قصيدة

قَدْ قَوَّضَ الحَيُّ إِذْ جَدُّوا بِتَغْرِيبِ

وَأَوْرَثُوا مُهْجَتِي نَاراً بِتَلْهِيبِ

شَطَّتْ نَوَاهُمْ فَبَاتَ الدَّمْعُ مُنْهَمِراً

مِنْ مُقْلَةٍ شَفَّهَا وَجْدٌ لِمَحْبُوبِ

رَاحُوا خِفَافاً تَحُثُّ العِيسُ رِحْلَتَهُمْ

نَحْوَ الفَيَافِي لِمَرْعًى غَيْرِ مَجْدُوبِ

يَحْدُو بِهِمْ ذُو صَدًى بِاللَّيْلِ مُرْتَجِزٌ

فِي صَوْتِهِ شَجْوُ مُشْتَاقٍ وَمَنْكُوبِ

كَأَنَّ أَصْوَاتَهُمْ فِي البِيدِ إِنْ صَدَحُوا

عَزْفُ القِيَانِ غَدَاةَ الرَّوْعِ فِي النُّوبِ

وَاليَعْمَلَاتُ طَوَتْ حُزْنَ الفَلَاةِ بِهَا

كَأَنَّمَا فُرَّطَتْ مِنْ نَشْبِ عُرْقُوبِ

فَوْقَ الظُّهُورِ هَوَادِيجٌ مُزَيَّنَةٌ

يَحْوِينَ كُلَّ مَهَاةٍ ذَاتِ تَنْقِيبِ

حُورٌ حِسَانٌ كَأَمْثَالِ الدُّمَى خُرُدٌ

يَسْبِينَ لُبَّ الفَتَى مِنْ غَيْرِ تَثْرِيبِ

إِنْ أَسْفَرَتْ شَعَّ نُورٌ مِنْ تَبَسُّمِهَا

كَالبَدْرِ لاحَ بِلَيْلٍ جِدِّ مَشْبُوبِ

جِيدُ الغَزَالِ لَهَا وَالوَجْهُ مُكْتَمِلٌ

وَالثَّغْرُ يَفْتَرُّ عَنْ عِقْدٍ كَأُنْبُوبِ

يَحْمِلْنَ فِي الجِيدِ عِقْداً فَوْقَ تَرْقُوَةٍ

مِنْ لُؤْلُؤٍ بَيْنَ يَاقُوتٍ وَمَسْكُوبِ

يَعْبَقْنَ مِنْ نَفْحَةِ المِسْكِ المُذَابِ بِهَا

تَسْبِي العُقُولَ بِسِحْرٍ لِلأَسَالِيبِ

وَالخَلْخَلَانِ عَلَى السَّاقَيْنِ قَدْ رُبِطَا

فِي غَضَّةٍ بَضَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِيبِ

وَالشَّعْرُ جَثْلٌ كَلَوْنِ اللَّيْلِ مُنْسَدِلٌ

عَلَى خُصُورٍ رِدَاحٍ لِلْخَرَاعِيبِ

وَطِيبُهُنَّ رَدَاعٌ غَالِبٌ عَبِقٌ

يَفُوحُ مِسْكاً عَلَى رَأْسِ الشَّنَاخِيبِ

يُومِئْنَ بِالرَّاحِ وَالحِنَّاءُ زَيَّنَهَا

مِثْلَ العَنَمْ فِي بَنَانٍ ذِي أَسَارِيبِ

إِذَا تَبَسَّمْنَ فَالظَّلْمَاءُ مُسْفِرَةٌ

عَنْ حَبِّ مُزْنٍ بِمَاءِ السُّحْبِ مَضْرُوبِ

فِي رَبْوَةٍ بَاكَرَتْهَا الدِّيمَةُ اِعتَشَبت

أَلْوَانَ زَهْرٍ نَضِيرٍ غَيْرِ مَشْحُوبِ

كَأَنَّ ذِكْرَاهُمُ خَمْرٌ أُعَلُّ بِهَا

صِرْفاً فَبِتُّ صَرِيعاً جِدَّ مَغْلُوبِ

مَعْ فِتْيَةٍ نُجُبٍ لا بُخْلَ عِنْدَهُمُ

يُسْقَوْنَ سُلَافَةً مِنْ دَنِّ مَخْطُوبِ

يَسْرِي رُوَاعُ الطِّلَا فِي كُلِّ جَارِحَةٍ

يَشْفِي الغَلِيلَ بِكَأْسٍ ذَاتِ تَصْوِيبِ

وَالقَوْمُ نَشْوَى وَشَادِيهِمْ يُطَرِّبُهُمْ

عَلى سَمَاعِ دُفُوفٍ وَالأَضَارِيبِ

مِنْ زِقِّ خَمْرٍ كَأَنَّ القَارَ شَمَّلَهُ

يَحْوِي مُعَتَّقَةً عَنْ خَيْرِ تَرْكِيبِ

كَأَنَّمَا دَمُ جَوْفٍ سَالَ مُنْدَفِقاً

فِي أَكْؤُسٍ صُفِّفَتْ مِثْلَ الأَنَابِيبِ

وَالمَاءُ فِي الأَرْضِ مَبْذُولٌ مَوَارِدُهُ

مِنْهُ الزُّلالُ وَبَعْضٌ غَيْرُ مَرْغُوبِ

وَالغَانِيَاتُ يُرِدْنَ الغِرَّ ذَا عَبَثٍ

وَيَزْدَرِينَ وَقُوراً غَيْرَ مَلْعُوبِ

يَفْنَى الزَّمَانُ وَيُبْلِي عُمْرَ صَاحِبِهِ

وَالحَادِثَاتُ تَرُوعُ المَرْءَ بِالحُوبِ

أَيَّامُنَا خُطَطٌ وَالمَوْتُ يَرْقُبُنَا

كَاللَّيْثِ يَقْنَصُنَا مِنْ غَيْرِ تَثْوِيبِ

لا يَتْرُكُ المَوْتُ جَبَّاراً وَذَا نَسَبٍ

إِلَّا أَصَابَ حِمَاهُمْ سَهْمُ مَغْصُوبِ

يَخْتَارُ أَفْضَلَهُمْ قَصْداً لِيُهْلِكَهُ

فِي صَكَّةٍ لَمْ تَدَعْ رُوحاً لِمَرْهُوبِ

وَحَادِثُ الدَّهْرِ مَقْدُورٌ بِلا رَيْبٍ

وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا يَوْمٌ بِتَقْرِيبِ

كَمْ مِنْ بَلَاءٍ جَلِيلٍ يُرْتَجَى فَرَجٌ

مِنْ بَعْدِهِ وَيَزُولُ الهَمُّ كَالذُّوبِ

فَالنَّاسُ صِنْفَانِ ذُو غَيٍّ يُدَمِّرُهُ

وَذُو رَشَادٍ تَقِيٌّ غَيْرُ مَعْطُوبِ

وَالعَيْشُ كَالضَّرْعِ فِيهِ الدَّرُّ مُنْسَكِبٌ

طَوْراً وَطَوْراً كَقَفْرٍ غَيْرِ مَعْشُوبِ

لا تَبْغِ أَمْراً مُحَالاً لَسْتَ تُدْرِكُهُ

وَاحْفَظْ لِسَانَكَ مِنْ طَعْنٍ وَتَثْلِيبِ

وَلِنْ لِخِلِّكَ إِنْ زَلَّتْ قَدَامَتُهُ

وَالْقَ الأَحِبَّةَ عَفْواً غَيْرَ تَصْعِيبِ

وَاشْكُرْ لِذِي الفَضْلِ مَعْرُوفاً يُقَدِّمُهُ

وَكُنْ جَرِيئاً شُجَاعاً غَيْرَ مَرْعُوبِ

إِيَّاكَ وَالمَدْحَ قَبْلَ الخُبْرِ تَبْذُلُهُ

وَالذَّمَّ مِنْ قَبْلِ تَمْحِيصٍ وَتَأْنِيبِ

الطِّفْلُ يَقْبَلُ نُصْحاً حِينَ تُرْشِدُهُ

أَمَّا المُسِنُّ فَيَأْبَى كُلَّ تَهْذِيبِ

وَالطَّبْعُ يَغْلِبُ فِي الأَخْلَاقِ أَجْمَعِهَا

وَالوَحْشُ لا يَنْثَنِي إِلَّا بِتَرْهِيبِ