خلعت على بنيات الكروم

الشاعر: ابن حمديس · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة رومانسية

«خلعت على بنيات الكروم» من شعر ابن حمديس، من العصر الأندلسي، وتقع في 88 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة رومانسية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

خلعتُ على بُنيّاتِ الكرومِ — محاسنَ ما خُلِعْنَ على الرسومِ

أخذتُ بمذهب الحكَميّ فيها — وكيفَ أميلُ عن غرَض الحكيمِ

وما فضلُ الطلول على شَمُولٍ — تمجّ المسك في نَفَس النسيمِ

يُجدَّدُ حبّها في كلّ قلبٍ — إذا صقلتْهُ من صدئ الهمومِ

وكنتُ على قديم الدهر أصبو — إلى اللّذّاتِ بالقصر القديمِ

تُرَدّ إذا ظمئت عليّ كأسي — كما رُدّ اللبان على الفطيمِ

وما استنطقْتُ من طَلَلٍ صَموتٍ — كأنّ له إشاراتِ الكليمِ

بل استنطقْتُ بالنّغماتِ عوداً — تَنَبّهَ مُطْرِباً في حجر ريمِ

وربّ منيمةِ الندماءِ سُكْراً — نفيتُ بها المنامَ عن النديمِ

فقامَ ومُقْلةُ الإصباحِ فيها — بقيَّةُ إثمدِ الليلِ البهيمِ

كأنّ الصبحَ معترضاً دجاهُ — خصيمٌ يستطيلُ على خصيمِ

كأنّ الشرق في هذا وهذا — مَصَفٌّ فيه زَنْجيّ ورومي

وليلٍ شُقّ فيه ضياءُ صُبْحٍ — كأدهمَ في إغارتهِ لطيمِ

قطعنا تحت غيهبه عَراءً — بعاريةِ العظامِ من اللحومِ

وداميَةً مناسِمُها رَسَمْنا — لها قَطْعَ المهامِهِ بالرّسيمِ

وَطُفْنا في البلاد طوافَ قَوْمٍ — يريح نفوسهمْ تَعَبُ الجسومِ

وفي مغنى ابنِ عبّادٍ حَلَلْنا — وقد نِلنا المنى عند العَزيمِ

بحيثُ يَغضّ أبصاراً ملوكٌ — تُعظِّمُ هيبةَ الملك العظيمِ

تُنَظَّمُ في مراتبِهِ المعالي — فتحسبُها نجوماً للنّجومِ

وتهمي من أنامِلِهِ العَطايا — فتحسبُها غيوماً للغيومِ

وتصدُرُ عن ندى يده الأماني — إذا وردتهُ هِيماً غير هيمِ

إذا نسيَ الكرامُ أنابَ ذكراً — يسافرُ في فمِ الزّمنِ المقيمِ

تناجيه فراسةُ ناظرَيهِ — بما في مُضْمَرِ القلبِ الكتومِ

فيا ابنَ الصّيد من لخْمٍ ولخمٌ — بدورُ مطالع الحسبِ الصميمِ

إذا جادوا فأنواءُ العطايا — وإن حلموا فأطوادُ الحلومِ

وأحرَمَ في يمينك مَشْرَفيّ — أدَمْتَ ببذلِهِ صَوْنَ الحريمِ

ومُعتَرَكٍ تَلَقّى الفنشُ فيه — غريماً مهلكاً نَفْسَ الغريمِ

تَسَتّرَ بالظلامِ وفرّ خوفاً — برَوْعٍ شَقّ سامعتي ظليمِ

وذاقَ بيوسفٍ ذي البأس بُؤساً — فمرّرَ عنده حلوَ النّعيمِ

وقد نهشتْهُ حيّاتُ العوالي — سلوا الليلَ السليمَ عن السليمِ

ثنى توحيدُكَ التثليثَ منه — يَعَضّ على يَدَيْ فَزِعٍ كظيمِ

رآك وأنتَ مبتسمٌ كضارٍ — تثاءَبَ عن نواجذه شتيمِ

غداة أتى بصلبانٍ أضَلّتْ — علوجاً أبْرَموا كَيْدَ البريمِ

كأنّهمُ شياطينٌ ولكنْ — رميتَهُمُ بمحرقةِ النجومِ

علوجٌ قُمْصُ حَرْبهمُ حَدِيدٌ — يُعبِّرُ عنهمُ سَهَكُ النَّسيمِ

يَقودهمُ لحينهِمُ ظَلومٌ — لأنفسهمْ فوَيلٌ للظلومِ

رعى نَبْتَ الوشيج بهمْ فمادوا — وتلك عواقبُ المرعى الوخيمِ

وأوردهمْ حياضاً في المواضي — بماءِ الموتِ ساقٍ من جمومِ

ولما أنْ أتاكَ بقومِ عادٍ — أتَيْتَ بصرصرِ الريح العقيمِ

وقد ضرَّمتَ نارَ الحرب حتى — حَكَتْ زفراتُها قِطَعْ الجحيمِ

وثارَ بركضِ شُزَّبِها قَتامٌ — خَلَعْنَ به الصريمَ على الصريمِ

فثوبُ الجوّ مُغْبَرُّ الحواشي — ووجهُ الأرض مُحمرُّ الأديمِ

وقد سَكِرَتْ صِعادُ الخطّ حتى — تأوّدَ كلّ لدنٍ مستقيمِ

وما شَرِبت سوى خمرِ التراقي — ولا انتشقتْ سِوَى وَرْدِ الكلومِ

فصلّ لربّك المعبودِ وانحرْ — قُرُوماً منهمُ بَعْدَ القرومِ

وَعَيِّدْ بالهدى وأعِدْ عليهمْ — عذابَ الحرب بالألمِ الأليمِ

أمُدامٌ عن حَبابٍ تبتسمْ — أمْ عقيقٌ فوقه دُرٌّ نُظِمْ

أعَلى الهمّ بعثنا كأسنا — أم بنجمِ الأفْقِ شيطانٌ رُجم

أظلامٌ لضياءٍ طَبَقٌ — أم على الكافور بالمسكِ خُتِم

أندىً في الزهرٍ أم ماءُ الهوى — حارَ في أعينِ حُورٍ لم تنم

أعمودُ الصبح في الغيهبِ أم — غُرّةُ الأشقرِ في الغيمِ الأحَمْ

أمِراةٌ أم غديرٌ دائمٌ — مقشعرّ الجلدِ بالقَرّ شَبِمْ

قَدَرَتْ منه الصّبا سرداً فما — رَفَعَتْ عنه يداً حتى انفصمْ

كلّ ذا يدعو إلى مشمولةٍ — فذرِ اللوم عليها أو فَلُمْ

واغتنمْ من كلّ عيشٍ صَفْوَهُ — فألَذّ العيش صفوٌ يُغْتَنَمْ

واشكلِ الأوتار عن نغمتها — لا تسوغُ الخمرُ إلا بالنّغم

ومدامٍ قَدُمَتْ فهيَ إذا — سُئِلتْ تخبرُ عنْ عادِ إِرم

سكنتْ أجوفَ في جوْف الثرى — نَسَجَ الدّهْرُ عليه وَرَقَم

خالفَتْ أفعالُها أعمارَها — فأتَتْ قُوّتُها بَعْدَ الهرم

فهي في الرّاووقِ إن رَوّقْتَها — لهبٌ جارٍ وماءٌ مُضطرم

أفْنَتِ الأحقابُ منها جوهراً — ما خلا الجزءَ الذي لا ينقسم

فهي مما أفرطتْ رقّتُها — تجدُ الريّ بها وهيَ عَدَم

لا ينالُ الشَّرْبُ من كاساتها — غيرَ لونٍ يُسْرِع السّكرَ وشم

وكأنّ الشمس في ناجودِها — من سوادِ القارِ في قمصِ ظلم

فأدِرْ للروح أُخْتاً والزرا — جينِ بنتاً وسرورِ النفس أُم

فهي مفتاحٌ للذّاتٍ لنا — ويدُ المنصور مفتاحُ الكرم

حلّ قصرَ المجد منه مَلِكٌ — بُدئَ المجدُ به ثمّ خُتِم

يحتبي في الدستِ منه أَسدٌ — وهلالٌ وسحابٌ وَعَلَم

يتركُ النقمةَ في جانبهِ — وإذا عاقبَ في اللّه انتقم

وإذا قال نعم وهي له — عادةٌ أسبغَ بالبذل النِّعَم

ذو أيادٍ بأيادٍ وُصِلَتْ — كتوالي دِيَمٍ بَعْدَ ديم

وإذا ما بَخِلَ الغيمُ سخا — وإذا ما عَبَسَ الدهرُ بَسَم

تنتخي السادات عزّاً فإذا — قَرُبَتْ من عنده صارتْ خدمْ

لست أدري أيمينٌ قُبّلَتْ — منه في تسليمها أمْ مُستَلم

يذعرُ الجبّارُ منه فعلى — شَفَةٍ يمشي إليه لا قدم

فالقُ الهامِ إذا كرّ سطا — مِسْعَرُ الحربِ إذا همّ اعتَزَم

كلَّما أوطأ حرْباً سنبكاً — حمِيَ الرّوْعُ وَشَبّ المقتحم

وإذا حاولَ في طعنِ الكُلى — صَرّفَ اللهذَمَ تصريفَ القلم

يطأ الهامَ التي فَلّقَهَا — بلهامٍ للأعادي مُلتهِم

يُرْجِعُ الليلَ نهاراً بالظّبا — ويعيدُ الظُّهرَ بالنقع عَتَمْ

فضياءُ الشهب في قَسْطَلِهِ — ويعيدُ الظهر ديال في نيم

إنّما حِمْيَرُ أُسْدٌ لم تَزَلْ — من قناها ساكناتٍ في أجَم

كلّ شهمِ القلبِ مرهوبِ الشبا — مُرْتضى الأخلاقِ محمودِ الشيم

يستظلّون بأوراق الظّبا — وأُوَارُ الرّوْعِ فيهم مُحْتَدم

وعروسٍ لك قد أهدَيْتُها — تُكْلَمُ الحُسّادُ منها بالكَلِم

في تقاصيرَ من الدّرّ إذا — حاولوا تحصيلهَا فهيَ حِكَم

يضربُ الأمثالَ فيها بِكُمُ — أُمَمٌ في المدح منْ بعد أُمم

أسكنت ذكرَك حُكْماً خالداً — أبداً بُنْيانُهُ لا ينْهَدِم

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الحكمي: حكم: اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحْكَمُ الحاكمِينَ، وَهُوَ الحَكِيمُ لَهُ الحُكْمُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ اللَّيْثُ: الحَكَمُ اللَّهُ تَعَالَى. الأَزهري: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الحَكَمُ والحَكِيمُ والحاكِمُ، و …
  • الرسوم: الرَّسُومُ : الَّذي يبقى على السَّير يوماً وليلة.- من النُّوق: ما تؤثر في الأرض لشدَّةِ الوطْءِ ج رُسُمٌ.
  • الفطيم: جمع: فُطُمٌ. [ف ط م]. (صِيغَةُ فَعِيل). "وَلَدٌ فَطِيمٌ" : مَفْطُومٌ.
  • الكروم: الكُرُومُ : عنصر فلزّيّ رماديّ يميل إلى البياض يُستخدم في بعض السبائك وفي تصفيح بعض المعادن بطبقة منه بالتحليل الكهربائي، كما تستخدم بعض مركَّباته في الصباغة والتلوين (معـ).
  • الكليم: الكَلِيمُ : الجريح؛ تَمُرُّ بِكَ الأَبْطَالُ كَلْمَى هَزِيمةً ** وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وثغرُكَ باسِمُ. ج كَلْمَى.-: من يُكَالِمُكَ.-: لقبُ موسى عليه السَّلامُ لأَنَّ اللهَ كلَّمه.
  • اللبان: اللَّبَانُ : الصَّدْرُ أو ما بين الثديين، وأكثر استعماله لصدر ذوات الحوافر والفرس: مَازِلْتُ أَرْمِيهِمْ بثُغْرَةِ نَحْرِهِ ** ولَبَانِهِ حتَّى تَسَرْبَلَ بِالدَّمِ

قصائد ذات صلة

  • وأخضر لولا آية ما ركبته
  • ألا رب كأس تقتضي كل لذة
  • فعوضت شيبا من شبابي كأنني
  • طيارة ولها فرخان واعجبا
  • ومرتفع في الجذع إذ حط قدره
  • وحمام سوء وخيم الهواء
  • لهم رياض حتوف فالذباب بها
  • قد طيب الآفاق طيب ثنائه