ما أحسن الصبر فيما يحسن الجزع

الشاعر: ابن دراج القسطلي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة عامة

«ما أحسن الصبر فيما يحسن الجزع» من شعر ابن دراج القسطلي، من العصر العباسي، وتقع في 46 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة عامة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مَا أَحْسَنَ الصَّبْرَ فيما يَحْسُنُ الجَزَعُ — وأَوْجَدَ اليَأْسَ مَا قَدْ أَعْدَمَ الطَّمَعُ

وللمنايا سِهامٌ غيرُ طائِشةٍ — وذو النُّهى بجميلِ الصَّبْرِ مُدَّرِعُ

فإِن خَلَتْ للأَسى فِي شجوها سُنَنٌ — فطالَما أُحْمِدَتْ فِي كَظْمِها البِدَعُ

وللفجائِعِ أَقدارٌ وأَفْجَعُها — للنَّفْسِ حَيْثُ ترى أَظفارَها تَقَعُ

كَأَنَّ للموتِ فينا ثأْرَ مُحْتَكِمٍ — فما بغيرِ الكريمِ الحُرِّ يَقْتَنِعُ

قَدْ خَبَّرَتْ نفسُ إِسماعِيلَ فِي يدِهِ — أَنْ لَيْسَ عن حُرُماتِ المَجْدِ يرتَدِعُ

فاحْتَسِبُوا آلَ إِسماعِيلَ مَا احْتَسَبَتْ — شُمُّ الرُّبى من غَمامِ الغَيْثِ يَنْقَشِعُ

واحْتَسِبُوا آلَ إِسماعِيلَ مَا احْتَسَبَتْ — خيلُ الوغى من لواءِ الجَيْشِ يَنْصَرِعُ

مَاذَا إِلَى مِصْرَ من بِرٍّ ومن كَرَمٍ — بعَثْتُمُ مَعَ وَفْدِ اللهِ إِذْ رَجَعُوا

حَجُّوا بِهِ بِهِلالِ الفِطْرِ وانْقَلَبُوا — فاسْتَوْدَعُوهُ ثَرى مِصْرٍ وَمَا رَبَعُوا

فأيُّ قَدْرٍ رفيع حانَ مَحْمِلُهُ — فِي النَّعْشِ يوماً عَلَى أَكتافِهِمْ رَفَعُوا

وأَيُّ مُخْتَشِعٍ للهِ مُتَّضِعٍ — حُرِّ الشمائِلِ فِي حَرِّ الثَّرى وَضَعُوا

وغادَرُوهُ ولا غَدْرٌ بما فَعَلُوا — وَوَدَّعُوهُ ولا بَاكٍ لِمَنْ وَدَعُوا

تغدُو عَلَيْهِ حَمامُ الأَيْكِ باكِيَةً — وتَسْتَهِلُّ عَلَى أَكْنافِهِ القَلَعُ

والرِّيحُ تُهْدِي لَهُ من كُلِّ عارِفَةٍ — عَرْفاً وتحمِلُ عنه فَوْقَ مَا تَدَعُ

فاسْتَشعِرُوا آلَ إِسماعِيلَ تَغْزِيَةً — يُهْدى لَهَا واعِظٌ منكُمْ ومُسْتَمِعُ

فإِنْ غَدَا شَعْبُكُمْ فِي اللهِ مُفْتَرِقاً — فإِنَّ شَعْبَكُمُ فِي المَجْدِ مُجْتَمِعُ

وإِنْ يُصَدِّعْ قُلُوباً صَدْعُ شَمْلِكُمُ — فالصَّبْرُ كالشَّمْسِ حَيْثُ الفَجْرُ يَنْصَدِعُ

وإِنْ جَزِعْتُمْ فَرُزْءٌ لا يقومُ لَهُ — فيضُ الدُّموعِ ولا يُشْفَى لَهُ وَجَعُ

وإِنْ صَبَرْتُمْ فمِنْ قومٍ إذَا بُعِثُوا — لَمْ يُوهِ عَزْمَهُمُ ذُعْرٌ ولا فَزَعُ

قَدْ وَطَّنُوا أَنْفُساً للدَّهْرِ لَيْسَ لَهَا — إِلّا مِنَ الذَّمِّ أَنْ يَدْنُو لَهَا جَزَعُ

كَأَنَّهُمْ فِي نَعيمِ العَيْشِ مَا نَعِمُوا — وَفِي الفجائِعِ بالأَحْبابِ مَا فُجِعُوا

للهِ من حُرَمِ الأَموالِ مَا بَذَلُوا — جُوداً ومن حُرَمِ الجِيرانِ مَا مَنَعُوا

وَمَا كَسَوْكُمْ مِنَ المَجْدِ الَّذِي لَبسُوا — واسْتَحْفَظُوكُمْ من الصَّبْرِ الَّذِي شَرَعُوا

فارْبِطْ لَهَا يَا أَبا مَرْوانَ جأْشَ فتىً — سَما فَأَتْبَعَ حَتَّى عادَ يُتَّبَعُ

وَقَدْ عَضَضْتَ عَلَى نابِ البَزُولِ فَلا — يغبنك حُسْنَ العزاءِ الأَزْلَمُ الجذَعُ

دَهْرٌ شَجَاكَ وَقَدْ وَفَّاكَ تَعْزِيَةً — جَلَّتْ فَلَيْسَتْ بِغَيْرِ القلبِ تُسْتَمَعُ

بُشْرى لِمَنْ زُوِّدَ التَّقْوى لِمُنْقَلَبٍ — حَيَّاهُ مُدَّخَرٌ فِيهِ ومُطَّلَعُ

بِمِيتَةٍ فِي سبيلِ اللهِ أَسْلَمَهُ — فِيهَا إِلَى رَبِّهِ الأَبناءُ والشِّيَعُ

فِي حجَّةٍ بِرُّها فِي اللهِ مُتَّصِلٌ — بالمُحْرِمِينَ عنِ الأَوْطَانِ مُنْقَطِعُ

لَبَّى من الغايَةِ القُصْوى فجاوَبَهُ — حُورُ الخِيامِ إِلَى لُقْيَاهُ تَطَّلِعُ

واسْتَفْتَحَ الكَعْبَةَ العَلْياءَ فافْتُتِحَتْ — لَهُ إِلَى الجَنَّةِ الأَبوابُ والشِّرَعُ

فكَيْفَ تُوحِشُكَ الدُّنيا إِلَى شِيَمٍ — لِذِكْرِها فِي الوَرى مَرْأَىً ومُسْتَمَعُ

تُتْلى فَيَعْبُقُ منها كُلُّ ذِي تَفَلٍ — طيباً ويَعْذُبُ منها الصَّابُ والسَّلَعُ

قَدْ حَمَّلَتْ أَلسُنَ المُثْنِينَ مَا حَمَلَتْ — وَأَوْسَعَتْ أَيْدِيَ العافِينَ مَا تَسَعُ

كالغَيْثِ يَنْأَى وَمَا يَخْفى لَهُ أَثَرٌ — والمِسكُ يُوعى وَمَا يُوعى لَهُ فَنَعُ

لِطَيِّبِ الذِّكْرِ من حِلْمٍ ومن ورَعٍ — لَوْ كَانَ للموتِ حِلْمٌ عنهُ أَوْ وَرَعُ

ومانِعِ الجارِ من ضَيْمٍ ومن عَدَمٍ — لَوْ أَنَّهُ من حِمامِ الحَيْنِ يَمْتَنِعُ

ووَازِعِ الخطبِ عن قُرْبٍ وعَنْ بُعُدٍ — لَوْ أَنَّ صَرْفَ الرَّدى من بَعْضِ مَا يَزَعُ

وإِنْ أَقمْتَ أبا مَرْوَانَ سُنَّتَها — شَجْواً فَذُو اللُّبِّ فِي السُّلْوانِ يَبْتَدِعُ

فارْدُدْ زَفِيرَكَ عَمَّا لا مَرَدَّ لَهُ — وارْجِعْ دُمُوعَكَ عَمَّنْ لَيْسَ يُرْتَجَعُ

واسْتَخْلِفِ العَارِضَ المُنْهَلَّ يَخْلُفُهُ — رَوْضٌ تَصِيفُ بِهِ مِصْرٌ وتَرْتَبِعُ

من كُلِّ بَحْرِيَّةٍ شامٍ يُشامُ بِهَا — حادِي الجَنُوبِ فلا رَيْثٌ ولا سَرَعُ

يَنُوبُ عن ضَرَمِ الأَحشاءِ بارِقُها — وعن دُمُوعِكَ فِيهَا الوَابِلُ الهَمِعُ

تزورُ فِي مِصْرَ قَبْراً قَلَّ زائِرُهُ — لكِنَّهُ لِلْعُلا والمَجْدِ مُضْطَجَعُ

وأَكرَمُ الغَيْثِ غَيْثٌ عادَ مُنتَجِعاً — من لَمْ يزَلْ لِلنَّدى والجُودِ يُنْتَجَعُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • البدع: بدع: بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع الرَّكِيّة: اسْتَنْبَطَها وأَحدَثها. ورَكِيٌّ بَدِيعٌ: حَدِيثةُ الحَفْر. والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ أَوّلًا. وَفِي التَّنْزِيلِ: …
  • الجزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع …
  • الطمع: طمع: الطَّمَعُ: ضِدُّ اليَأْسِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعَلَّمْنَ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وأَنَ اليَأْسَ غِنًى. طَمِعَ فِيهِ وَبِهِ طَمَعاً وطَماعةً وطَماعِيةً، مخفَّف، وطَماعِيَّةً، فَهُوَ …
  • بجميل: الجَمِيلُ : من اتصف بالجمال أو الحسن خَلْقاً أو خُلُقاً؛ هي فتاةٌ جميلة الوجه/ هو جميل الأخلاق.-: الإحسان والمعروف والعمل الحسن؛ هو ناكر للجميل، أي لا يعترف بما لقيه من معاملة حسنة.-: الشحم المذاب المتجمّع.
  • تقع: النقع: الغبار، والجمع نقاع [[وزاد في القاموس: " ونقوع ".]] . والنَقْعُ: محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: " أنَّه نهى أن يُمْنَعَ نَقْعُ البئر ". والنَقْعُ أيضاً: الأرضُ الحرَّةُ الطينِ يَسْتَنْقِعُ في …

قصائد ذات صلة

  • ثم أَحييت فجرهم يا ابن يحيى
  • ما أوضح العذر لي لو أنهم عذروا
  • غريب تحلت بآدابه
  • سامي التليل كأن عقد عذاره
  • أجد الكلام إذا نطقت فإنما
  • يا عاكفين على المدام تنبهوا
  • تركت قلبي بغير صبر
  • إذا شذت عن العرب المعاني