُصَرَّفِ

وَأَعلَمُ أَنَّ المَرءَ يُبلِيهِ دَهرُهُ وَيَبقَىٰ لَهُ مَا خَطَّهُ فِي المَوَاقِفِ

وَمَا كُلُّ مَن أَبدَىٰ الوِدَادَ بِصَادِقٍ وَلَا كُلُّ صَمتٍ مُفرَغٍ مِن عَوَاطِفِ

وَإِنَّ الفَتَىٰ مَن يَستَبِينَ صَدِيقَهُ إِذَا النَّاسُ مَالُوا بَينَ شَتَّىٰ المَخَالِفِ

وَتُعرَفُ أَقدَارُ الرِّجَالِ بِفِعلِهِم فَلَا تَغتَرِر يَومًا بِطِيبِ السَّوَالِفِ

فَكَم صَاحِبٍ لَانَ الكَلَامُ بِلَفظِهِ وَفِي كَفِّهِ سُمٌّ مِنَ الغَدرِ زَاحِفِ

وَكَم خَشِنِ الأَلفَاظِ تَلقَىٰ فُؤَادَهُ أَرَقَّ عَلَىٰ الخِلَّينِ مِن كَفِّ عَاطِفِ

فَلَا تَطلُبِ الخِلَّينِ فِي حُسنِ مَنطِقٍ وَلَكِن تَحَرَّاهُم بِصَعبِ المَوَاقِفِ

وَلَا تَرفَعَنَّ المَرءَ فَوقَ مَكَانِهِ فَإِنَّ التَّغَالِي مَهبِطُ كُلِّ شَارِفِ

وَلَا تَحتَقِر مَن لَم يَزِنهُ ثَرَاؤُهُ فَرُبَّ فَقِيرٍ سَادَ أَهلَ المَعَارِفِ

وَمَا النَّفسُ إِلَّا مَا تَعَوَّدَ طَبعُهَا فَإِن عُوِّدَت عِزًّا أَبَت لِلسَّفَاسِفِ

وَإِن عُوِّدَت صَبرًا عَلَىٰ نَوبِ دَهرِهَا تَرَقَّت بِهِ فَوقَ العُلَا وَالمَشَارِفِ

وَإِن عُوِّدَت حِرصًا أَضَاعَت سَكِينَةً وَبَاعَت غِنَىٰ الأَنفَاسِ بَعضَ المَتَالِفِ

وَمَا الحُبُّ إِلَّا مِثلُهَا إِن تَهَذَّبَت مَسَالِكُهُ أَعلَىٰ جَمِيلِ العَوَاطِفِ

وَإِن دَخَلَ الإِكرَاهُ بَابَ وِدَادِهِ تَحَوَّلَ حُسنُ الوُدِّ إِحدَىٰ المَتَالِفِ

فَدَع لِلهَوَىٰ مَا لَيسَ يُملَكُ أَمرُهُ وَخُذ لِلمُرُوءَاتِ العُلَا بِالمَشَارِفِ

فَإِنَّ الَّتِي أَهوَىٰ تُعَلِّمُنِي الهَوَىٰ وَعَلَّمَتِ العُشَّاقَ كُلَّ التَّعَفُّفِ

تُعَلِّمُنِي أَنَّ المَوَدَّةَ جَوهَرٌ يَبِينُ صَفَاهَا بَعدَ طُولِ التَّآلُفِ

وَأَنَّ الهَوَىٰ إِن لَم يَزِد حُرَّ نَفسِنَا مَكَارِمَ فَهوَ الحُبُّ دُونَ المَعَارِفِ

وَمَا كُلُّ قُربٍ فِي المَوَدَّةِ نِعمَةٌ وَلَا كُلُّ بُعدٍ فِي الهَوَىٰ بِمُجَانِفِ

فَرُبَّ بَعِيدٍ وَهوَ أَدنَىٰ مِنَ المُنَىٰ وَرُبَّ دَنِيٍّ لَا يَزِيدُ تَعَفُّفِي

وَإِنِّي رَأَيتُ الصَّبرَ أَجمَلَ زِينَةٍ إِذَا كَانَ فِيهِ الوُدُّ غَيرَ مُزَايِفِ

فَمَا نَفعُ وَصلٍ يَستَذِلُّ كَرَامَتِي وَمَا ضَرَّ بُعدٌ صَانَ وُدَّ العَفَائِفِ

وَلَستُ أَرَىٰ حُسنَ الحَبِيبَةِ وَحدَهُ جَمَالًا وَلَكِن فِي جَمِيلِ الطَّرَائِفِ

أَرَىٰ الحُسنَ فِي عَفوٍ وَفِي حُسنِ عِشرَةٍ وَفِي لَفظِهَا العَذبِ الرَّقِيقِ المُوَالِفِ

فَإِن سُئِلَت نَفسِي عَنِ الحُسنِ مَرَّةً أَشَارَت إِلَيهَا قَبلَ وَصفِ الوَاصِفِ

وَمَا الحُسنُ عِندِي مَا تَلَقَّاهُ نَظرَةٌ فَتَمضِي وَيَبقَىٰ بَعدَهَا قَلبُ عَازِفِ

وَلَكِنَّهُ مَا خَالَطَ الرُّوحَ مَرَّةً فَأَمسَىٰ لَهَا بَينَ الضُّلُوعِ بِمَألَفِ

وَمَا زَادَهُ مَرُّ اللَّيَالِي سِوَىٰ سَنًا كَدُرٍّ جَلَاهُ المَوجُ بَعدَ التَّقَاذُفِ

تَقَادَمَ عَهدُ الوَصلِ وَالعَهدُ بَينَنَا وَمَا شَاخَ فِي قَلبِي قَدِيمُ التَّآلُفِ

وَإِن غَيَّرَت أَيدِي السِّنِينَ مَعَالِمًا فَمَا غَيَّرَت وَجهَ الهَوَىٰ فِي المَعَاطِفِ

وَكَم مَرَّ ذِكرُ الحَيِّ فَاهتَزَّ خَافِقِي كَأَنَّ الصِّبَا عَادَت إِلَيهِ مَغَارِفِي

وَكَم خِلتُ أَنِّي قَد تَعَزَّيتُ بَعدَهَا فَهَاجَ خَفِيُّ الشَّوقِ مِن غَيرِ عَاصِفِ

يَمُرُّ اسمُهَا فِي النَّفسِ مَرَّةَ خَاطِرٍ فَيَفتَحُ مِن ذِكرَىٰ الزَّمَانِ مَخَاوِفِي

وَأَذكُرُ مِن أَيَّامِهَا مَا كَأَنَّهُ نَقِيشُ خَوَاتِيمٍ عَلَىٰ كَفِّ عَارِفِ

وَإِن حَضَرَت فِي خَاطِرِي لَو لِلَحظَةٍ تَوَارَتۡ سِوَىٰ مَا كَانَ مِنهَا بِخَاطِفِ

فَمَا ذَهَبَت أَيَّامُهَا حِينَ أَدبَرَت وَلَكِنَّهَا أَمسَت بِقَلبِي كَسَالِفِ

وَإِنِّي لَأَلقَىٰ الحُسنَ بَعدَكِ كُلَّهُ وَأَعلَمُ أَنَّ الحُسنَ غَيرُ مُحَرَّفِ

فَرُبَّ جَمَالٍ مَرَّ بِالعَينِ عَابِرًا وَحُسنُكِ فِي عُمقِ السِّنِينَ بِعَاكِفِ

وَعُدتُ عَلَىٰ رَبعٍ تَقَادَمَ عَهدُهُ فَأَعيَا عَلَيَّ الرَّسمُ بَينَ المَذَارِفِ

تَطَلَّبتُهُ حَتَّىٰ عَرَفتُ مَكَانَهُ بِمَا لَا تَرَاهُ العَينُ بَينَ الصَّفَاصِفِ

هُنَالِكَ كَانَ الحَيُّ هَذِي رِحَالُهُ وَهَذِي مَجَارِي القَومِ بَينَ المَصَائِفِ

وَهَذَا مَكَانٌ كَانَ يَحفَظُ ظِلَّهَا فَأَضحَىٰ عَرَاءً مُستَبَاحًا لِعَاصِفِ

وَهَذِي ثَنَايَا الرَّملِ أَعهَدُ أَنَّهَا تُوَارِي خُطَىً مِنهَا وَطِيءَ المَجَاوِفِ

تَتَبَّعتُهَا وَالرَّملُ يَمحُو بَقِيَّةً وَيَطمِسُ مَا أَبقَت يَدُ المُتَقَاذِفِ

فَمَا زِلتُ أَستَقرِي الثَّرَىٰ وَكَأَنَّنِي أُقَلِّبُ سِفرًا دَارِسَ الحَرفِ تَالِفِ

أُرِيهِ فُؤَادِي مَا تَعَامَت حُرُوفُهُ فَيَقرَأُ مَا أَخفَىٰ غُبَارُ الصَّحَائِفِ

وَأَلقَىٰ مَغَانِيهَا فَلَا شَيءَ بَاقِيًا سِوَىٰ مَوضِعٍ خَالٍ وَصَمتِ المَشَارِفِ

فَيَا عَجَبًا أَخفَىٰ الثَّرَىٰ كُلَّ آيَةٍ وَمَا خَفِيَ المَعهُودُ خَلفَ الشَّغَائِفِ

عَفَا الرَّسمُ حَتَّىٰ لَا أَرَىٰ غَيرَ مَوضِعٍ أُسَمِّيهِ مِن عَهدِي بِغَيرِ مُعَرِّفِ

كَأَنَّ فُؤَادِي بَعدَ مَا دَرَسَ الحِمَىٰ هُوَ الرَّبعُ لَا مَا بَينَ تِلكَ المَخَارِفِ

وَلَمَّا قَضَت بِالدَّارِ عُدَّةُ مُهجَتِي تَلَفَّتُّ وَالتَفَّ الهَوَىٰ غَيرَ خَائِفِ

وَخَلَّفتُهَا وَالرِّيحُ تَنسُجُ فَوقَهَا مِنَ الرَّملِ سِترًا بَعدَ سِترٍ مُضَاعَفِ

وَكَانَت خُطَاهَا آخِرَ الرَّسمِ بَعدَهُم فَأَوقَفَنِي خَطوٌ بِرَسمٍ مُخَالِفِ