الجهات الأربع : اليوم جنوب

الشاعر: أحمد مطر · البحر: الرمل

«الجهات الأربع : اليوم جنوب» من شعر أحمد مطر، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

كُلُّ وقتٍ — ما عدا لحظة ميلادكَ فينا

هو ظِلٌّ لنفاياتِ الزمانْ — كُلُّ أرضٍ

ما عدا الأرض التي تمشي عليها — هي سَقْطٌ مِن غُيارِ اللاّمكانْ

كُلُّ كون — قبل أن تلبسَهُ.. كان رمادا

كلُ لونٍ — قبل أن تلمسهُ.. كان سوادا

كلُ معنىً — قبل أن تنفُخَ في معناهُ نارَ العُنفوانْ

كان خيطاً من دُخانْ — لم يكن قبلكَ للعزَّةِ قلبٌ

لم يكن قبلكَ للسؤددِ وجهٌ — لم يكن قبلكَ للمجدَ لسانْ

كلُ شيءٍ حَسَنٍ ما كان شيئاً — يا جنوبيُّ

ولمّا كنتَ.. كانْ! — ****

كانتِ الساعة لا تدري كم السّاعةُ — إلاّ

بعدما لقَّـنَها قلبكَ درسَ الخَفقانْ! — كانت الأرضُ تخافُ المشيَ

حتى عَلمتْها دَفقاتُ الدَّمِ في قلبكَ — فنَّ الدّورانْ!

لن تتيه الشمسُ، بعدَ اليومِ، — في ليلِ ضُحاها

سترى في ضوءِ عينيكَ ضياها! — وستمشي بأمانٍ

وستمشي مُطمئـناً بين جنْـبَيها الأمانْ! — فعلى آثارِ خُطواتِك تمشي،

أينما يمَّمتَ.. أقدامُ الدُّروبْ! — وعلى جبهتكَ النورُ مقيمٌ

والجهاتُ الأربع اليوم: جنوبْ — يا جنوبيُّ..

فمِنْ أينَ سيأتيها الغروبْ؟! — صار حتى الليلُ يخشى السَّيرَ في الليلِ

فأَنّى راحَ.. لاح الكوكبانْ — مِلءَ عيْنيكَ،

وعيناكَ، إذا أغمضَ عيْنيهِ الكَرى، — لاتغمضانْ!

**** — يا جنوبيُّ..

ستأتيكَ لِجانُ الجانِ — تستغفِرُ دهرَ الصمتِ والكبْتِ

بصوتِ الصولجانْ — وستنهالُ التهاني

من شِفاهِ الإمتهانْ! — وستَغلي الطبلةُ الفصحى

لتُلقي بين أيديكَ — فقاعَ الهذيانْ

وستمتدُّ خطوطُ النارِ، — كُرمى لبطولاتكَ،

ما بين خطابٍ أو نشيدٍ أو بيانْ — وستجري تحتَ رِجليكَ

دِماءُ المهرجانْ — يا جنوبيُّ

فلا تُصغِ لهمْ — واكنُسْ بنعْليكَ هوى هذا الهوانْ

ليس فيهم أحدٌ يملكُ حقَّ الامتنانْ — كُلهم فوقَ ثناياهُ انبساطٌ

وبأعماقِ طواياهُ احتقانْ! — هم جميعاً في قطارِ الذلِّ ساروا

بعدما ألقوكَ فوق المزلَقانْ — وسقَوا غلاّية السائقِ بالزيتِ

وساقُوا لكَ كلَّ القَطِرانْ! — هُم جميعاً

أوثقوا بالغدرِ أيديكَ — وهم أحيوا أعاديكَ،

وقد عُدتَ مِنَ الحينِ — لِتُحيينا.. وتسقينا الحنانْ

كيف يَمْتـَنّونَ؟ — هل يَمتنُّ عُريانٌ لِمن عَراهُ؟

هل يزهو بنصرِ الحُرِّ — مهزومٌ جبانْ؟!

**** — يا جنوبيُّ..

ولن يُصدِقكَ الغَيْرةَ — إلاّ عاهِرٌ

ليس لهُ في حلباتِ العهْرِ ثانْ — بهلوانٌ

ثُعْلبانٌ — أُلعُبانْ

دَيْدَبانْ — مُعجِزٌ في قبحِهِ..

فاعجَبْ لِمنْ في جَنبهِ — كُلُّ القباحاتِ حِسانْ

كيف يبدو كلّ هذا القبْح — فيمَن قد بَراهُ الحَسَنانْ؟!

هوَ من إلْيَتِهِ السُّفلى — إلى إلْيَتِهِ العُليا

نفاياتُ إهاناتٍ.. عَليها شفتانْ! — وهوَ في دولتهِ

-مهما نَفخْناهُ وبالغنا بتوسيعِ المكانْ- — دودةٌ من مَرْطَبانْ!

سوف يُفتي: إنهُ ليس قَراركْ — وسَيُفتي: مجلسُ الأمنِ أجارَكْ

قلْ لهُ: في قبصةِ المجلس — آلاف القراراتِ التي تحفظُ داركْ

لِمَ لا يَمسَحُ عاركْ؟! — قُلْ لهُ: مِن مَجلسِ الأمنِ

طَلبْتَ الأمنَ قَبلي.. — فلماذا أنت لا تجلسُ مثلي بأمانْ؟

قُلْ لهُ: لا يَقتلُ الجرثومَ.. إلا الغليانْ — قُلْ لهُ: إن بذورَ النّصرِ

لا تَنبُتُ إلاّ.. في ميادينِ الطِّعانْ — قُلْ لهُ: أنتَ مُدانْ!

**** — يا جنوبيُّ

وَهَبْتَ الرِّيحَ باباً مُشرَعاً — من بَعدِما شرَّعتَ أسبابَ الهبوبْ

فَأصِخْ.. — ها هو ذا صوتُ صفيرِ الزَّهوِ يأتي

مِن ملايين الثُقوبْ! — لا تقُلْ إنكَ لا تعرِفُ عنها أيّ شيءٍ

إنها.. نحنُ الشعوبْ! — وقصارى ما يُرجّى مِن ثُقوبٍ

أنَّ في صَفْرَتَها.. أقصى الوثوبْ! — سوف تحتلُّكَ

تأييداً وتعضيداً وتمجيداً — ونَستعمرُ سَمعيكَ

بجيشِ الهيَجانْ — يا جنوبيُّ

فَسَرِّحْنا بإحسانٍ — وقُلْ: فات الأوانْ

أنتمُ، الآنَ، تَجرَّأتُم على الزَّحفِ — وإنّي، من زمانٍ،

قد تجاوزتُ حدودَ الطيرانْ! — وأنا استأصَلتُ مِنّي ورماً

ثم تعافيتُ — ومازلتُم تُقيمونَ جميعاً

في خلايا السَّرطانْ! — وأنا هدًّمتُ للشرِّ كياناً

ولهُ في أرضِكُمْ.. — مازالَ عِشرونَ كيانْ!

**** — يا ابنَ لُبنانَ

بمضمارِ العُلا — طالعْتَ طِرْسَ العِزِّ

واستوعبتَ دَرسَ العُنفوانْ — قُلتَ: ماذا يجلبُ النَّصرَ؟

فقالتْ نفسكَ الحُرةُ: — إيمانٌ

وصبرٌ — وزِناد

وبَنَانْ — فتهيَّأتَ، وراهنْتَ على أن تَبلُغَ النَّصرَ

.. وما خاب الرِّهانْ — ****

يا ابن لُبنانَ.. هَنيئاً — وحْدكَ النّاجحُ،

والعُرْبُ جميعاً.. — سقطوا في الامتحانْ!

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العنفوان: العُنْفوَان :- الشيء: أوله؛ عُنْفُوان الشباب.- الخمر: حدَّتُها.
  • اللامكان: الإمْكانُ : مصـ.-: الدخول في حيّز الاستطاعة؛ صار في إمكان الشركة الشروع باستخراج النفط عند الإمكان/ بقدْر الإمكان/ ليس في الإمكان أحسنُ مما كان.-: قي الفلسفة، طبيعة الممكن الوجود أو ما هو موجودُ بالقوّة.
  • تلبسه: تَلَبَّسَ يَتَلَبَّسُ تَلَبُّسـاَ :- بـالثــوب: ارتــداه.- به الأمــرُ: تعلَّق به واختلط؛ تلبّس حُبُّها بدمه/ ذهب من الدُّنيــا ولم يتلبّس منهــا بشيء، أي لم يتعلّق به شيءُ منها / التَّلَبُّسُ بالجرمٍ يعني الأخذ بالجرم ا …
  • تلمسه: تَلَمَّسَ يَتَلَمَّسُ تَلَمُّساً .- الشيءَ: تطلّبه مرّة بعد أخرى أو تحسَّسَه؛ تَلَمَّسَ طريقه في الظلام/ تَلَمَّس فيه خيراً/ تلمّس مختلف الاحتمالات لحلِّ المسألة.
  • تنفخ: تَنَفَّخَ يَتنَفَّخُ تَنفُّخًا - الشخصُ: تعظَّم وتكبَّر، ما كاد يتسلَّم المنصب الرفيع حتى تنفَّخ.-: تورَّم؛ تنفَّخت يده من أثر الجرح.
  • خيطا: الخَيْطَاءُ : مذ الأخْيَطُ. -: الطويلة العنق / نَعامة خَيْطاءُ. -: ما اختلط فيها السّواد مع البياض ج خِيطٌ.

قصائد ذات صلة

  • أحاديث الأبواب
  • شعر الرقباء
  • ولاة الأرض
  • يوقد غيري شمعة
  • أمثولة الكائنات
  • عزف على القانون
  • ويرسل الصواعق
  • المستقبل