قصيدة

طَرِبْتَ وَهَاجَتْكَ الدِّيَارُ الْبَلَاقِعُ

وَعَادَكَ شَوْقٌ بَعْدَ عَامَيْنِ رَاجِعُ

وَأَوقَدَ ناراً في فُؤادِكَ مُحرِقا

غَداتَئِذٍ لِلبَينِ أَسفَعُ نازِعُ

شَحا فاهُ نُطقاً بِالفُراقِ كَأَنَّهُ

سَليبٌ حَريبٌ خَلفَهُ السِربُ جازِعُ

فَقُلْتُ تَنَحَّ الْآنَ إِنْ كُنْتَ مُنْذِراً

فَقَدْ فَجَعَتْنَا فِي الْفِرَاقِ الفَوَاجِعُ

تَجَرَّعْتَ سُمّاً يَا غُرَابُ فَإِنَّنِي

صُلِيتُ بِنَارِ الْهَجْرِ وَالْهَجْرُ قَامِعُ

أَلَمْ تَرَ أَنِّي لَا أَرُومُ بَدِيلَهُمْ

وَلَسْتُ لِعُذَّالِ الْمَحَبَّةِ طَائِعُ

فَذَرْنِي فَمَا تُبْصِرْ سِوَى شِلْوِ مُدْنَفٍ

تُحَرِّقُهُ الزَّفْرَاتُ وَهْيَ لَوَافِعُ

أَلَمْ تَرَ مَغْنَى الْحَيِّ في رَونَقِ الضُحى

بِحَيثُ اِنحَنَت لِلهَضبَتَينِ الأَجارِعُ

وَقَدْ يُفْرَدُ الصَّبُّ الْقَرِينُ عَنِ الْهَوَى

وَيَقْطَعُ أَسْبَابَ التَّدَانِي قَوَاطِعُ

فَكَمْ مِنْ خَلِيلٍ قَدْ أَلِفْتَ وِصَالَهُ

زَمَاناً فَلَمْ يَدْفَعْ أَذَى الْبَيْنِ دَافِعُ

كَأَنِّي غَدَاةَ الرَّوْعِ مُرْتَهَنُ الرَّدَى

صَدٍ قَدْ تَعَدَّتْهُ الْمُتُونُ النَّوَاقِعُ

تُخَالِسُ مُضْنَى العِشْقِ بَرْدَ حَيَاتِهِ

فَلَا الْوِرْدُ مَبْذُولٌ وَلَا الْمَاءُ نَاجِعُ

وَحُورٌ غَذَاهُنَّ الدَّلَالُ كَأَنَّهَا

مَهَا الرَّمْلِ ضَمَّتْهَا الحِجَالُ الرَّوَائِعُ

عِراضُ المَطا قُبَّ البَطونِ كَأَنَّما

وَعى السِرَّ مِنهُنَّ الغَمامُ اللَوامِعُ

تَحَمَّلْنَ مِنْ بَطْنِ العَقِيقِ وَأَسْبَلَتْ

لَهُنَّ بِآثَارِ الرَّحِيلِ مَوَاجِعُ

فَمَا رِمْنَ مِنْ سَفْحِ اللِّوَى غَيْرَ أَنَّهَا

تَسَاوَتْ مَطَايَاهُنَّ وَهْيَ طَوَائِعُ

وَحَتَّى رَفَعْنَ الغِيدَ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ

وَخاضَت سُدولَ الرَقمِ مِنها الأَكارِعُ

فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ فِي الْخُدُورِ وَقَدْ هَفَا

عَبِيرٌ وَمِسْكٌ فِي العَرانِينِ ذَائِعُ

وَأَوْمَأْنَ أَنْ رُصُّوا الْمَطِيَّ وَقَدْ صَفَا

مِنَ الصَيفِ يَومٌ طَيِّبُ الظِلِّ ماتِعُ

فَقُمْنَ يُسَاوِينَ السُّتُورَ بِفَاحِمٍ

يُدَاعِبُ مَتْنَيْهِ النَّسِيمُ المُنَازِعُ

وَكُلُّ نَجِيبَاتِ الْأُصُولِ كَأَنَّهَا

إِذَا ذُعِرَتْ مِنْهَا الظَّلِيمُ الْمُسَارِعُ

يُعَارِضُهَا شَهْمٌ كَأَنَّ لُغَامَهُ

عَصِيرُ كُرُومٍ قَدْ حَوَتْهَا المَصَانِعُ

رَفِيقٌ بِنَقْلِ الْخُطْوَتَيْنِ مُكَابِرٌ

إِذَا هَالَ مِنْ صَوْتِ الْحُدَاةِ رَوَائِعُ

عَلَيْهِ أَصِيلُ الْجِذْمِ يَضْرِبُ خُفَّهُ

بِسَاقِي وَمَا ضَاقَتْ عَلَيْنَا الْمَوَاسِعُ

يُجِيبُ بِلَبَّيْهِ إِذَا مَا زَجَرْتُهُ

عَلَى فَتْرَةٍ وَالْبَدْرُ فِي الْأُفْقِ سَاطِعُ

وَلَمّا لَحِقنا بالْحُمُولِ تَبَاشَرَتْ

بِنَا خُرَّدٌ زَانَتْ حُلَاهَا الْبَدَائِعُ

تَبَدَّيْنَ بِالْحُسْنِ الْمُثِيرِ وَإِنْ يَرُمْ

حِمَاهُنَّ صَبٌّ فَالْخُدُورُ رَوَادِعُ

أَلَنَّ حَدِيثاً كَالْجُمَانِ طَلَاوَةً

وَقَدْ شُرِّعَتْ نَحْوَ الحَدِيثِ المَسَامِعُ

فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلةً

بِحَيْثُ اسْتَقَرَّتْ فِي رُبَاهُ الْمَرَاتِعُ

وَهَلْ أُرْخِيَنْ رَحْلِي إِلَى كِسْرِ خَيْمَةٍ

بِمُنْعَرَجٍ حَفَّتْ عَلَيْهِ الْفَوَارِعُ

وَهَلْ أَتْبَعَنْ طُولَ الزَّمَانِ ظَعَائِناً

سَواماً تُزَجِّيهِ الرِّكَابُ السَّرَائِعُ

سَقَاهَا عَلَى بُعْدِ الْمَزَارِ غَمَامَةٌ

مِنَ الْمُزْنِ سَحَّتْ مَاءَهَا وَهْيَ هَامِعُ

أَجَشُّ جُمادِيٌّ إذا صَكَّ صَكَّةً

وَأَقْبَلَ يَستَتلي تُسَكُّ المَسامِعُ

يَحِطُّ الوُعولَ الشُهلَ مِنْ رَأْسِ شَاهِقٍ

وَلِلسِدرِ وَالدَومِ الطِوالِ المَصارِعُ

فَقُلْتُ لِصَحْبِي وَدَمعِيَ مُسبَلٌ

وَقَد صَدَعَ الشَملَ المُشَتَّتَ صادِعُ

أزهرا بِأَبْوَابِ الْخِيَامِ تَبَلَّجَتْ

لِعَيْنَيَّ أَمْ قَرْنٌ مِنَ الشَّمْسِ طَالِعُ