الأحساء
الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: البسيط
«الأحساء» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قومي نعودُ إلى الماضي يَدًا بِـيَدِ — فمُذْ خرجتُ من الأرحامِ لم أَعُدِ
ومُذْ وُلِدْتُ وداعي الشُّكرِ يبحثُ بـي — عن نخلةٍ شُدَّ من أضلاعِها مَهَدِي
ومُذْ ترعرعتُ في طفلٍ يُتَيِّمُني — بالطينِ آمنتُ أنَّ الأرضَ مُعْتَقَدِي
ومُذْ نَزَلْتُ عيونَ الماءِ حَذَّرَنـي — عمقُ الينابيعِ أن أطفو مع الزَّبَدِ
ومُذْ سجدتُ على هذا الثرَى، وأنا — نجمٌ تشيرُ لهُ سَبَّابَةُ الأَبَدِ
(أحساءُ).. كم مَرَّةً أنجبتِني؟ فأنا — نسيتُ من كثرة الميلادِ كم عددي!
لم تنعقدْ فيكِ أمشاجٌ بمكرمةٍ — إلا وناديتُ أمشاجي: بـها انْعَقِدي
كأنَّني منذُ فجرِ الطَّلْقِ في (هَجَرٍ) — أُدْعَى لأُولَدَ إذْ تُدْعَيْنَ كي تَلِدي
أنا قصيدةُ هذي الأرضِ، ما سَلِمَتْ — في روعة النصِّ من سكِّينِ منتقدِ
تَخَلَّقَتْ بالترابِ المحضِ قافيتي.. — إنَّ الترابَ سماءُ الوحيِ والمدَدِ!
*** — يا مدرجَ الحقلِ بين النخلِ يأخذُنا
نحو الينابيعِ في شوطٍ بلا أَمَدِ — لِـ(ـأُمِّ سَبْعَةَ) تحدو في جداولِها
ركبَ الحياةِ على الآكامِ والنُجُدِ — لِـ(ـعينِ نجمٍ) تُشَظِّي ماءَها أَمَلاً
للمُسْتَجِيرينَ من مَسٍّ ومن رَمَدِ — لِـ(ـلجوهريَّةِ) ينسابُ الأصيلُ بـها
عُرْساً، ويسبحُ في مُوَّالِها الغَرِدِ — لِكُلِّ (عينٍ) غَسَلْناَ في شواطئِها
ما تحملُ النفسُ من هَمٍّ ومن عُقَدِ — يا مدرجَ الحقلِ حيث الشوكُ يرصدُنا
مثل الشياطين بين الأنجم الرَّصَدِ — ليت الصِّباَ باعَنا يوماً غوايتَهُ
بِما الكهولةُ أَهْدَتْناَ من الرَّشَدِ! — ها نحن عُدْناَ وقد أدمَى معاصمَنا
شوكُ الليالـي.. فما للعُمْرِ لم يَعُدِ؟! — ***
(أحساءُ) يا تمرةَ المحرابِ.. يا امرأةً — مخلوقةً من دعاءِ الأُمِّ للوَلَدِ
أصفَى من الجمر قلباً حين تُوقِدُهُ — للسامرينَ ليالـي البَرْدِ والبَرَدِ
قومي نعود لأُمِّي وَهْيَ تغزلُني — حُلْماً، وأغزلُها خيطاً من السَّهَدِ
أيَّامَ أبحرتُ في المجهولِ منفرداً.. — طيشي دليلي.. وهذا زورقي جسدي!
أخو الفراشاتِ تجوالاً.. ويعرفُني — شَهْدُ الغوايةِ مُذْ قَطَّرْتُهُ بـيَدي
لا تعذليني إذا أضحَى فمي سَبِخًا — كأنَّهُ لحياض الشَّهْدِ لم يَرِدِ
لقد تآكَلْتُ حتَّى صرتُ لا أَحَدًا — وإنْ تَجَسَّدْتُ بين الناسِ في أَحَدِ!
*** — يا حفنةً من حضاراتٍ مُكَوَّمَةٍ
في الذكريات التي سَمَّيتُهاَ: بلدي — قَفَزْتُ خارج نسيانـي بذاكرةٍ
ما زال فيها أريجُ الخالدين نَدِي — آتٍ حبيبتيَ الذكرى لأمهرَها
بـبُدْرَةٍ من حنينٍ فِـيَّ، مُحْتَشِدِ — قومي إلى حجرة التاريخِ نطرقُها
حتَّى يفيقَ سباتُ النخلةِ الأبدي — جيلٌ من التمرِ ما زالتْ سلالتُهُ
في النوم يقذفُها جدِّي إلى ولدي — بئسَ الليالي أحالَتْ منكِ مطفئةً
للهَمِّ ينكثُّ من (سيجارة) السَّهَدِ — قومي نُعَلِّقُ من ألحانِنا جرسًا
يصحو عليه وراء النيِّراتِ، غدي — ثُمَّ ارقصي بـي على إيقاعِ أزمنةٍ
جالَتْ عليكِ بأفراسٍ من النَّكَدِ — في كلِّ هزَّةِ خصرٍ ترعشينَ بـها
حوريَّةٌ أَفْلَتَتْ من جَنَّةِ الجسدِ — أمسكتُها فَانْثَنَتْ أصدافُ قامتِها
تفيضُ بالغَنَجِ الدُّرِّيِّ والزَّبَدِ — ما زلتُ في الرقصة النشوى أخاصرُها
حتَّى خلعتُ على أعطافِها عَضُدي — ***
يا أُمَّ (طَرْفَةَ) ما زال الزمانُ هنا — طفلاً بـفَخَّينِ من جَهْدٍ ومن جَلَدِ
يأتـي الحقولَ.. وصيدُ الشمسِ لعبتُهُ — لكنَّهُ منذ فجر الصيدِ لم يَصِدِ!
ها أنتِ في هيبةِ (التسعين) قابضةٌ — على الصِّباَ في عناقٍ واحدٍ أَحَدِ
ما ضَيَّعَ الأصلُ في عينيكِ جوهرَهُ — ولا استباحَ ضُحَى الفيروزِ بالرَّمَدِ
وها أنا في أعالي الآهِ، يرفعُني — صوتٌ تدلَّى على حبلينِ من مَسَدِ
فتحتُ غيمةَ ماضينا فما سَكَبَتْ — إلا أحاديثَ عشقٍ مطلقٍ صَمَدِ
يكادُ كلُّ حديثٍ إنْ شككتُ بهِ — يهوي بمحراثِ أجدادي على كَبِدي
هل كان (طَرْفَةُ) في أعلى مشانقِهِ — إلا حديثَ غرامٍ موثقَ السَّنَدِ؟!
برئتُ باسم الهوى من كلِّ وسوسةٍ — مصقولةٍ تجرحُ الأسلافَ في خلدي
*** — يا مُهْرَةَ الدِّفْءِ في مضمارِ عاطفتي
تستنفرُ الحُبَّ خَيَّالاً من الوَقَدِ — كَرَّ الشتاءُ على العشَّاقِ مُمْتَطِيًا
مُهْراً من البَرْدِ في جيشٍ من البَرَدِ — جَرَّدْتُ في وجهِهِ القيثارَ فانطَلَقَتْ
بِـــيَ الترانيمُ من (بدري) إلى (أُحُدِ) — محاربٌ أنا.. صَبَّتْ خافقي (هَجَرٌ)
في عازفٍ بشفاهِ الغيبِ، مُتَّحِدِ — هذي القصائدُ أَضْحَتْ في الهوى فَرَسي
واللحنُ سيفيَ والأوتارُ من عُدَدي — ***
1419هـ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الزبد: زبد: الزُّبْدُ: زُبْدُ السمنِ قَبْلَ أَن يُسْلأَ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ زُبْدَة وَهُوَ مَا خلُص مِنَ اللَّبَنِ إِذا مُخِضَ، وزَبَدُ اللَّبَنِ: رغْوتَه. ابْنُ سِيدَهْ: الزُّبْدُ، بِالضَّمِّ، خُلَاصَةُ اللَّبَنِ، وَاحِدَتُه …
- الميلاد: المِيلادُ [ولد]: وقتُ الوِلادة؛ مَا بِاخْتِيَارِيَ ميلادِي وَلا هَرَمِي
- انعقدي: انْعَقَدَ يَنْعَقِدُ انْعِقَاداً : مطاوع عقد.-: التفَّ بعضه على بعضٍ ورُبِط فصار عُقْدَةً؛ انعقد الحبلُ/ انعقد لسانه، أي تعثر في الكلام وكأن لسانه معقودٌ. ــ الزَّهرُ: تضامَّتْ أجزاؤه فصارَ ثمراً. ــ المجلسُ: الْتأم واجت …
- بالطين: طين: الطِّينُ: مَعْرُوفٌ الوَحَلُ، وَاحِدَتُهُ طِينةٌ، وَهُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا؛ حَكَى سِيبَوَيْهِ عن العرب: ممرت بصحيفةٍ طينٍ خاتَمُها، جَعَلَهُ صِفَةً لأَنه فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، كأَنه قَالَ لَيّنٍ …