سيرةٌ إنسانيَّةٌ للرِّمال

الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: الرمل

«سيرةٌ إنسانيَّةٌ للرِّمال» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 66 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

النهاراتُ خيولٌ مُسْتَثارَةْ — والليالي غارةٌ تتبعُ غارَةْ

والبراري دفترٌ من وَهَجٍ — في ثناياهُ الغَضَى يكتبُ نارَهْ

والرمالُ ابْتَدَأَتْ عَرَّافَةً — تقرأُ الوقتَ وتستجلي مَدارَهْ

فتَجَلَّى في مداها وَطَنٌ — يُلْهِمُ الحاضِرَ أنْ يغدو حضارَةْ

وَطَنٌ كالبحرِ في سِيرتِهِ.. — كثرةُ الحيتانِ لم تُفسِدْ مَحَارَهْ!

وَطَنٌ كالشِّعرِ إلَّا أَنَّهُ — لم يَجِئْ من كُوَّةِ الغيبِ (استعارَةْ)

وَطَنٌ سَهَّدَهُ الخوفُ، وما — نامَ حتَّى سَكَنَ اللهُ جوارَهْ

في ثراهُ انْصَهَرَتْ أزمنةٌ — مِنْ رجالٍ رَوَّضُوا قلبَ الحجارَةْ

مِنْ رجالٍ كأَبي في أرضِهِ — أَنْضَجَتْهُ الشمسُ، شَفَّتْهُ الحرارَةْ

وقَضَى، لم يَنْتَظِرْني دمعةً — حَاوَلَتْ تُكْمِلُ شكلَ الاستدارَةْ

مَنْ أَحَبَّ الأرضَ حُبًّا صادقًا — كأَبي، لم يُطِلِ اللهُ احْتِضَارَهْ!

*** — الرمالُ احْتَرَقَتْ فائْتَلَقَتْ

فإذا الصحراءُ تزدادُ نَضَارَةْ — ومِنَ القَفْرِ إلى القَفْرِ مَدًى

شَرِبَتْهُ الشمسُ وامْتَصَّتْ قِفارَهْ — منذُ (خَضَّرْنَاهُ) في كُرَّاسَةٍ

مِنْ هوانا، لم نزلْ نحمي خَضَارَهْ — كلَّما اصْفَرَّ المدى لاذَ بنا

فـهَزَزْنَاهُ وأَسْقَطْنَا اصفرارَهْ — كَمْ كَبِرْنَا وكَبِرْنَا حِقَبًا

في روابيهِ، وما زِلنَا صِغارَهْ — كاختيارِ الأنبياءِ اخْتَارَنا

فـقَبِلْنَاهُ وقَبَّلْنَا اختيارَهْ — نحنُ لم نرفعْ شِعارًا، إنَّما

رَفَعَ اللهُ بأيدينا شِعارَهْ — في مَرِيءِ الوقتِ سَافَرْنَا بهِ

خاطـفًا كالصقرِ صُلْبًا كالجَسارَةْ — لم يَجِدْ (يعقوبُ) معنًى للهوى

بعدما فَارَقَهُ إلَّا انْتِظَارَهْ — غيرَ أَنَّا (إِخوَةٌ) ما لعبوا

لعبةَ (الجُبِّ) ولا خاضوا غِمارَهْ — لا (قميصًا) قُدَّ من أدبارِنا!

لا (زُليخا) لَوَّثَتْ قصرَ (الإمارَةْ)! — لم نَخُنْ (يوسفَ) في رحلتِهِ..

لم نساومْ فيهِ ربحًا أوْ خسارَةْ! — نحنُ طَوَّفْنَا على الدنيا بهِ

لم نَخَفْ يأكلُهُ (ذئبُ) الحضارَةْ — ثُمَّ عُدْنَا لأَبِينَا مثلما

عادتِ (العِيرُ) قميصًا وبشارَةْ — ***

الرمالُ انْتَفَضَتْ عن شاعرٍ — ضاربٍ في مائِهِ حَدَّ الغزارَةْ

لم يزلْ يحتضنُ المعنى بـها — مثلما يحتضنُ النَّهْرُ انْـهِمَارَهْ

ترقصُ الأشعارُ في حضرتِهِ — وتُرينا أنَّ للرقصِ وَقَارَهْ

نحنُ محكومونَ بالشِّعرِ، وما — يقتضيهِ الشِّعرُ من صمتِ العبارَةْ

رَغْمَ آلافِ (رواياتِ) الهدى — ما عَرَفْنَا اللهَ إلَّا بالإشارَةْ

فإذا ما هَزَّ (جبريلُ) هُنا — ريشَهُ، وَانْتَثَرَتْ منهُ نُثارَةْ

عَرَّشَ السندسُ في صحرائِنا — وجَلا عن أَزَلِ الدهرِ غُبَارَهْ

وسَرَى الأجدادُ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ — من لياليهِمْ على خيلِ الجَدارَةْ

طبخوا التاريخَ حتَّى نُضْجِهِ — وَسْطَ تَنُّورِ التَّحَدِّي والإثارَةْ

وإذا ما اعْتَصَروا أعمارَهُمْ — في الحكاياتِ، وأَهدَونا العُصارَةْ

كَشَفُوا عُذريَّةَ الأرضِ لنا — واكْتَشَفْنَا نحنُ أسرارَ البكارَةْ

هكذا النيرانُ يعلو قَدْرُها — في الَّلظى، إنْ صَدَقَتْ روحُ الشَّرارَةْ

*** — الرِّمالُ الآنَ شَعْبٌ، عَدُّهُ

عَدُّ ما صَافَحَتِ الأُفْقَ منارَةْ — كُلَّمَا (أَذَّنَ) داعٍ للهُدَى

وُلِدَ الإنسانُ من صوتِ الطهارَةْ — الرِّمالُ الآنَ شَعْبٌ، لم يَزَلْ

يدرسُ الآتـي ويجتازُ اختبارَهْ — سُورَةُ (الأجداثِ) لا يقرؤُها

إنَّما يقرأُ (آياتِ) العِمارَةْ — ما كَبَا حيثُ كَبَا لكنَّما

قُوَّةُ الشَّلَّالِ تحتاجُ انـْحِدَارَهْ — أَبْصَرَ الحُلْمَ ضبابًا، وإذا

ما مضى يُبْدِعُ للحُلْمِ نـهارَهْ — شَفَّتِ العتمةُ عن ألواحِها

وأَطَلَّ الضوءُ يفتضُّ جِرارَهْ — وكذاكَ الأنبياءُ انْبَثَقُوا

بعدما شَقُّوا عن الليلِ سِتارَهْ — مِنْ ظلامِ (الغارِ) وافـَى (أحمدٌ)

و(يسوعٌ) شعَّ مِنْ جوفِ (المغارَةْ) — ***

وطني.. إنَّ رصيدًا من هَوًى — عاشَهُ الأجدادُ، ضَاعَفْنَا ادِّخارَهْ

منذُ أَسْنَدْنَاهُ كالطودِ على — أَلَقِ الأرواحِ لم نَـخْشَ انـهيارَهْ

قبل أنْ نبدعَ قوسًا شامخًا — لانتصارِ الحُبِّ، أَبْدَعْنَا انتصارَهْ

بيننا يسعَى غرامٌ زاجلٌ — في سقوفِ النخلِ رَبَّينَا هَزارَهْ

مِنْ (صَفا) الحبِّ إلى (مروتِـ)ـهِ — لم يُبَدِّلْ ذلك (المسعَى) مَزارَهْ!

الهوى أَزْمَنَنَا منذُ الهوى — مثلما أَزْمَنَ بَـحَّارٌ دُوَارَهْ

نحنُ أَسَّسْنَا لهُ إيقاعَهُ — ورَسَمْنَا في المواويلِ مسارَهْ

كلَّما خانَتْ بهِ خارطةٌ — تقرضُ الأوطانَ، عاوَدْنَا ابتكارَهْ

كَمْ حَمَلْنَا حِصَّةً من أَمَلٍ — وتَحَمَّلْنَا نصيبًا من مَرارَةْ

وَافْتَرَقْنَا جدولًا عن جدولٍ — وتلاقينا ربيعًا وثمارَهْ

ما لوَى أَذْرُعَنا إلَّا الهوى — في عناقٍ.. نحنُ أَحْبَبْنَا أَسَارَهْ

كوكبٌ من لهفةٍ وَحَّدَنَا.. — كوكبٌ.. لا كَتَبَ اللهُ انشطارَهْ!

أيُّها الأجدادُ.. طيبوا خاطرًا.. — ذلك السندسُ ما خانَ اخضرارَهْ!

والأغاني والمُغَنِّي وِحْدَةٌ — إنْ تَكَسَّرنَ رأى الناسُ انكسارَهْ

نحنُ والنخلُ كيانٌ خالدٌ — منذُ عَمَّرْنَا على الأرضِ ديارَهْ

مَنْ يَذُقْ عبر الأقاصي تَمرَنا — يَلْقَ في أعصابِهِ خَتْمَ زيارَةْ

إِنَّما الـتَّمرُ لنا (تأشيرةٌ) — ولنا النخلةُ في الدنيا (سفارَةْ)

***

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الحاضر: الحَاضِرُ : فا. -: الجماعة النّازلة على ماء لا يَبْرحُونه. -: الحيُّ إذا حضروا الدَّار التي بها مجتمعهم. -: المقيم في الحضر؛ لا فَرقَ بين حاضِركم وبَادِيكم. -: المَاثِل أمام الأعْيُن؛ يقول حاضِرُكم لغائبِكم. -: ما هو حال …
  • تتبع: تَتَبَّعَ يَتَتَبَّعُ تَتَبُّعاً :- الأمرَ: طلبه ولاحقه؛ إنه يتتبع نتائج تجاربه العلمية على الفئران.
  • ثراه: ثرا: الثَّرْوَة: كَثْرَةُ العَدَد مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ. يُقَالُ: ثَرْوَة رجالٍ وثَرْوَة مالٍ، والفَرْوة كالثَّرْوة فَاؤُهُ بَدَلٌ مِنَ الثَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ إِلا فِي ثَر …
  • ثناياه: [ث ن ي]. ن. ثَنِيَّةٌ.

قصائد ذات صلة

  • أميل نحوك أغدو قاب أنفاس
  • في كل عضو منك روح تقى
  • الخلاص
  • رائق مثل أرجيلة في المساء
  • صيّاد صوفّة السرب
  • لجوء جمالي
  • حملت جنازة عقلي معي
  • المتنبي .. كون في ملامح كائن