نبالٌ مشروخةٌ من كنانةِ (الملك الضِّلِّيل)
الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: الوافر
«نبالٌ مشروخةٌ من كنانةِ (الملك الضِّلِّيل)» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 113 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حواريَّةٌ مع (امرئِ القيس) — عَرَفْتُكَ من صهيلِكَ في خيالي
فـقِفْ لـنُضِيءَ مصباحَ الجدالِ — أَنِخْ كلَّ القصائدِ؛ ثُمَّ هَيِّئْ
لنا يا (صاحِ) مائدةَ السِّجالِ — هناكَ سـنستريحُ على (عسيبٍ)
من الرُّؤيا، ونسرحُ في الأعالي — ونمزجُ من خواطرِنا حكايا
بـنكهةِ قهوةٍ ومزاجِ هالِ — وما بيني وبينكَ ألفُ ظِلٍّ
فـرَافِقْني بمملكةِ الظِّلالِ — نُطَيِّرُ هُدهُدًا في كلِّ عَصرٍ
ليَأْتِيَنا بأنباءِ الجَمالِ — لنا (ضادٌ) نُطَبِّبُها ونحنو
عليها في خريفِ الاكتهالِ — سينقرضُ (الهُنُودُ السُّمْرُ) ما لمْ-
تَعُدْ لجلالِها لغةُ الجلالِ! — ***
غريبانِ الْتَبَسْنَا في المرايا — إلى حَدِّ انبعاثِكَ من خِلالي
خُطايَ صدَى خُطاكَ وإنْ تناءى الــ — ــمَدَى بين ارتحالِكَ وارتحالي
جناسٌ ناقصُ الأركانِ بيني — وبينكَ، حالمٌ بالاكتمالِ
نهاجرُ والدَّمُ البدويُّ يغلي — بِـنا، وكأنَّهُ شِعرُ ارتجالِ!
وتنبو حِيلَةُ العَرَّافِ عَنَّا — فيُخطِئُ في التَّنَبُّؤِ بالمـَآلِ
أعارتنا الغضَى هضباتُ (نجدٍ) — مواقدَ للعَشِيَّاتِ الطِّوالِ
ومِنْ (رَيَّا القَرَنْفُلِ) ضَمَّخَتْنَا — نُسَيماتُ (الصَّبا) ذاتَ انثيالِ
نُضِيءُ فتَستَضِيءُ بنا (الثُّرَيَّا) — ويستهدي بنا (نجمُ الشمالِ)
ونصطادُ الرؤوسَ بكلِّ سهمٍ — رَمَاهُ (البُنُّ) من قوسِ (الدِّلالِ)
قصائدُنا السِّلالُ وما حَمَلْنَا — سوى الأوطانِ في تلك السِّلالِ
على أرضِ (الحجازِ) لنا مجازٌ — كَشَفْنَا فيهِ أسرارَ الأعالي
وفي أرضِ (اليمامةِ) نَمَّ عَنَّا — يمامُ (الوَشْمِ) بالنَّغَمِ الزُّلالِ
إذا أَمْلَتْ علينا الرِّيحُ عِطرًا — قَـرَأْنَا (الشِّيحَ) في تلك الأَمالي
نَبَتْنَا في برارينا (أَرَاكًا) — تلوحُ عليهِ سيماءُ الرجالِ
فلا طابتْ مساوكُنا إذا لمْ- — يُطَيِّبْ عُودَها طيبُ الخِصالِ!
نُحِبُّ؟! بلى نُحِبُّ؛ وكَمْ جُرِحْنَا — بـهَمسِ (عباءةٍ) ورفيفِ (شالِ)!
وأطولُ ما يَظَلُّ الحُبُّ حَيًّا — إذا ما جاءَ في شَكْلِ اغْتِيَالِ!
*** — غريبانِ الْتَبَسْنَا في لقاءٍ
أثيريٍّ، بـ(ـمُنعَرَجِ) الخَيالِ — كِلانا في سوادِ الوقتِ أَلفَى
مَجَرَّةَ عُمْرِهِ ذاتَ اخْتِلالِ — كنانتُكَ القديمةُ أَورَثَتْنِي
من الأحلامِ مشروخَ النِّبالِ — ولم تصنعْ بنا الرَّغباتُ إلَّا
كواكبَ آيِلَاتٍ للزَّوالِ — فإنْ تَكُ للهوى جُرحًا فإنِّي
أُصالي من نُدُوبِكَ ما أُصالي — أراوغُ صحوةَ الكهنوتِ حولي
وما حَشَدَ الزمانُ من السَّعالي — وما بين (الدَّخولِ) وبين قلبي
بكى كلُّ المـُحِبِّينَ الأوالي — أنا (تغريبةٌ) في كلِّ حُزنٍ
يُراوِدُني بصومعةِ اعتزالي — فما بعد (الجزيرةِ) من مكانٍ
يطيبُ هواؤُهُ لـ(ـبني هلالِ)! — تشابهتِ القوافلُ والقوافي
فما جُمَلِي بها إلا جِمالي — وما (الأَلِفُ) الذي يمتدُّ زَهوًا
سوى ثوبي، و(هَمْزَتُهُ) (عِقالـ)ـي — فخُذْنِي يا سنامَ الشِّعرِ..خُذْنِي
(مُعَلَّقَةً) من الشَّجَنِ المـُغالي — كِلَانَا مَحْضُ كبريتٍ وزَيتٍ
فعَانِقْني اشتعالاً باشتعالِ — أُعِيذُكَ من عناقٍ في مداهُ
تميلُ على حبيبٍ عنكَ سالِ! — لنا النَّزَوَاتُ خضراء التَّمَنِّي
لنا الخَلَوَاتُ حمراء الفِعَالِ — مَثُلْنَا في الزمانِ وما امْتَثَلْنَا..
وما أشقَى المـُثُولَ بلا امتثالِ! — تُفَرِّقُنَا السنابلُ في الليالي
وتجمعُنا المناجلُ في الغِلالِ — وتستبقُ العصورُ لنا إذا ما
أَشَرْنَا يا قصائدَنا: (تَعَالِي) — ***
تَلَفَّتْ يا غريبُ إلى غريبٍ — رهينِ الاستعارةِ والمِثَالِ
وحَدِّثْني عن (الضِّلِّيلِ): ماذا — أصابَ من الضَّلالاتِ الغوَالي؟!
وماذا غيرَ أسرارِ القوافي — تُخَبِّئُ من كنوزِكَ في الرِّحالِ؟!
وكيفَ مشيئةُ الشُّعراءِ تكبو — وتعلقُ بين أشراكِ المـُحالِ؟!..
دنا منِّي، وشَمَّرَ عن كلامٍ — تَبَعْثَرَ بين نَوْبَاتِ السُّعالِ
وشَفَّ عن الحقيقةِ عبرَ وجهٍ — هزيلٍ مثل وجهِ الاحتمالِ...
دنا منِّي وحين اسْتَدْرَجَتْنَا — مشاعرُنا إلى النجوى.. دنا لي!
وأَجْهَشَ خلفَ (جُبَّتِـ)ـهِ فـفَاضَتْ — بِـ(ـسُمِّ) الغَدْرِ، وانْكَشَفَتْ حِيالي!
فـقُلْتُ لهُ: اتَّئِدْ.. ما ثَمَّ عصرٌ — نجا من داءِ (قيصرِهِ) العُضالِ
ومُدَّ إليَّ سَمْعَكَ مثلَ كأسٍ — لِيَسْكُبَ ماءَ جَرَّتِهِ سُؤَالي:
لماذا بعدَ تَرْشَافِ العَذَارَى — تَرَشَّفْتَ الدماءَ ولم تُبَالِ؟!
ويا قمرَ العروبةِ كيف أَلْقَتْ — بِـكَ الأيَّامُ من أَلَقِ التَّعالي؟!
وكيفَ ضَلَلْتَ نحو (الرُّومِ) دربًا — وأرشدتَ الملوكَ إلى الضَّلالِ؟!
لُعِنْتَ! أتَبتغي في الأرضِ مُلْكًا؟ — وبين يديكَ مملكةُ الجَمالِ!
*** — أخا العَرَبِ الخوالي.. عِمْ بكاءً
وتَعْزِيَةً على العَرَبِ التَّوالي — فمنذُ (قِفا...) وما زلنا وقوفًا
على قَدَمَيْ بكاءٍ وابتهالِ — لنا في كلِّ قافيةٍ (حصانٌ)
يُدَرِّبُ (أَيطَلَيهِ) على الهُزالِ — (حصانٌ) ما تَبَقَّى منهُ إلَّا
(مِفَرٌّ.. مُدبِرٌ) يوم النزالِ — وما في الوقتِ (أَمْرٌ) بعد (خمرٍ)..
لقد تَعِبَ النضالُ من النضالِ! — قطيعُ همومِنا ما زالَ يجتـرُّ-
ذاتَ الإِثْلِ في المرعَى الوَبالِ — ولَيْلُكَ ليلُنا الأبديُّ أَلقَى
هواجسَهُ على كلِّ الليالي — وتلكَ (الجُبَّةُ) الأُولى دليلٌ
على غَدْرِ الأواخرِ والأَوَالي — ***
تعالَ معي إلى غَزَلٍ شجيٍّ — يُخَفِّفُ وطأةَ الحِقَبِ الثِّقالِ
نخطُّ إلى كمالِ الأُنسِ دربًا — يسيرُ بنا إلى أُنسِ الكمالِ
سـتخبو (النارُ) ثانيةً وينجو — (خليلُ) الحُبِّ من حقدِ (السَّحالي)
وتنقدحُ البروقُ لنا، ويهمي — علينا سلسبيلُ البرتقالِ
تعالَ.. نُهدهد القَلَقَ المـُكَنَّى — ونَرفَعُهُ خفيفَ البالِ عالي
تعالَ.. نعيدُ رسمَ الليلِ (بحرًا) — ونصنعُ من هواجسِنا لَآلي
وضَعْ ما في يمينِكَ من حنانٍ — على النبضِ المـُرَابِطِ في شمالي
كِلانا العاشقُ الضِّلِّيلُ لكنْ — لَكَ القمرُ المنيرُ ولي هلالي
*** — خَبَالًا يا (امْرَأَ القيسِ) انْعَطِفْ بي
لِـ(ـدارةِ جُلجُلٍ) أحيا خَبَالي — وشَاطِرْنِي هنالكَ ما تَبَقَّى
بإبريقِ المـَسَـرَّةِ من ثُمَالِ — وعَبِّئْ كأسَ فَألِكَ؛ ثُمَّ دَعْنِي
على عَجَلٍ أُعَبِّئُ كأسَ فالي — سـريعًا هذهِ الأعمارُ تذوي..
سـريعًا مِثلَ وَردِ الاحتفالِ! — لنا عَبَثٌ مع الدُّنيا، فـلَسْنَا
بـمُنتَجَعِ الحياةِ سوى (عِيالِ) — حلفتُ بـ(ـنُونِ نِسوَتِكَ) اللواتي
قضمنَ حقولَ قلبِكَ بالمِطالِ — وداليةٍ سكرتَ بها، ولَمَّا
أفقتَ أدرتَ ظَهْرَكَ للدَّوالي — وما لكَ في الهوى من عنفوانٍ
وما للعنفوانِ من الجلالِ... — حلفتُ بأنَّ جَمْرَكَ لم يُبَارِحْ
مواقدَهُ بـأَضْلُعِيَ الصِّقالِ — فعُدْ؛ نحتلّ أحلامَ الصبايا
ونُلْقِيهِنَّ في أشهىَ احتلالِ — لنا في العشقِ أسلحةٌ كثارٌ
وأجملُها سلاحُ الاحتيالِ — أُحِسُّ (غديرَكَ) النشوانَ يجري
بأعماقي أَشَفَّ من الزُّلالِ — وثَمَّةَ من صبايا الماءِ سِربٌ
يَحُوطُكَ في مباهجِ كرنفالِ — غَسَلْتَ على (الغديرِ) قميصَ حُبٍّ
فعَلَّقْتَ النساءَ على الحِبالِ — تهبُّ عليكَ عاصفةُ الأماني
وقلبُكَ في الفلا قلبُ الغزالِ — وأنتَ غوايةٌ فُصحى أذابتْ
من الصحراءِ أحشاءَ التِّلالِ — وأَوَّلُ مَنْ أعارَ (الضَّادَ) كُحْلًا
وأَلْهَمَهَا طقوسَ الاكتحالِ — تُسَخِّنُ بالصبابةِ كلَّ تَلٍّ
فـتندلقُ السخونةُ في الرِّمالِ — غزوتَ أَسِرَّةَ الشُّرَفَاءِ حُلْمًا
فلم تتركْ سريرًا منكَ خالي — وأكبرتَ القصيدةَ أنْ تراها
تُرَتِّبُ شهوةَ العشقِ الحَلَالِ — تَمُرُّ بكَ الخواطرُ وَهْيَ ظمأى
فـتسقيهنَّ بالغَزَلِ المـُسَالِ — ولم تَزِنِ القصائدَ قَطُّ إلا
على وَقْعِ الخلاخلِ والحِجَالِ — كأنَّ بـكلِّ (بيتٍ) خطوَ أنثى
تُضيفُ إليهِ قافيةَ الدَّلالِ — وعُنْقُكَ بين أعناقِ القوافي
تطاردُهُ الصوارمُ والعوالي — عَزَفْتَ هناكَ إيقاعَ التَّصابي
على وَتَرٍ، وإيقاعَ القتالِ — فأينَ وجدتَ طَعْمَ العزفِ أحلى
بمُعْتَرَكِ الوصالِ أَمِ النِّصالِ؟! — ***
أراني حين أسمعُ ما أذاعتْ — رياحُكَ من قصائدِها الطِّوالِ
أراني بين قافيةٍ وأخرى — أكابدُ فيكَ (حالاً) بعدَ (حالِ)
تَدُسُّ أصابعَ الهذيانِ ما بينَ- — أحلامي، وتعبثُ في خيالي
وأشقَى كلَّما روحي أفاقتْ — على (أمواجِ بَحرِكَ) في (انسدالِ)
تجوسُ خيولُ شِعرِكَ في ضلوعي — وتَصْدُرُ عن نتوءاتِ الجِبالِ
وخمرةُ أبجديَّتِكَ اسْتَدَارَتْ — بـنَشْوَتِها الطَّروبِ على قَذَالي
وغزلانُ انفعالِكَ حيثُ هاجتْ — تكادُ تهيجُ غزلانُ انفعالي
ونكهةُ خمرِكَ الدَّهْرِيِّ تسري — من الكلماتِ حتَّى صَفْوِ بالي
كفاني من دِنَانِكَ أنْ تُصَفِّي — بياضَ العُمْرِ في سُودِ الليالي
*** — رجب 1437هـــــ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الاكتهال: [ك هـ ل]. (مصدر اِكْتَهَلَ). 1."اِكْتِهَالُ الرَّجُلِ" : صَيْرُهُ كَهْلاً. 2."اِكْتِهَالُ النَّبَاتِ" : تَمَامُ طُولِهِ وظُهُورُ نَوْرِهِ.
- الجدال: الجدَالُ : مصـ.-: المناقشة التي تصل إلى الخصومة قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فأكْثَرْتَ جِدَالَنا/ وَلا جِدَالَ في الحَجِّ.-: المراء المتعلِّق بإظهار المذاهب الفلسفية؛ أهمُّ المدارس التي اشتهرت بالجدال عند الإغريق …
- الرؤيا: الرُّؤْيَا [رأي]: ما يراه النَّائم في منامه لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَّقِّ ج رُؤىً.
- السجال: [س ج ل]. (مصدر سَاجَلَ). "كَانَتِ الحَرْبُ بَيْنَهُمَا سِجالاً" : لاَ غَالِبَ وَلاَ مغْلُوبَ، تَعَادُلُ القُوَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
- القيس: قست الشئ بالشئ: قدرته على مثاله. ويقال بينهما قِيسُ رمحٍ وقاسُ رمحٍ، أي قدرُ رمح. وقيس: أبو قبيلة من مضر، وهو قيس عيلان، واسمه الناس [[قوله الناس بالنون فهو أخو إلياس بن مضر الذى في العمود النبوى. وإنما أضيف لقبه إلى عيل …
- خريف: الخَرِيفُ : فصل من فصول السنة يقع بين الصَّيف والشِّتاء؛ في الخريف تتساقط أوراق الأشجار / خريفُ العُمُر، هو نهايته. -: المطر في فصل الخريف أو أوّل مطرة في أوْل الشِّتاء. -: الرُّطَبُ الذي يُقطف في الخريف؛ لبنٌ خَريفٌ أي …