قصيدة
لا يُبعِدَ اللَهُ جِيراناً تَرَكتُهُمُ
مِثلَ المَصابيحِ تَجلو لَيلَةَ الظُلَمِ
أَمْسَتْ رُسُوماً كَأَنَّ الرِّيحَ تَنْسِجُها
بُرْداً مِنَ التُّرْبِ أَوْ مَوْشِيَّةَ القِدَمِ
بَانُوا فَوَلَّى مَعَ الأَظْعَانِ صَبْرُ فَتىً
قَدْ شَفَّهُ الوَجْدُ حَتَّى بَاتَ فِي سَقَمِ
أَضْحَتْ مَغَانِي الحِمَى قَفْراً يُجَاوِبُهَا
صَوْتُ الصَّدَى وَبُغَامُ الرُّبْدِ وَالنَّعَمِ
قِفا نُسائِلُها وَالدَّمْعُ مُنْسَجِمٌ
شُؤْبُوبَ غَادِيَةٍ مَوْصُولَةِ الدِّيَمِ
يَحْدُو بِهِنَّ حُدَاةُ البَيْنِ فِي سَحَرٍ
فِي مَهْمَهٍ قَاذِفٍ بِالمَوْتِ وَالعَدَمِ
بَيْضَاءُ تُخْجِلُ شَمْسَ الصُّبْحِ طَلْعَتُهَا
مَجْلُوَّةُ الوَجْهِ خِلْواً مِنْ أَذَى الأَلَمِ
تَفْتَرُّ عَنْ شَنَبٍ كَالأُقْحُوَانِ إِذَا
طَلَّ النَّدَى نَوْرَهُ فِي هَطْلَةِ الرِّهَمِ
جَعْدٌ أَثِيثٌ عَلَى المَتْنَيْنِ مُنْسَبِلٌ
يُغْشِي المَعَاطِفَ أَلْواناً مِنَ العَتَمِ
تَمْشِي الهُوَيْنَا كَمِثْلِ الرِّئْمِ سَانِحَةً
مَشْيَ القَطَاةِ تَرُودُ المَاءَ عَنْ أَمَمِ
غَادَرْتِ فِي القَلْبِ يَوْمَ البَيْنِ مَحْرَقَةً
حَرُّ الصَّبَابَةِ فِيْهَا غَيْرُ ذِي شَبَمِ
كَمْ لَيْلَةٍ ذَاتِ أَهْوَالٍ سَرَيْتُ بِهَا
يَغْشَى مَعَالِمَهَا دَاجٍ مِنَ القَتَمِ
فَوْقَ النَّجِيبَةِ تَطْوِي البِيدَ شَاخِصَةً
لَمْ تَشْكُ لُغْباً وَلَمْ تَعْثُرْ عَلَى أَكَمِ
تَبْدُو كَأَنَّ رِيَاحَ الأَرْضِ تَدْفَعُهَا
سَهْمَاً تَمَرَّدَ عَنْ قَوْسٍ مِنَ الرَّجَمِ
فَالمَوْتُ غَايَةُ كُلِّ النَّاسِ نَعْرِفُهَا
وَالدَّهْرُ يُفْنِي تِبَاعَاً سَائِرَ الأُمَمِ
مَا إِنْ نَرَى عِصْمَةً لِلْمَرْءِ تَمْنَعُهُ
يَوْمَ الحِمَامِ وَلَا نَاجٍ مِنَ النِّقَمِ
قُلْ لِلرِّجَالِ بَنِي عَدنانَ إِنَّهُمُ
أَهْلُ الفَضَائِلِ مِنْ حِلْمٍ وَمِنْ كَرَمِ
المُطْعِمُونَ إِذَا هَبَّتْ شَآمِيَةٌ
وَالضَّارِبُونَ رُؤُوسَ القَوْمِ فِي القِمَمِ
الخَافِضُونَ جَنَاحَ الأَمْنِ تَكْرُمَةً
وَالحَافِظُونَ لِعَهْدِ الجَارِ وَالذِّمَمِ
أَشْكُو إِلَى اللهِ شَوْقَاً لَيْسَ يَبْرَحُنِي
حَتَّى أَصِيرَ رُفَاتاً بَالِيَ الرِّمَمِ
هَلْ تَذْكُرِينَ عُهُوداً قَدْ مَضَتْ سَلَفاً
يَوْمَ الوِدَاعِ وَمِيثَاقاً مِنَ القَسَمِ
أَمْسَتْ مُنَايَ وَقَلْبِيْ فِي هَوَاجِسِهِ
يَرْعَى الخَيَالَ طَرِيْداً لاحَ كَالعَلَمِ
صَفْرَاءُ حُرَّةُ أَصْلٍ لا يُعَابُ بِهَا
إِلَّا بَهَاءٌ تَعَالَى عَنْ يَدِ الخَدَمِ
لَيْتَ الزَّمَانَ الَّذِي قَدْ فَاتَ يُسْعِفُنَا
كَيْ يَرْجِعَ الوَصْلُ غَضّاً طَاهِرَ النَّسَمِ
قَد أبعَدَ اللَهُ جِيراناً أحبُهُمُ
مِثلَ المَصابيحِ تَجلو لَيلَةَ الظُلَمِ