الحياة...بعد الخمسين
الشاعر: جواد كاظم محمد · البحر: الطويل
«الحياة...بعد الخمسين» من شعر جواد كاظم محمد، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
على جانبي نهرِ السنينِ تناثرتْ — حكاياتُ عمرٍ كالرياحِ على الربى
فطوراً يناجينَ الفؤادَ تذكراً — وطوراً يبحنَ السرَّ.. يجهلنَ ما الخبا
وطوراً على مرمى الأضاميم ريحُها — إذا ما سرتْ ذاقَ الهبوبَ بنو الصبا
على أنها مرتْ كخمسينَ حجة — وما بعدَ خمسينِ الحياةِ منَ النبا
منايا تزيحُ الحيَّ معنى حياتِهِ — وتدنيهِ منْ سكنى القبورِ تغربا
سوى رحمةِ الرحمنِ ما في حياتِنا — رجاءٌ... إذا ما رامَهُ العبدُ مطلبا
ومن غيرِ ذا التوحيدِ ما في صدورِنا — سوى علةٍ أعيتْ هناكَ تطبُّبا
جلوساً بكرسيِّ يدور تذكراً — تراميتُ مخطوفَ الرؤى متذببا
وأرسلتُ نحوَ الافقِ عيناً كليلةً — تكشّفُ سراً للحياةِ تضببا
فتمرقُ ذكرى كالرياحِ فلا ترى — سوى صرصر حيناً ، وحينا ندى الصبا
وتستعظمُ المستصغَرَ القدرَ عنوةً — وتستصغرُ البدرَ المنيرَ إذا شبا
وتهدرُ بالأيامِ حتى كأننا — لنركبُ منْ حلو اللُحيظاتِ مُرعبا
ونجلسُ لا ندري الحياةَ تمرُّنا — أمِ العمرُ فيها مرَّ طيفاً فأغربا
وندري ولا ندري الحياةَ وسرَّها — وفيم ترامي الشمسُ نجماً وكوكبا!
وفيمَ انتهاءُ النفسِ والقبرُ بدؤها — وحتامَ لا تنأى "رجيماً" و "خنزبا"
لقدْ أودتِ الدنيا الغَرورُ بأهلِها — وفيها نوى الأيامِ فينا تقلَّبا
وأفنتْ على الأزمانِ من كلِّ أُمةٍ — تساوى بها من راحَ في القبرِ متربا
ولكنَّ في بعضِ القبورِ رزيئةٌ — وفي بعضهنَّ العمرَ تلقى تطببا
إذا ما حباكَ الله فضلاً ورحمةً — فقدْ بُتَّ منْ ربِّ العبادِ مقرَّبا
وإنْ كنتَ منْ أهلِ الضلالةِ والغوى — فيا ويلَ ما تلقاهُ ...تبقى معذَّبا
ألا إنها هذي الحياةُ ذميمةٌ — أجالتْ بأهلِ العيشِ عنقاءَ مُغربا
كثيرٌ منَ الأحزانِ تنأى بمسعَدٍ — ويمضي خليُّ الحظِّ شرقاً ومَغربا
حياةٌ تقدُّ العمرَ قدَّاً محطِّماً — يمزقُ في مرِّ الأعاصيرِ أثؤبا
أفيضوا عليَّ الماءَ عمري لمُجدبٌ — وقدْ طالما رمتُ الأصاحيبَ مشربا
متى أجتلي منها نجاةً ومهربا — وقد خلتُ إبقاءَ الأمانيِّ مهربا
أدالتْ "بفرعونَ" الكفورِ ببحرِها — وصافتْ معَ "الحجاجِ" مذْ رامَ "مصعبا"
ومنْ قبلُ ما دالَ "ابنَ عبادَ" ملكُهُ — فذا ملكُهُ قدْ عاثرَ الحظَّ مطلبا
وما مالُ "قارونَ" الوفيرِ بدائمٍ — وفي لحظةٍ عنْ وجهِهِ قدْ تنصَّبا
حياةٌ هي الموتُ الزؤامُ لحيِّها — سواءٌ بها مرُّ المشيبِ معَ الصبا
تعنَّى لها قومٌ فطارتْ بلبِّهمْ — وكمْ دونها منْ عاقلٍ قدْ تلبَّبا
حياةٌ تساوي المرَّ بالشهدِ مذهبا — ولمْ تحوِ في طعمِ الملمَّاتِ مذهبا
وفيها تساوى البخلُ بالجودِ مثلما — تساوى بها من حاطَهُ العلمُ والغبا
تحارُ العقولُ الصيدُ فيها معانياً — كما احترتَ في جحرٍ به الضبُّ أسربا
يقولونَ فيها في الهجاءِ قوافياً — ويسرونَ فيها في دجى الوصف غيهبا
حياةٌ تعاطي العبدَ ألعابَ لاعبٍ — وأحري بها أنْ تجمعَ العبدَ ملعبا
وكمْ نادمَ الخلَّانُ فيها أحبةً — وثمَّ انتدوا قبراً عتيقاً مترَّبا
أيدري بنوها أننا اليومَ لمْ نزلْ — نؤاكلُ منها كلَّ جوعٍ ومسغبا
"سريعٌ" تقضِّيها، "طويلٌ" بلاؤُها — كمجزوءِ بحرٍ بالحروفِ تقضَّبا
تعلُّ وتخفي علةَ المرءِ إنَّها — لتشبهُ إعلالَ البحورِ تعصُّبا
إذا نادمَ المرءُ الحياةَ رأى بها — أعاجيبَ حتى قالَ: "عفتُ التعجبا"
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخبا: خبأ: خَبَأَ الشيءَ يَخْبَؤُه خَبْأً: سَتَرَه، وَمِنْهُ الخابِيةُ وَهِيَ الحُبُّ، أَصلها الْهَمْزَةُ، مِنْ خَبَأْتُ، إلَّا أَن الْعَرَبَ تَرَكَتْ هَمْزَةٌ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: تَرَكَتِ الْعَرَبُ الْهَمْزَ فِي أَخْبَيْتُ …
- النبا: نبأ: النَّبَأُ: الْخَبَرُ، وَالْجَمْعُ أَنْبَاءٌ، وإنَّ لِفُلَانٍ نَبَأً أَي خَبَرًا. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. قِيلَ عَنِ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ عَنِ البَعْث، وَقِيلَ عَنْ أَم …
- الهبوب: الهَبُوبُ : الريح التي تثير الغبار؛ تسبَّبت الهبوبُ في حادث مُريع.
- جانبي: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ.