ما لا يعود
الشاعر: بيان الصفدي · البحر: المديد
«ما لا يعود» من شعر بيان الصفدي، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بعثرتُها . . ... كانت شظايا في خطايَ
طفولة مجروحة ٌ ... يمتدُّ من أدراجها غيم ثقيلٌ
ناعم القطرات فوق الصخر ِ ... مبتَلاً بها .
بعثرتها . . ... كانت خطاي أليفة ً
في بئرها الأولى التي تمتدُّ ... حتى تدفُقَ النبعَ العميقَ
تهزُّني فيها عذوبةُ أن نفيضَ ... و أن نطيرَ
ولا نرى ظلاً لنا ... فوق الزوايا المائلات ِ
و عبر أودية ٍ ... ترنُّ بها خُطانا.
. . . ... كُرَة من اللهب البهيج ِ
يهيج في أطرافها صوت سماويٌّ ... يُغللِّنا بأسرار نروح لها سكارى
لم يزنِّر جِيدنا إلا الغبارُ ! ... متى قرأنا في دفاترها
المبعثرة الجميلة ِ ... ما يخطُّ الغيبُ ؟
. . غادرْنا قرانا . ... . . .
مدنٌ مهيَّأة بكل الحزن ِ ... تستلقي على عتباتنا الأولى
تشمُّ ترابنا المخفيَّ ... تذرونا على طرقاتها
و تلمُّنا حيناً . . ... و تعركنا. .
و لكن . . ... لا ترانا.
. . . ... خطَّ الدم المهدور في صفحاتنا جيلاً
و أخفى في سراديب النهار ِ ... المعتمِ الدمويِّ أشلاءً
عبرنا جسرها عُمياً ... إلى عتبات هذا التيه ِ
كم دربٍ مشيناها! ... و كم سفنٍ لنا تاهتْ !
و أطلقنا صواريها إلى بحر من الظلمات ِ ... تأخذنا شواطئه ُ
و تلقينا على جمراتها ... عسسٌ أنيقون استفاقوا فجأة ً
و بنوا لنا جزراً من الأوهام ِ. . ... أبنية من الإسمنت ِ
تصبغها دمانا ... . . .
قرؤوا علينا ما تيسَّرَ ... من كتاب النار و الطاغوت ِ
و اقتسموا بقايا الحلم ِ . . ... و انداحوا كطوفان من الهالوك ِ
ينهش في بقايانا . . ... و سَلُّوا صارماً
و تلوا أباطيلاً ... و قلنا تكذبون لهم
و صدَّقهم سوانا. ... . . .
رُبَّانا أعمى ... أدار الدفّّة العمياءَ
في هوج العواصف ِ ... و اصطففنا خلفه ُ
متلفِّعين بنجمة غابتْ ... و لم تكُ للسفين سوى الغواية ِ . .
حتفها المجهولُ ... تمشي نحوه سكرى
نقطِّر شوقنا مطراً ... و نعصر غيمنا وهماً
و نهمي فوق أطلال ٍ ... خرائبها شواهقُ
بومها في الصبح ينشد ُ ... أغنيات من نُثار الملح فوق الجرح ِ
تذروها رياحٌ ... ثمَّة الليلُ البهيم يهيم ُ
تتبعه الخرائب ُ ... منتشين بظلمة ٍ
تمتدُّ في الكلمات ِ ! . . ... تعجنها على مَهَل ٍ
فتلمع في أسانا ... . . .
في لحظة ما ... قد نعودُ
مكلَّلين بتاجنا الشوكيِّ ... ننفض عند أعتاب الطفولة ِ
ما تبقَّى من غبار الرحلة الشوهاءِ . . ... نبكي خيمة أوتادُها الأضلاع ُ . .
أحجاراً سرقنا نارها. . ... رفقاءَنا الغابوا . .
الزوايا . . ... الأمسيات ِ . .
خزائنَ الجدَّات ِ . . ... بيدرنا البعيدَ . .
البركة َ. . ... الناطور َ. .
أطفالاً هنا لم يكبروا ... الكرمَ الذي لم يبقَ كرماً
نطرق البابَ الذي في البال ِ ... ظلَّ مُوارَباً
و بمثل ما كنا هنا بالأمس ِ ... ندخله ُ
فيفجؤنا هدوء شاملٌ ... ما لا يعودُ . .
يعودُ ... في البيت الذي كنَّاهُ
نخفي وحشة ً . . ... إذ نستريح ُ
لأننا نبكي طلولَ الدار ِ . . ... نسألها . .
و لا أحدٌ يرانا! .
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- العميق: لعمق: اللَّعْمَقُ: الْمَاضِي الجَلْد. (لسان العرب)
- القطرات: قطر: قَطَرَ الماءُ والدَّمْعُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ السَّيَّالِ يَقْطُر قَطْراً وقُطُوراً وقَطَراناً وأَقْطَر؛ الأَخيرةُ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ، وتَقاطَرَ؛ أَنشد ابْنُ جِنِّي: كأَنه تَهْتانُ يومٍ ماطرِ، ... مِنَ الربِيعِ، دائم … (لسان العرب)
- المائلات: أيل: أَيْلَة: اسْمُ بلدٍ؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي: فإِنَّكُمُ، والمُلْكَ، يا أَهْل أَيْلَةٍ ... لَكَالمُتأَبِّي، وَهْو لَيْسَ لَهُ أَبُ أَراد كالمتأَبي أَباً؛ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: مَلَكَا مِنْ جَبَل الثلْجِ إِلى … (لسان العرب)
- النبع: نبع: نَبَعَ الماءُ ونبِعَ ونَبُعَ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، يَنْبِعُ وينْبَعُ ويَنْبُع؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، نَبْعاً ونُبُوعاً: تَفجَّر، وَقِيلَ: خَرَجَ مِنَ الْعَيْنِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْعَيْنُ يَنْبُوعاً؛ ق … (لسان العرب)
- بئرها: قال عزّ وجل: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج : 45] ، وأصله الهمز، يقال: بَأَرْتُ بِئْراً وبَأَرْتُ بُؤْرَة، أي: حفيرة. ومنه اشتق المِئْبَر، وهو في الأصل حفيرة يستر رأسها ليقع فيها من مرّ عليها، ويقال لها: ا … (مفردات الراغب)
- بعثرتها: بعثر: الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ؛ قَالَ: خَرَجَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وخروج الموتى بعد ذلك؛ قَالَ: وَهُوَ مِنْ أَشراط السَّاعَةِ أَن تُخرج الأَرض أَفْلَاذَ كَ … (لسان العرب)
- تدفق: دفق: دفَق الماءُ والدَّمْعُ يَدْفِق ويدْفُق دَفْقاً ودُفُوقاً وانْدفَق وتدَفَّق واستَدْفَقَ: انْصبَّ، وَقِيلَ: انصبَّ بمرَّة فَهُوَ دَافِقٌ أَيْ مَدْفُوقٌ كَمَا قَالُوا سِرٌّ كاتِمٌ أَي مكتُوم، لأَنه مِنْ قَوْلِكَ دُفِق … (لسان العرب)