قُلتُ لمّا طيبُ عَيشي هربا
الشاعر: رشيد أيوب · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر رشيد أيوب، من العصر الحديث، وتقع في 47 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قُلتُ لمّا طيبُ عَيشي هربا ... واختَفَى في ما ورَاءَ القمَرِ
إنّهَا دُنيَا تُريك العَجبَا ... لَيتني فِيهَا عَديمُ النّظرِ
لَيــــتَني أضرِبُ آلاتِ الطّرَب ... فَــــــأُعَــــــزّي كــــــلّ قَــــــلبٍ ذائِبِ
أو إِذا هَاجَ فؤادي واضطرَب ... أتَغَنّى بِشَبَابِي الذّاهِبِ
كَـــــرَبٌ فـــــي كَــــرَبٍ فــــوقَ كَــــرَب ... صَارَ عَيشي بَعدَ حظي الهارِبِ
فَدَعوني في الدّجى مُحتَجِبا ... طالَ لَيلى ما لهُ من قِصَرِ
أرقُبُ الأفلاكَ أرعَى الشُّهُبَا ... وَبِنَفسي مَا بِهَا مِن كَدَرِ
لَيتَني أدركتُ مامعنى المَشيب ... عندما قد كُنتُ في شرخِ الشّباب
كان ظني أن نجمي لا يغِيب ... فإذا بالنجمِ قد ولَّى وَغَاب
لَيسَ لي في هذهِ الدّنيَا نصيب ... بعدما في العمرِ ضيّعتُ الحساب
غير أني قَد تخّذتُ الأدَبَا ... حِرفَةً ألهو بِهَا في كِبَري
وتركتُ الذكر عمّا ذَهَبَا ... من حَياتي أو مضى من خَبَري
لَيتَني يا لَيتَني موسى الكَلِيم ... فَأُنادي اللهَ من رَأسِ الجَبَل
رَبّ إن الناس في لَيلٍ بَهِيم ... حَيثُ بضدرُ الأمنِ في الدنيا أفَل
يَستَضِيئُونَ بِنَارٍ كَالجَحِيم ... أوجَدوها من حُرُوبٍ تَشتَعِل
عَبَدُوا رَبّاً لَها مُنتَسِبا ... فَغَدوا يَمشونَ عُميَ البَصِرِ
فَأعطِني لَوحَ الوَصَايا سَبَبا ... لِســــــلامٍ يــــــا إلهَ البَـــــشَـــــرِ
لَيتَني في الحَقلِ أرعى الغَنَما ... صارفاً عمري سميراً للنّجُوم
خالِياً مِن كلّ همٍّ مثلمَا ... غَنَمي قد جَهِلَت معنى الهُمُوم
فــــإذا هَــــبّــــت رِيــــاحٌ وَهمى ... مَطَرٌ وَانتَشَرَت فَوقي الغُيوم
أنفخُ الشبّابَ أشدُو طَرَبا ... وَقَطِيعِي سائِرٌ في أثَري
لَستُ أخشى مِن غُرَابٍ نَعَبَا ... آمِناً لَم أدرِ مَعنى الحَذَرِ
لَيتَني أعلَمُ في أيّ النّجُوم ... حَلّ رَبُّ العاشقينَ الفارِضي
لَبَعَثتُ النفسَ من خَلفِ الغُيوم ... فَتُنَاجِيهِ بِبرقٍ وَامضِ
رَاحَ لم يُبقِ لَنَا غيرَ الرّسوم ... في حَوَاشي كلّ سّرٍ غَامضِ
سائِق الأظعَانِ أينَ احتَجَبَا ... صاحب الآيات سامي الفِكَرِ
يا لَهُ مِن بحرِ حُبٍّ عَذبا ... نلتَهِي مِن بعده بالدّرَرِ
لَيتَني في هذهِ الدّنيَا أكُون ... مثل مَن في الكهفِ قد كانوا نِيَام
يَقظَيّ قَد أتعَبَت مني الجُفون ... فلِهذا كرهَت نفسي القِيَام
رُبّما إن نمتُ دهراً بِسكون ... عدتُ والدّنيَا غَدَت تَرعى الذّمَام
ربّ شيء بَعدما قَد صَعَبَا ... هَــــوّنَتهُ حَادثاتُ الغِيَرِ
مَن تُرَى يَعلَمُ مَا قد كُتِبَا ... في سِجِلاّتِ القضَا والقَدَرِ
لَيتَني في رَوضَةٍ عِندَ الغَدير ... باعتزالٍ عَن جِهادي في الوجود
مُصغِياً كُلِّي لِذَيّاكَ الخرير ... وهوَ يَتلو من أناشِيدِ الخُلُود
مَا أُحَيلى القلب في الدنيَا كسير ... فهو عنوَانٌ لمَن يرعى العُهُود
رَقّ حتى كُلّمَا هَبّت صَبَا ... حملتهُ مع نَسِيمِ السَّحَرِ
وهوَ يَتلو باكِياً مُنتَحِبا ... يا زَمَانَ الحُبِّ تحتَ الشّجَرِ
لَيتَني كُنتُ غَنِيّاً فَأجُول ... بينَ أحيَاءٍ عَلَيها الفقرُ ساد
أُقرضُ المسكينَ إذ ربي يقول ... سأُجازي مَن عَلى المسكين جَاد
آه كم في هذه الدّنيَا جَهُول ... لَو تُناديهِ لَنَادَيتَ الجَماد
صَبّتِ الدّنيَا لَدَيه ذَهَبَا ... وَأحَــــــلّتــــــهُ مُــــــتُــــــونَ السُّرُرِ
وَهوَ لَو جَرّبتَهُ ما وَهَبَا ... لِبَني الإنسان غيرَ الضّرَرِ
لَيتَني أسكُنُ مَا بين الصخور ... عِندَ شاطي البَحر في بَرٍّ بَعِيد
حيثما أصغي إِلى صَوتِ الدّهور ... مِن فَمِ الأموَاجِ يُتلى كالنّشيد
لُغَةٌ يَشتَاقُهَا قلبُ الصّبُور ... فهيَ تدعو النّفسَ للعهدِ العَتِيد
فَذَرُوني إِنّ دمعي نَضبَا ... وَكَذا طَرفي قَضى بالسّهَرِ
والّذي أصبُو إِلَيه اقتَرَبَا ... لَيتَ شعري ما أرَى في سفري
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الذاهب: ذهب: الذَّهابُ: السَّيرُ والمُرُورُ؛ ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهاباً وذُهوباً فَهُوَ ذاهِبٌ وذَهُوبٌ. والمَذْهَبُ: مَصْدَرٌ، كالذَّهابِ. وذَهَبَ بِهِ وأَذهَبَه غَيْرُهُ: أَزالَه. وَيُقَالُ: أَذْهَبَ بِهِ، قَالَ أَبو إِسحاق: وَهُ … (لسان العرب)
- الطرب: طرب: الطَّرَبُ: الفَرَح والحُزْنُ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وَقِيلَ: الطَّرَبُ خِفَّةٌ تَعْتَري عِنْدَ شدَّة الفَرَح أَو الحُزن وَالْهَمِّ. وَقِيلَ: حُلُولُ الفَرَح وذهابُ الحُزن؛ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الْهَمِّ: سَأَ … (لسان العرب)
- الهارب: هرب: الهَرَبُ: الفِرارُ. هَرَبَ يَهْرُبُ هَرَباً: فَرَّ، يَكونُ ذَلِكَ للإِنسان، وَغَيْرِهِ مِنَ أَنواع الْحَيَوَانِ. وأَهْرَبَ: جَدَّ فِي الذَّهابِ مَذْعُوراً؛ وَقِيلَ: هُوَ إِذا جَدَّ فِي الذَّهَابِ مَذْعُوراً، أَو غير … (لسان العرب)
- بشبابي: شبب: الشَّباب: الفَتاء والحداثةُ. شبَّ يشِبُّ شَبَابًا وَشَبِيبَةً. وَفِي حَدِيثِ شُرَيْحٍ: تجوزُ شهادةُ الصِّبيان عَلَى الْكِبَارِ يُسْتشَبُّون أَي يُسْتشْهَدُ مَنْ شبَّ مِنْهُمْ وكَبر إِذا بَلَغ، كأَنه يَقُولُ: إِذا تح … (لسان العرب)
- تريك: تري: التَّهْذِيبُ خَاصَّةً: ابْنُ الأَعرابي تَرَى يَتْرِي إِذَا تَراخَى فِي العَمَلِ فعَمِلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. أَبو عُبِيدٍ: التَّرِيَّة[[. قوله [الترية] بكسر الراء مخففة ومشددة كما في النهاية]]. فِي بَقِيَّة حيضِ ا … (لسان العرب)
- ذائب: ذيب: الأَذْيَبُ: الماءُ الكَثِيرُ. والأَذْيَبُ: الفَزَعُ. والأَذْيَبُ: النَّشاطُ. الأَصمعي: مَرَّ فلانٌ وَلَهُ أَذْيَبُ، قَالَ: وأَحْسِبُه يُقَالُ أَزْيَب، بِالزَّايِّ، وَهُوَ النَّشاطُ. والذِّيبانُ: الشَّعَر الَّذِي يَك … (لسان العرب)