هُمْ قادِمونَ- نَثيرَةٌ
الشاعر: محمود أحمد مرعي
«هُمْ قادِمونَ- نَثيرَةٌ» من شعر محمود أحمد مرعي، وتقع في 13 بيتًا. ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هُمْ قادِمونَ مِنْ هُناكَ أَرى أَشْباحَهُمْ عَلى الْأُفُقِ... ... أَراهُمْ مُدَجَّجينَ بِالزَّمانِ سِلاحًا وَبِالْيَقينِ، لا شَيْءَ يُوقِفُهُمْ وَلا ظِلَّ لَهُمْ.
يَطْلُعونَ الْآنَ مِنْ خَلْفِ جِدارِ زَمانِ الصَّمْتِ الْمُسَلَّحِ بِعَساكِرِ صَوْتِ وَقْتِ الصَّمْتِ. ... يَمُرُّونَ بِنا خَلْفَ زَمانٍ مَتاريسَ حَياةٍ تُشْبِهُنا مَوْتًا، وَلا تَنْطِقُنا، فَقَدْ لَفَظَتْنا عُروقُ الثَّواني عَنْ مَنابِتِ الْفَصيحِ مِنَ حَياةِ الْكَلامِ إِلى جاهِلِيَّتِنا الْفَصيحَةِ.
يَتْرُكونَنا هُناكَ ظِلالَ وَقْتٍ وَطَيْفَ حَضورٍ ماتَ فينا وَيُتابِعونَ إِلَيْنا. ... يَفيضُ اللَّا مَرْئِيُّ بِهِمْ عَلى أَرْضٍ خَرْساءِ الْكَلامِ فَصيحَةِ الْأَفْعالِ، وَيَصُبُّونَ وُجودَهُمْ زَمَنًا مُخْتَلِفًا، في كُلِّ شِبْرٍ مِنْ كَلامٍ سَيَنْمو.
تَهْتَزُّ الْأَرْضُ وَتَرْجُفُ، تُلْقي إِلَيْهِمْ أَحْمالَها فَيُوَزِّعونَها عَلى ما تَفيضُ الطُّرُقاتُ مِنْ بَشَرٍ يُشْبِهونَنا، وَيَسْتَثْنونَنا مِنَ الْقِسْمَةِ، يَقولونَ لا مَقْسومَ لِلْمَقْصومِ. ... مَساءاتُهُم حَميمَةُ مَوْتٍ وافى دِماءَ مَلائِكَةٍ راقِصينَ عَلى يَأْسٍ ماتَ شَريدَ هَديرٍ دائِرِيٍّ.
تَتَسَكَّعُ الْآنَ غاوِياتُ غِواياتِ الْحَريرِ الْمُبْتَلِّ بِكَلامِ رَفاهِيَةِ الصَّباحِ، وَتَغْتَسِلُ في أُنوثَةِ صَبِيَّةٍ أَرْهَقَها اشْتِعالُ عِشْقٍ مُسْتَحيلٍ، فَصارَتْ تُرْبَةً عَوانًا بَيْنَ بَيْنَ، يُعاقِرُها فَلَّاحُ عَصْرٍ تَوَقَّفَ عِنْدَ سَفْحِ الْأَماني، وَحَطَّ بِهِما الْعُمْرُ عَلى سَطْحِ عَصْرِ لُهاثٍ عَبَثِيٍّ. ... تَنْدَلِقُ الْآنَ خَلْفَ صَوْتِ صَمْتِ اللَّيْلِ أَمْعاءُ وَقْتِنا الرَّاهِنِ وَلَهيبِ الْأُغْنِياتِ.
...... ... ماتَتْ أَغانينا سَيِّدَةَ الْكَلامِ وَأَصْبَحْنا صَدى الْقُبورِ الْقَريبَةِ مِنْ مَطالِعِنا.
وَلا أَرانا في إِشاعَةِ الْوَقْتِ عَنَّا، خُيولًا وَكَلامًا فَصيحَ الْأَمْرِ سَيِّدًا بَيْنَ اللُّغاتِ. ... لكِنَّهُمْ قادِمونَ بِنا إِلَيْنا بِاللُّغَةِ الْحَيَّةِ الْجَديدَةِ كَيْ يَبْعَثونا مِنْ لُغَةِ الْمَوْتى عَلى هامِشِ مَوْتِ اللُّغاتِ في اسْتِطالَةِ نَوْمِ حُروفِ الْمَدِّ في جَسَدِ اللُّغَةِ، فَقَدْ كُنَّا نَباتَ لُغَةِ فَصْلٍ خامِسٍ شارَفَ عَلى الْخَرابِ مِنْ ثِقَلِ هَوامِشِ الْمَتْنِ الْمَشَبَّعِ بِالْأَسْئِلَةِ.
........ ... سَيَغْسِلونَنا مِنْ إِثْمِنا الْأَوَّلِ الْمُمْتَدِّ مِنْ بِدايَتِنا حَتَّى جَحيمِنا الْآنِيِّ، بِماءِ مَوْتِنا الرَّبيعِيِّ الْقادِمِ، لِيُطْلِعونا أَزاهيرَ لا تُشْبِهُنا، فَلا يَحْتاجونَ مَدَّ نَوْمٍ جَديدٍ، وُجوهُهُمْ صَباحٌ يَجُرُّ الصَّباحَ عَنْ جِبالِ عِنادِهِ خَلْفَ بَحْرِ الصَّمْتِ السَّاكِنِ بَحْرَ الظُّلُماتِ.
يَطَؤونَ زَعيقَ الْأَرْضِ لَدى وادي الْحُروفِ الْبِكْرِ بِما زَرَعوا مِنْ كَلامٍ بَليغِ السِّياقِ، يَفُضُّ بَكارَتَها تَلِدُ الْحُروفُ الْمُعْجِزاتِ، يُكَوِّرونَ الْأَرْضَ وَيودِعونَها في قَبْضَةِ الْهَوانِ الْكَئيبِ وَيُفْسِحونَ الْحَياةَ لِمَواليدِ الْحُروفِ كَيْ تَنْمو وَتَفيضَ عَلى الْأَرْجاءِ بَأْسًا وَحَضارَةً. ... .......
هُمْ قادِمونَ، قادِمونَ، لَمْ يَكْذِبْ مُنْخُلُ اللَّيْلِ في سَرْدِ الصُّورَةِ وَتَفْسيرِ الشُّخوصِ، هُمْ قادِمونَ حَياةً لِمَوْتِنا الْمُمْتَدِّ مِنْ قَبْلِ الدُّخانِ حَتَّى انْزِياحِ الْأَرْضِ عَنْ مَعانينا فَوْقَها. ... هُمْ قادِمونَ سَيِّدَتي يُرَتِّلونَ أَناشيدَ الْوِلادَةِ، فَاسْتَعِدِّي بِكُلِّ ما يَليقُ بِنا في حَضْرَتِهِمْ، وَما يَليقُ بِنَشيدِهِمْ عَلى سَطْحِ وَقْتِنا النَّائِمِ كَيْ يُفيقَ، فَقَدْ حَضَروا لِيوقِظوهُ فينا بِلادًا وَكَلامًا جَديدًا قاهِرًا عُصورَ الْكَلامِ.
....... ... عَما قَريبٍ تَعودُ الْمَدينَةُ الْعَتيقَةُ لِلَيْلِها، تَتَناسَلُ في طُرُقاتِها الْغِرْبانُ، تَسيلُ الْمَدينَةُ مَعابِدَ بِلا روحٍ سَماوِيَّةٍ، وَيَصيرُ الْكَلامُ الْفَصيحُ فيها رَطانَةَ عُلوجِ الزَّمانِ الْخَبيثِ.
عَمَّا قَليلٍ سَيَبْدَأُ الْاِحْتِفالُ بِما يَصِحُّ وَما يَجِبُ، فَقَدْ صَحَّ الَّذي يَجِبُ، فَلا تَتَكَلَّمي الْآنَ فَالصَّوْتُ لا صَدى لَهُ في هذا الدَّمارِ، وَانْتَظِري انْتِشارَ هَواءِ الْقادِمينَ وَهُبوبَهُ عَلى مُنْحَدَراتِ الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلى صَحيحِ اللُّغَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمي لِيَرَوْا صَداكِ وَيَلْتَفِتوا إِلَيْنا وَتَنْهَدَّ أَسْوارُ حَجْبِنا عَنَّا وَعَنْهُمْ، وَيَسْقُطَ ما عَلِقَ بِنا مِنْ طَحالِبِ الْغَيْرِ وَما قاءَتْهُ اللُّغاتُ مِنْها عَلَيْنا في زَحْمَةِ اجْتِراحِ النُّكوصِ وَالْاِنْحِيازِ إِلى سوءِ الْمَشْأَمَةِ. ... .......
وَلِلْغِواياتِ دُروبٌ وَدِرايَةٌ بِسَحْبِنا مِنَّا إِلى خَرابِ الْيَقَظَةِ، فَلا تُشَرِّعي نَهْدَيْكِ قُبالَتَها، وَخَمِّري عَنْها عُرْيَ لُغَتِنا الْمَيِّتَةِ، وَاحْذَري أَنْ تَمَسَّكِ نارُها قَيْدَ جَمْرَةٍ فَأَموتَ، وَاشْرَبي وَتَشَرَّبي سَيِّدَتي كَلِماتِيَ الْقَديمَةَ وَفَضاءَ حُروفي الْعابِرِةِ جَسَدي في حَضْرَةِ مَوْتي الْمُؤَجَّلِ جُمْلَتَيْنِ وَحَرْفًا وَقُبْلَةً، وَكوني اصْطِفاءَ الصَّخَبْ، كوني انْهِيارَ اللَّهَبْ، كوني عَجَبَ الْعَجَبْ، كوني انْعِتاقَ الْعَصَبْ، في انْطِلاقِهِ نَحْوَ الْمَصَبْ، وَلا تَسْأَليني عَنِ السَّبَبْ، فَالْقادِمونَ هُمُ السَّبَبْ.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الثواني: ثأن: التَّهْذِيبُ: التثاؤُن الاحْتيال والخَديعةُ؛ يُقَالُ: تَثاءَنَ لِلصَّيْدِ إِذَا خادَعَه: جَاءَهُ مرَّة عَنْ يمينِه، وَمَرَّةً عَنْ شمالِه. وَيُقَالُ: تَثاءنْت لَهُ لأَصْرِفَه عَنْ رأْيِه أَي خادَعْتُه واحْتَلْتُ لَه … (لسان العرب)
- الفصيح: صيح: الصِّياحُ: الصوتُ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: صوتُ كُلِّ شَيْءٍ إِذا اشْتَدَّ. صاحَ يَصِيحُ صَيْحة وصِياحاً وصُياحاً، بِالضَّمِّ، وصَيْحاً وصَيَحاناً، بِالتَّحْرِيكِ، وصَيَّحَ: صَوَّتَ بأَقصى طَاقَتِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي … (لسان العرب)
- اللا: : اللَّيْثُ: لَا حَرْفٌ يُنْفَى بِهِ ويُجْحَد بِهِ، وَقَدْ تَجِيءُ زَائِدَةً مَعَ الْيَمِينِ كَقَوْلِكَ لَا أُقْسِمُ بالله. قَالَ أَبو إِسحق فِي قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، وأَشْكالِه … (لسان العرب)
- المسلح: سلح: السِّلاحُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِآلَةِ الْحَرْبِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الْحَدِيدِ، يُؤَنَّثُ ويذكَّر، وَالتَّذْكِيرُ أَعلى لأَنه يُجْمَعُ عَلَى أَسلحة، وَهُوَ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ مِثْلُ حِمَارٍ وأَحمرة و … (لسان العرب)
- بالزمان: زمن: الزَّمَنُ والزَّمانُ: اسْمٌ لِقَلِيلِ الْوَقْتِ وَكَثِيرِهِ، وَفِي الْمُحْكَمِ: الزَّمَنُ والزَّمانُ العَصْرُ، وَالْجَمْعُ أَزْمُن وأَزْمان وأَزْمِنة. وزَمَنٌ زامِنٌ: شَدِيدٌ. وأَزْمَنَ الشيءُ: طَالَ عَلَيْهِ الزَّم … (لسان العرب)
- بعساكر: عسكر: العَسْكَرةُ: الشِّدَّةُ وَالْجَدْبُ؛ قَالَ طَرَفَةُ: ظلَّ فِي عَسْكَرةٍ مِنْ حُبِّها، ... ونأَتْ شَحْطَ مَزارِ المُدَّكِرْ أَي ظَلَّ فِي شِدَّةٍ مِنْ حُبّها، وَالضَّمِيرُ فِي نأَت يَعُودُ عَلَى مَحْبُوبَتِهِ، وَقَو … (لسان العرب)
- تشبهنا: شبه: الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ، وَالْجَمْعُ أَشْباهٌ. وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ: مَاثَلَهُ. وَفِي الْمَثَلِ: مَنْ أَشْبَه أَباه فَمَا ظَلَم. وأَشْبَه الرجلُ أُمَّه: وَذَلِكَ إِذَا عَجَزَ وضَعُفَ؛ عَنِ ابْنِ … (لسان العرب)
- تنطقنا: نطق: نَطَقَ الناطِقُ يَنْطِقُ نُطْقاً: تَكَلَّمَ. والمَنطِق: الْكَلَامُ. والمِنْطِيق: الْبَلِيغُ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: والنَّوْمُ ينتزِعُ العَصا مِنْ ربِّها، ... ويَلوكُ، ثِنْيَ لِسَانِهِ، المِنْطِيق وَقَدْ أَنْطَقَه اللَّهُ … (لسان العرب)