حديقةٌ بلا غِناء

الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: البسيط

«حديقةٌ بلا غِناء» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لا يَأْنَسُ الطينُ حتَّى يحضنَ الطينا — فلا أريدُكِ ريحانًا ونسرينا

لم ننعقدْ في الهوى نبضًا وعاطفةً — حتَّى انعقدنا بهِ خَلْقًا وتكوينا

مشيئةٌ في ضميرِ الغيبِ واحدةٌ — أَوْحَتْ إلينا مَعًا: يا أنتُما كُونا!

فإنْ تكوني صلاةً كنتُ (فاتحةً) — وإنْ تكوني دعاءً كنتُ (آمينا)

وإنْ أَكُنْ (يُونُسًا) في (حوتِ) وحشتِهِ — أَجِدْكِ (شَطًّا) من البُشرَى، و(يقطينا)

ننحلُّ في الشوقِ أعمارًا سواسيةً: — نبضُ (الثلاثينَ) في أحشاءِ (خمسينا)!

سِيَّانِ –والحُبُّ لم يبرحْ يُطَيِّرُنا- — طِرنَا عصافيرَ أو طِرنَا بَوَالِينا!

*** — قُومي، نُمَشِّطُ إحساسَ الرصيفِ بـنا

إذا عبرناهُ ثُوَّارًا مجانينا — نحيا فُروسِيَّةَ العُشَّاقِ إنْ حَمِيَتْ

أشواقُنا.. إنَّ للأشواقِ (حِطِّينَا)! — حَسْبُ الشوارعِ أن ْنكسو ملامحَها

ملامحَ الحبِّ كي تغدو بساتينا — لنا من الريحِ مجراها وجرأتُـها

إذا تُشَاغِبُ بالعصفِ الفساتينا — مغامرونَ إلى أقصَى خرائطِنا

أَنَّى تُخَاتِلُنَا فيها شواطينا — إنْ كان لا بُدَّ من مرسى نُريحُ بهِ

فُلْكَ الهوى، فحنايانا مراسينا — ***

زنزانةُ العُمرِ ضاقتْ دونَ أُغنيةٍ.. — إنَّ الأغاني يُوَسِّعْنَ الزَّنازينا!

يسمو بنا الذوقُ حيثُ الذوقُ سَلْطَنَةٌ — تُحِيلُنَا بينَ كَفَّيْهَا سلاطينا

لا شيءَ من كَذِبِ الأيامِ يملؤُنا — بالصِّدقِ مِثلُ أكاذيبِ الـمُغَنِّينا

(داودُ) أحلامِنا ما طَوَّعَتْ يدُهُ — (حديدةَ) الوقتِ لا عطفًا ولا لِينا

والأرضُ رانَ عليها رُعبُ معدنِـها — فراحَ يُثخِنُ في الأُفْقِ الحساسينا

حديقةُ الله لكنْ لا غناءَ بـها — قُومي، نغنِّي ونحيا في أغانينا

ما ضَرَّنا لو صَقَلْنَا بعضَنا شَغَفًا؟! — فلم تزلْ تصقلُ السِّكِّينُ سِكِّينا!

*** — جئنا من الشوكِ.. من ميراثِ قسوتِهِ..

مُضَمَّدِينَ بأوهامٍ تُدَاوِينا — آلامُنا تتربَّى في حناجرِنا

-بين المواويلِ- أطفالًا وسيمينا — نحنُ البريدُ الذي أقدامُهُ نَفِدَتْ

من الوقودِ ولم يَلْقَ العناوينا — نمشي بأطولِ ما في الأرضِ من طُرُقٍ

ذاك الطريقُ إلى نسيانِ ماضينا — ما ثَمَّ خوفٌ دَخَلْنَا في غَيَابَتِهِ

إلا حَسِبْنَاهُ منفًى من منافينا — و(الخُلْدُ)؛ ما سَرَقَتْ (أفعاهُ) من فَرَحٍ

معشارَ ما سَرَقَتْ مِنَّا أفاعينا! — قُولي لـمَنْ (أَوقَفُوا) ربَّ السماءِ لَهُمْ:

الربُّ أوسعُ من (أوقافِكُمْ) دِينا! — تَبَّتْ يدُ الخوفِ! بِتنَا في مدائنِهِ

نكادُ نَهْرُبُ حتَّى من أسامينا — نكادُ نغدرُ بالمعنى فما بَرِحَتْ

شفاهُنا تتلوَّى عن معانينا — نكادُ –والنَّظَرَاتُ/الشَّكُّ تلدغُنا-

نرى العيونَ يُرَبِّينَ الثعابينا — هذي المدائنُ من فَرطِ الوداعِ بـها

جَفَّتْ، وجَفَّتْ من التلويحِ أيدينا — مُرِّي على الشَّجَرِ العاري لـنَمْنَحَهُ

من الـمُنَى ما يُطَرِّزْنَ الأفانينا — هذي المدائنُ لن تغدو مُبَارَكَةً

مالم يَطُفْهَا ملاكٌ من أمانينا — ونحنُ إنْ لم نُصَلِّ الحُبَّ في حَرَمٍ

من الخَلاصِ، فلا كُنَّا مُصَلِّينا! — هيهاتَ نحفلُ بالجَنَّاتِ خارجَنا

ما لم نكنْ قد زَرَعْنَا جَنَّةً فينا! — ***

فأَنْعِشِي روحيَ الجدبَى بـزغردةٍ — تُغري البنفسجَ يحتلُّ الشرايينا

وعانقيني فإنْ ضَلَّتْ سواعدُنا — لُمِّي الجدائلَ كي تَـهدِي الـمُضِلِّينا!

هَبَّتْ عواصفُنا الولهى وليسَ لنا — من حيلةٍ غيرَ أنْ نغدو طواحينا

لا دورَ في الحبِّ يُهدِينَا بطولتَهُ — مالم نُجَسِّدْهُ أبطالًا قرابينا!

الحبُّ شَدَّ بأيدينا بيارقَهُ — فـرافقيني لـنجتاحَ الميادينا

نسيرُ في أَوَّلِ الأحلامِ.. لا شَبَهٌ — لنا هناكَ سوى حُلْمِ النَّبِيِّينا

شَوقًا إلى ثورةٍ خضراءَ تَصْلُبُني — عليكِ، كي نُنبِتَ الزيتونَ والتِّينا!

لعلَّ أيَّامَنا تمتدُّ في غَدِها — حدائقاً مُشْرَعَاتٍ للمُحِبِّينا

*** — لنا من الحُبِّ أحلامٌ/ملائكةٌ

باتتْ تكابدُ أوهامًا/شياطينا! — لا أَنْصَفَتْنَا المقاهي في صداقتِها

بالعاشقينَ، ولا وَفَّتْ (حَوَارِيـ)ـنا — في البُعدِ نقدحُ نجوانا كما انْقَدَحَتْ

من شعلةِ الغيبِ أحلامُ المـُرِيدِينا — مصيرُنا حيث يَمَّمْنَا لـموعدِنا:

نعودُ لم تكتحلْ مِنَّا مآقينا! — نعودُ كالفتيةِ اللَّاهِينَ ما برحوا

حولَ الغوايةِ طَوَّافِينَ سَاعِينا — نحنُ الذينَ سَفَحْنَا روحَ قهوتِنا

في الانتظارِ، وعَذَّبْنَا الفناجينا — بئسَ المواعيدُ رَتَّبْنَا الهواءَ لها

ثُمَّ التقينا مجازًا في قوافينا — نشكو الأسَى فـتُعَزِّينَا قصائدُنا

حيثُ القصائدُ مِنْ أشجَى الـمُعَزِّينا — كيفَ الوصولُ؟! ولا ميناءَ في غَدِنَا..

يا لهفةَ الزورقِ المكدودِ للمِينَا! — ***

جمادى الآخرة 1437هـــ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الطينا: ألَطِّ يُلِطُّ إلْطـاطاً :- الرجلُ: اشتدَّ في الأمْرِ أو الخصومة.- الأمْرَ: ستره.- حقَّه: جحده؛ طالبه بأجوره فألطَّهـا.- فلا ناً: أعانه.- الحجابَ: أرخاه؛ أَلَطَّ ستائر النوافذ.
  • انعقدنا: انْعَقَدَ يَنْعَقِدُ انْعِقَاداً : مطاوع عقد.-: التفَّ بعضه على بعضٍ ورُبِط فصار عُقْدَةً؛ انعقد الحبلُ/ انعقد لسانه، أي تعثر في الكلام وكأن لسانه معقودٌ. ــ الزَّهرُ: تضامَّتْ أجزاؤه فصارَ ثمراً. ــ المجلسُ: الْتأم واجت …
  • بوالينا: البُوالُ : داء يكثر منه البول.
  • خمسينا: خمس: الخمسةُ: مِنْ عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، والخَمْسُ: مِنْ عَدَدِ المؤَنث مَعْرُوفَانِ؛ يُقَالُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ، التَّذْكِيرُ بِالْهَاءِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ صُمْنا خَمْساً مِنَ الشَّهْرِ فَيُغَلّ …
  • شطا: شطأ: الشَّطْءُ: فَرْخُ الزَّرْع وَالنَّخْلِ. وَقِيلَ: هُوَ وَرَقُ الزَّرْع. وَفِي التَّنْزِيلِ: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ؛ أَي طَرَفَه وَجَمْعُهُ شُطُوءٌ. وَقَالَ الفرّاءُ: شَطْؤُه السُّنْبُل تُنْبِت الحَبَّةُ عَشْراً و …

قصائد ذات صلة

  • أميل نحوك أغدو قاب أنفاس
  • في كل عضو منك روح تقى
  • الخلاص
  • رائق مثل أرجيلة في المساء
  • صيّاد صوفّة السرب
  • لجوء جمالي
  • حملت جنازة عقلي معي
  • المتنبي .. كون في ملامح كائن