يا موطنَ العزِّ ويا دارَ الكرامِ

قصيدة ابو العباس التغلبي في ديوان الأعضاء

يا موطنَ العزِّ ويا دارَ الكرامِ يا موطنَ التاريخِ والمجدِ التامِ

لا أشتري ذُلًّا بعيشٍ ناعمٍ فالعزُّ عندي فوقَ كلِّ مقامِ

إن ضاقَ رزقي لا أمدُّ يدَ المَنَى وأصونُ وجهي عن سؤالِ لئامِ

أمشي عزيزَ النفسِ مهما أظلمتْ دنيايَ، لا أخشى عواقبَ عامِ

فالحرُّ إن عضّتْهُ أيامُهُ يبقى أبيًّا شامخَ الأقدامِ

والمرءُ يُعرفُ في الشدائدِ لا إذا صَفَتِ الحياةُ لهُ بلا آلامِ

إن خانَ عهدَكَ صاحبٌ لا تنحنِ واجعلْ فراقَ الغادرِ الختامِ

لا تستجدِ ودادَ من قد باعَهُ فالودُّ لا يُهدى إلى اللئامِ

وإذا قدرتَ على الردِّ فاعفُ مقتدرًا فالعفوُ تاجُ القادرِ المقدامِ

لكنْ إذا مُسّتْ كرامتُكَ التي صنتَها، فالصمتُ ليسَ مقامِ

للحرِّ حدٌّ لا يجاوزهُ امرؤٌ والعزُّ حصنُ النفسِ من أوهامِ

لا المالُ يصنعُ في الرجالِ مروءةً إن لم يكنْ في القلبِ صدقُ خصامِ

كم صاحبٍ لبسَ الغنى متباهيًا وهو الفقيرُ إلى علوِّ مقامِ

وكم فقيرٍ قد غدا بينَ الورى بالصدقِ أعلى منزلةً وكرامِ

فالمالُ ظلٌّ زائلٌ، والمجدُ في خلقِ الرجالِ وثابتِ الإقدامِ

تغلبْ، لها في المجدِ أصلٌ ثابتٌ من وائلٍ، ومآثرُ الأعلامِ

قومٌ إذا نادى المكارمَ طالبٌ وجدَ المكارمَ عندَهمْ بتمامِ

قومٌ إذا اشتدَّ الزمانُ عليهمُ جعلوا من الصخرِ الصليبِ مقامِ

لا يستمدُّونَ الرفعةَ من امرئٍ فالحرُّ يستغني عن الإنعامِ

إن قيلَ أينَ العزُّ بينَ قبائلٍ قلنا: هنا في تغلبَ الضرغامِ

فيها مواقفُ لا تزالُ كأنها نقشٌ على صفحاتِ كلِّ زمانِ

فيها من الأمجادِ ما يكفي لمن طلبَ المكارمَ دونَ أيِّ خصامِ

والعزُّ ليسَ بأن تُذلَّ منافسًا بل أن تصونَ النفسَ عن الانتقامِ

أن تستطيعَ الردَّ ثم تترفعَ ال عن صغائرِ الأقوالِ والخصامِ

تلك المروءةُ، لا صياحٌ عابرٌ ولا التفاخرُ كثرةَ الكلامِ

والعراقُ، يا وطنَ الحضارةِ، موطنٌ فيه المكارمُ راسخاتُ دعائمِ

يا أرضَ دجلةَ والفراتِ، ويا ثرى شهدَ الحضاراتِ العظامَ قيامِ

بابلٌ وسومرٌ على صفحاتِنا تحكي لنا عن أقدمِ الأعوامِ

فيكِ ابتدأ خطُّ الكتابِ، وصارَ لل علمِ القديمِ منارةُ الإلهامِ

وبغدادُ كانت للعلومِ منارةً تجلو ظلامَ الجهلِ بالإقدامِ

فيها تلاقى الفكرُ والعلمُ الذي أضحى منارًا ساطعَ الأنوارِ

يا دجلةَ الخضراءَ، يا سرَّ المدى يا نهرَ مجدٍ خالدِ الإلهامِ

والفراتُ، يا نبعَ البطولةِ، شاهدٌ أنَّ العراقَ موطنُ الإكرامِ

في نخلةِ البصرةِ اعتزازُ قصيدةٍ وفي نخيلِ الكوفةِ استعلاءُ هامِ

والرافدانِ إذا تلاقى ماؤهما حَكيا عن التاريخِ والأعوامِ

والنخلُ يبقى رغمَ عصفِ رياحِهِ راسخَ الجذورِ، عزيزَ المقامِ

وكذلك الإنسانُ في أرضِ العراقِ يبقى عزيزًا ثابتَ الإقدامِ

قد تشتدُّ الأيامُ حولَ بيوتنا لكنْ نُقابلُها بثوبِ ابتسامِ

نحملْ جراحَ الوقتِ دونَ مذلّةٍ ونصونُ عهدَ النفسِ في كلِّ عامِ

إن عاثَ فينا الدهرُ يومًا لا نرى في الانحناءِ وسيلةَ الإكرامِ

بل نستعيدُ من الرمادِ عزيمةً ونشقُّ دربَ المجدِ بالإقدامِ

لا نلعنُ الماضي، ولا نبكي على ما فاتَ، بل نبني غدَ الأجيالِ

فالمجدُ ليسَ حكايةً موروثةً المجدُ فعلُ الحاضرِ الهمّامِ

من كانَ يبغي العزَّ فليحفظْ عهدَهُ وليصنْ لسانَهُ عن الآثامِ

وليحفظِ المعروفَ عندَ أصحابهِ وليبتعدْ عن موطنِ الإجرامِ

وليكنْ كريمًا حينَ يقدرُ، صابرًا حينَ الشدائدُ تثقلُ الأجسامِ

فاللينُ ليسَ مذلّةً إن كان في خلقِ الكريمِ، ولا هوَ استسلامِ

والقوةُ أن تضبطْ غضبَكَ إن بدا وتردَّ بالميزانِ لا بانتقامِ

والصمتُ أحيانًا من القولِ حكمةٌ إن كان قولُكَ موقدَ الخصامِ

لكنْ إذا وجبَ الكلامُ فقلِ الحقَّ ال واضحَ، ولا تخشَ من الأوهامِ

واجعلْ كرامتَكَ التي في صدرِكَ ال حصنَ الذي لا يُشترى بحطامِ

لا تجعلِ الناسَ الذينَ تغيّروا ميزانَ قدركَ، ثابتَ الإقدامِ

من جاءَ بالصدقِ استحقَّ مودّةً ومن استهانَ بكَ، فذاك ختامِ

لا تجعلِ الخذلانَ يسكنُ قلبَكَ ال فالعمرُ أكبرُ من مرارةِ عامِ

قد يخسرُ الإنسانُ شخصًا ظنَّهُ دربَ النجاةِ، فيفتحُ اللهُ مقامِ

وربَّ أمرٍ كنتَ تحسبُهُ أذًى فإذا بهِ بابٌ إلى الإنعامِ

والصبرُ ليسَ انتظارًا عاجزًا بل قوّةٌ تمضي مع الإقدامِ

إن سقطَ الإنسانُ يومًا فليقمْ فالسقوطُ ليسَ نهايةَ الأيامِ

العزمُ أن تمضي ولو في خطوِكَ ال أولِ بقايا الخوفِ والآلامِ

حتى إذا بلغتْ خطاكَ مرادَها عرفتْ لماذا كنتَ ذا إصرارِ

هذي ملامحُ من أرادَ كرامةً لا من أرادَ مكانةَ الأوهامِ

وهذي تغلبُ في المكارمِ شاهدٌ وهذا العراقُ موطنُ الإكرامِ

مجدانِ في قلبِ القصيدةِ يجتمعْ فيهما علوُّ النفسِ والإقدامِ

تغلبْ لها ذكرٌ يطولُ زمانُهُ والرافدانِ لهُ من الأعوامِ

إن قيلَ عزّةُ نفسِ حرٍّ، قُلْ هنا إن قيلَ مجدٌ، قُلْ: بلادُ الشامِ

بل قُلْ: عراقُ المجدِ، أرضُ حضارةٍ وقلِ: تَغْلِبُ رايةُ الأقوامِ

لا ينتهي ذكرُ الكرامِ بموتِهمْ ما دامَ فينا حافظٌ للمقامِ

تبقى المروءةُ في الرجالِ كأنها نجمٌ يضيءُ بظلمةِ الأيامِ

ونظلُّ نرفعُ رايةً لا تنحني ما دامَ فينا ثابتُ الإقدامِ

هذا هو العهدُ الذي لا ننثني عنهُ، ولا نرضى بعيشِ هوانِ

عزُّ النفوسِ لنا طريقٌ واضحٌ والمجدُ غايتُنا بلا استسلامِ

تغلبْ، وعزُّكِ في المكارمِ شاهدٌ والعراقُ تاجُ المجدِ والإكرامِ