قصيدة

أَشاقَكَ بَرقٌ آخِرَ اللَيل وَاصِبُ

تَضمَّنهُ فَرشُ الجَبَا فَالمَسارِبُ

يَسوقُ مِنَ المُزنِ الثِقالِ غَمامَةً

لَها في عِنانِ الجَوِّ ثَجٌّ وَساكِبُ

تَأَلَّقَ في داجي الظَلامِ وَميضُهُ

كَما لاحَ في غِمدِ اليَماني قَواضِبُ

إِذا جاشَ مِن نَحْوِ اليَمانينَ مُقبِلاً

سَرَت في نَواحِيهِ البُروقُ اللَواعِبُ

كَمَا اِفْتَرَّ عَن دُرٍّ ثَنايا خَريدَةٍ

لَها مَبسِمٌ عَذبٌ وَطَرفٌ مُداعِبُ

يُرَوِّي بِلاداً قَد عَفاها مُحولُها

فَتَخضَرُّ مِن جَرّاهُ تِلكَ السَباسِبُ

دَعَوتُ إِلهي أَن يَجودَ رُبوعَها

لِتَزهُوَ فيها ساحَةٌ وَمَلاعِبُ

لِتَمرَحَ فيها وَهِيَ في غَضِّ عَيشِها

إِذا طَرَّزَتهُ المُندِياتُ الرَواكِبُ

تَذَكَّرتُها وَالعيسُ تَهوي كَأَنَّها

نَجائِبُ طَيرٍ أَو ظِماءٌ شَوازِبُ

تَخُبُّ بِنا عوجٌ كَأَنَّ زَفيرَها

شَكاةُ مَريضٍ هَدَّهُ وَهْوَ شاحِبُ

فَقُلتُ وَدَمعُ العَينِ يَجري بِمائِهِ

سَقى رَبْعَهُم غَيثٌ نَداهُ سَكائِبُ

وَإِنّي وَإِن لامَ العَذولُ وَأَكثَروا

لَأَكتُمُ ما في الصَدرِ وَالدَّمعُ سارِبُ

يَقولونَ سَلِّ النَفسَ عَنها وَتُب لَها

فَكَيفَ يَتوبُ المُستَهامُ المُواظِبُ

أَحَقّاً نَوى الحَيُّ التَفَرُّقَ وَالنَوى

وَلَم تَقضِ حاجاتِ المُحِبِّ الحَبائِبُ

فَجودي بِوَصلٍ قَبلَ شَحطِ مَزارِنا

فَقَد طالَما شَطَّت بِكُنَّ المَذاهِبُ

وَإِنَّ اِرتِجائي نَيلَ ما في قُلوبِكُم

سَرابٌ تَرَجّاهُ العِطاشُ السَواغِبُ

أَلا لَيتَ شِعري هَل بَقينَ عَلى البِلى

دِيارٌ بِذاتِ الجِزعِ فيها مَعاشِبُ

وَهَل رَوضَةُ الوادِي كَما قَد عَهِدتُها

تَجولُ بِها العِينُ المَهَا وَالرَبائِبُ

فَخافي إِلهَ العَرشِ في صَبِّ لَوعَةٍ

كَواهُ الهَوى حَتّى بَرَتهُ النَواصِبُ

وَمَن لَم يُسامِح خِلَّهُ في صَنيعَةٍ

يَعِش بَينَهُم في الدَّهرِ وَهْوَ مُجانِبُ

وَمَن يَطلُبِ الزَلّاتِ مِن كُلِّ واصِلٍ

فَيَرجِعُ صِفراً وَهْوَ لِلخُسرِ حالِبُ

فَلا تَسكُنوا يَوماً إِلى ذي خَديعَةٍ

فَيَظهَرَ مِنهُ السُمُّ حينَ يُشاغِبُ

كَأَن لَم أَسِر وَاللَيلُ داجٍ ظَلامُهُ

وَقَد غَمَرَت هَديَ النُجومِ الغَياهِبُ

خَليلَيَّ سُوقا الناجِياتِ لَعَلَّما

تَبَدَّت ذُرى الأَعلامِ وَهْيَ شَناخِبُ

فَما أَنا أَدري هَل وِصالٌ يَرُدُّها

رِياضاً لِقَلبي أَم سِهامٌ صَوائِبُ

سَأَزجُرُ نَفسي عَن طِلابِ وِصالِكُم

وَهَل يَستَقيمُ الأَمرُ وَالعَقلُ ذاهِبُ

حَليلَةُ شَكسٍ ذي حَمِيَّةِ جاهِلٍ

إِذا ذُكِرَت في قَومِهِ فَهوَ صاخِبُ

إِذا أَبصَرَتني مُقلَتاهُ يَذودُني

بِمُرهَفَةٍ يَدمى بِها مَن يُناصِبُ

وَلَو شُقَّ عَن صَدري لَأَبصَرَ ناظِرٌ

لَها مِن جُيوشِ الحُبِّ فيهِ كَتائِبُ

بِها مَيسِمٌ مِن لاعِجِ الشَوقِ ثابِتٌ

لَهُ في ثَنايا الرُوحِ وَسمٌ وَلازِبُ

تَضَمّنَ داءً مُنذُ عِشرينَ حِجَةً

لَكُم ما تُسَلِّيهِ السُنونَ الكَواذِبُ