رحلة إلى لؤلؤة اليقين

الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: الكامل

«رحلة إلى لؤلؤة اليقين» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 63 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

هلْ في وصولكَ للمحارِ بَيَانُ — يجلُو الشكوكَ فَتُؤْمِنُ الشُطْآنُ؟

يا سيِّدَ المتبتِّلينَ لِرحلةٍ — في العُمْقِ حيثُ الجوهرُ الفَتَّانُ

نُوتِيُّكَ القلبُ المُدَلَّهُ لم يَزَلْ — يهفو، وبُوصلةٌ لكَ الوجدانُ

أشجاكَ في بحرِ الخليقةِ موسمٌ — للغوصِ.. ليسَ لِقَعْرِهِ عنوانُ

تحدو المراكبَ في المَهَبِّ، فَمركبٌ — قَلِقُ الشراعِ ومركبٌ حيرانُ

وتغوصُ في ماءِ النبوءةِ باحثاً — عن دُرَّةٍ ظَمِئَتْ لها الأذهانُ

فَلَطَالَمَا غَمَزَتْ إليكَ محارةٌ — وَلَطَالَمَا هَمَسَتْ لكَ القيعانُ

وَلَطَالَمَا أوغلتَ داخلَ لُجَّةٍ — نحو القرارِ يَشُدُّكَ الإيمانُ

لم يُغْرِكَ الزَبَدُ المُضِلُّ فَمِلْؤُهُ — شَكٌّ، وملءُ كيانكَ اطْمِئْنَانُ

أَغْرَتْكَ لؤلؤةُ اليقينِ فلم تزلْ — تشتاقُ لو بِوِصالِها تزدانُ

ووصلتَ، وانكشفَ القرارُ.. فما ترى: — هل في المحارِ لآلئٌ وجُمانُ؟

أمْ في المحارِ خرافةٌ أزليَّةٌ — يشقى هُنا بِظِلالها الإنسانُ؟

هدهدْ سُؤالِيَ في سريرِ إجابةٍ — حتَّى ينامَ جحيميَ السهرانُ

مولايَ عُذرَكَ إنْ جرحتُ بريشتي — عطرَ الخلودِ فأجفَلَ الريحانُ

أنا كمْ تعاطيتُ العرافةَ عابثاً — لا (الرملُ) خدَّرَني ولا (الفنجانُ)

فأنا ابْنُ ريشِكَ: نورسٌ مُتَطَلِّعٌ — للكشفِ.. شَدَّ جناحيَ العرفانُ

والغيبُ أغرى بالخلودِ شَهيَّتي — ودِعَايتَاهُ: الحورُ والولدانُ

*** — طَفَحَتْ على سطحِ الكلامِ فقاعةٌ

جوفاءُ يزبدُ فوقَها الهذَيَانُ — ماذَا سيصنعُ بالفقاعةِ ظامئٌ

مثلي.. تجوسُ عروقَهُ النيرانُ؟! — فأنا الضحيّةُ ما تصارعَ داخلي

بعضي الملاكُ وبعضيَ الشيطانُ — أعلُو وأهبطُ في حرائقِ حيرتي

فالأرضُ نارٌ والسماءُ دخانُ — لو كانَ ينكشفُ الطريقُ عَبَرْتُهُ

للغيبِ.. لكنَّ الطريقَ جبانُ — والشكُّ يصرخُ في دمائيَ: لم يعُدْ

أحدٌ فتكشفُ سرَّها الأكفانُ — هاأنت عُدْتَ، وصرتَ قابَ قصيدةٍ

منِّي.. وفضَّ خيوطَهُ النسيانُ — أفصحْ.. فيومُ (الأربعينَ) قيامةٌ

روحيّةٌ، والذكرياتُ جِنانُ: — هل نحنُ في سجنِ الزمانِ رهائنٌ

أَبَديّةٌ، وسنينُنا القضبانُ؟؟ — هل موتُنا بابُ الحقيقةِ مغمضُ ال

عينينِ.. ما انفتحتْ لهُ أجفانُ؟ — أفصحْ.. فكمْ أفصحتَ ذاتَ قضيّةٍ

من حولها يتَكوَّرُ البهتانُ — هلْ ذاكرٌ عهدَ المحاكمِ حينمَا

كانَ الإلهُ على يَدَيْكَ يُصَانُ — ولاَّكَ سُدَّتَهُ القضاءُ، فما اشتكتْ

ميلاً، ولم يتوجَّعِ الميزانُ — وكساكَ (جبريلُ) الأمينُ بِحكمةٍ

من ريشِهِ، فإذَا القضاءُ أمانُ — وقضيتَ .. لا (عبسٌ) تَهَزُّكَ باسْمِها

في الحضرةِ العُلْيَا، ولا (ذبيانُ) — حتّى إذَا دخلتْ عليكَ ظُلامةٌ

من هولِها تَتَزَلْزَلُ الجدرانُ — بَصَمَتْ بكَ الأقدارُ خُطَّةَ حُكمِها

حتّى كأنَّكَ للغيوبِ بنانُ — هل ذاكرٌ كيفَ المظالِمُ أطبقتْ

فَمَها عليكَ ونابُها ظمآنُ — فَسَقَيْتَها دمَكَ النقيَّ وملؤُهُ

صوتُ العدالةِ هادرٌ رنَّانُ — ومضيتَ تكسرُ كلَّ بيضةِ فتنةٍ

رقطاءَ كان يقيئُوها ثعبانُ — قد كنتَ قربانَ الحقوقِ.. بِنارهِ

سَطَعَ الدليلُ وأشرقُ البرهانُ — هيهاتَ تصعدُ للكمالِ رسالةٌ

حتّى يكونَ بِحجمها القربانُ — ***

يا طاوياً بحرَ الحياةِ مُؤَبِّناً — للماءِ حينَ تسوسُهُ الحيتانُ

عبثاً سعيتَ لأنْ تُهدهدَ موجةً — في صدرِها تتَنَسَّكُ الأحزانُ

ماذا تهدهدُ.. والرياحُ تلاطمتْ — ملءَ الجهاتِ كأنَّها طوفانُ

لكنَّ من عشقَ السفينةَ إنْ يتُبْ — هُوَ.. لم يتُبْ في صدرِهِ الرُبَّانُ

خِلْتَ العمامةَ قد تخيطُ جراحةً — بالحقِّ حين يشُدُّها القرآنُ

وصَدَقتَ.. لو كانتْ هناكَ عمامةٌ — في عشقِها تَتَوحَّدُ الأديانُ

مولايَ.. ما كلُّ الأماكنِ (قبلةٌ) — تُؤتى، ولا كلُّ الصياحِ (أذانُ)

سَيَّجْتَ بستانَ الحقيقةِ بالتُقى — حتّى تَحَصَّنَ ذلكَ البستانُ

وسهرتَ كالناطورِ خلفَ سياجهِ — وعلى عصاكَ تَبَرْعَمَ الغفرانُ

حتّى إذا السهرُ استطالَ ولم يعُدْ — لليلِ في جفنِ المنامِ مكانُ

رقرقتَ ساقيةَ الكروم ِ قصائداً — فأفاقَ لحنٌ وانتشتْ ألحانُ

واهتزَّ ميعادُ النجومِ وشاعرٍ — هُوَ من شرايينِ الهوى شريانُ

تتكثَّفُ الغُرُباتُ ملءَ كؤوسِهِ — حتّى يفيضَ رحيقُها النشوانُ

يا شاعراً فرشَ القصيدةَ فاستوتْ — بَرّيّةً.. وحروفُهُ غزلانُ

في كلِّ جرحٍ من جراحكَ لوحةٌ َصَبيّةٌ عبَسَتْ بِها الألوانُ — أوضحتَ حيثُ ترى الوضوحَ شجاعةً

ورمزتَ حيثُ رموزُكَ اسْتِبْطَانُ — رُحماكَ.. لا تلُمِ الكرومَ إذا بَكَتْ

يوم استُبيحَ دلالُها السكرانُ — هذي الكرومُ على يديكَ تَدَلَّلتْ

في نغمةٍ كبُرَتْ بِها الأفنانُ — هيهاتَ تنسى الدالياتُ هزارَها

فاللحنُ عهدٌ، والزمانُ رهانُ — خرجتْ إليكَ من الحقولِ يهزُّها

في كلِّ عنقودٍ أسىً وحنانُ — وتضامَنَتْ كلُّ البلابلِ في الشَجى

فتناسَلَتْ من حولكَ الأشجانُ — واهتزَّ نعشُكَ في الأكفِّ روايةً

للعشقِ كانَ يديرُها الخِلاَّنُ — صفحاتُها تلكَ (الثمانونَ) التي

تبقى إلى أنْ تنطفي الأزمانُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الجوهر: الجَوْهَرُ :- الشيءِ: حقيقته وذاته؛ لا يغرنّك مظهر الإنسان فالمهمّ فيه جوهره. - من الأحجار: كلُّ ما يستخرج منه شيءُ ينتفع به. -: النفيس من الأحجار الذي تُتَّخذ منه الفصوصُ ونحوها؛ كانت تيجانُ الملوك ترصَّعُ بالجواهر، واح …
  • الشراع: الشِّرَاعُ : قِطعَةُ قُماشٍ واسعَةٌ تُرفَعُ فوقَ خشبة لِتَدخُلَ فيها الرّيحُ فتُجري السّفينةَ؛ طابت الرّيحُ فرفع الملاّحون الشّراعَ ج أَشْرِعَةٌ، وشُرُعٌ.
  • الشكوك: الشَّكُوكُ :- من الأمور: الّذي يُثير الشّكّ، والشّك هو التردد بين الإثبات والنّفي؛ موقفٌ شَكوكٌ.
  • العمق: عمق: العُمْق والعَمْق: الْبُعْدُ إِلى أَسفل، وَقِيلَ: هُوَ قَعْرُ الْبِئْرِ والفجِّ وَالْوَادِي، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ: وأَفْيح مِنْ رَوْضِ الرُّبابِ عَمِيق أَي بَعِيدٌ. وتَعْمِيقُ الْبِئْرِ وإ …
  • الفتان: الفَتَّانُ : الكثيرُ الفَتْنِ .- من الجَمال: البَاهـر السَّاحر؛ إِنها فتاةٌ ذات جمال فتَّانٍ.-: الشَّيطان لمحاولته فتْن النّاس أي صرفهم عن دينهم.-: اللِّصُّ الذي يعرض للرفقة في طريقهم.-: الصَّائِغُ/ الفَتَّانَانِ هما الد …
  • القرار: القَرَارُ : المكان المنخفض يجتمع فيه الماء وَآوينَاهُمَا إلى رَبْوَةٍ ذاتِ َقرَارٍ وَمَعِينٍ .-: أمر يصدر عن صاحب النفوذ؛ قرارٌ وزاريّ/ قرار الاتّهام من قاضي التحقيق.-: المكان تسْتقر فيه اللهُ الذي جَعَلَ لَكمُ الأرْضَ َ …

قصائد ذات صلة

  • أميل نحوك أغدو قاب أنفاس
  • في كل عضو منك روح تقى
  • الخلاص
  • رائق مثل أرجيلة في المساء
  • صيّاد صوفّة السرب
  • لجوء جمالي
  • حملت جنازة عقلي معي
  • المتنبي .. كون في ملامح كائن