أَمـوتُ بَـعـيـداً عَـن ديـاري وَعَـن أَهـلي
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 59 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَمـوتُ بَـعـيـداً عَـن ديـاري وَعَـن أَهـلي — فَـمَـن يـا تـرى يَـبـكي حواليَّ من أَجلي
أَمــوت غَــريـبـاً فـي رَبـيـع شَـبـيـبَـتـي — وَلا صــاحــبٌ عــنــدي يـمـرّض أَو يـسـلي
سَـيَـقـتـادُنـي حـتفي إلى الرمس صاغِراً — وَيـقـطـع عَـن دنـيـاي سيف الردى حبلي
غــداة غــدٍ يــا لهـف نَـفـسـي عَـلى غـد — يـتـم عَـلى الأيـدي إلى حـفـرة نَـقـلي
فـيـحـمـل نَـعـشـي بـعـد غـسـل جـنـازَتـي — إلى القــبـر نـاس لا يـهـمـهـمُ حـمـلي
إلى حــيــث لا شــمــس النـهـار مـطـلة — وَلا اللَيــل نـظّـارٌ بـأعـيـنـه النـجـل
إلى جــــدث داجـــي القـــرارة ضـــيـــقٍ — يــجــاور أَجــداثــاً بُــنــيــنَ عَـلى تـل
غَــريــب يــريــد المـوت بـتـلَ حَـيـاتـه — فَـللَّه مـا يـلقـي الغَـريـب مـن البـتل
سـلام عَـلى الدنـيـا سلام عَلى المنى — سـلام عَـلى المـأوى سـلام عَلى الأهل
ســـلام عَـــلى وادي الســـلام وَمـــائه — سـلام عَـلى الحـي المـخـيـم في الرمل
سـلام عَـلى الشمس المضيئة في الضحى — سَـلام عَـلى ريـح الصـبـا عـقـب الوبـل
أَلا لَيــتَ شــعــري هَـل دجـيـلٌ كـعـهـده — وَهــل ســمــرات الرمــل وارفــة الظــل
وَهَــل حــيُّنـا مـنـه بـذي الأثـل نـازلٌ — كَما كانَ أَم هَل غادر الحيُّ ذا الأثل
وَهَـــل عـــرصــات الحــي بــعــدُ عــذيــةٌ — وَهَــل جــنـبـات الحـي بـاسـقـةُ النـخـل
لعــمــرك لا ظــل الطــريــفــاء قــالصٌ — نـهـاراً وَلا مـاء الطـريـفـاء بالضحل
بــلاد ســكــنــاهـا وَنـحـن مـن الحـمـى — بـحـيـث النَـسـيـم الطـلق يـعبث بالطل
بـحـيـث الرضـى مـعـشـوشـبٌ فـي رَبـيـعـه — بـروضٍ كَـمـا شـاءَت مُـنـى النـفـس مخضَّل
بــلاد بــهــا حَــزْنٌ وَســهــلٌ تــقـابـلا — فَــيــا لَك مـن حـزنٍ وَيـا لك مـن سـهـل
هــنـالك أَهـلي الأقـربـون فَـمـا بـهـم — بـمـجـتـمـعٍ يـا نـفـس بعد الردى شملي
أَمــوت نــعــم إنــي أَمــوت ومــن يَـعـش — فَــلا بــد مــن يـوم يـمـوت بـه مـثـلي
فَـمـا لي أَرانـي جـازِعـاً مـن مـنـيـتـي — كــأَن لَم يـمـت فـي غـربـةٍ أَحـد قَـبـلي
جـــزعـــت لأنـــي للمـــقـــابِـــر راحــلٌ — وأَكــثــر سـكـان المـقـابـر مـن شـكـلي
يـدبّ البـلى فـي الجـسـم مـنـيَ سـارياً — مَـع التـرب مـن بـعضي لبعضي إلى كلِّي
إذا كــانَ أَصــلي مــن تــراب فــإنـنـي — ســأَرجـع فـيـه بـعـد مَـوتـي إلى أَصـلي
لَقَـــد قـــالَ نــاسٌ شــاهــدونــيَ أنَّنــي — مــصــابٌ بــداء السـل وَيـلي مـنَ السـل
وَقـالوا التـمـس فـيـه طَـبيباً مداوياً — فــعــلك تُــشــفَـى مـنـه قـلت لهـم عـلِّي
تـــجـــرعـــتُ كـــأســـاً للتـــغــرب مــرةً — إلى اليـوم فـي بَـطـني مرارتها تغلي
ومــن بــات مــســلولاً بــمـنـزل غـربـة — فـــإن لَيـــاليـــه تُـــمِــرُّ وَلا تُــحــلي
أَتـانـي كـتـاب مـن أبـي يـسـتـعـيـدنـي — فَـيـا أَبـتـا إنـي عـن العـود فـي شغل
وَيـا أبـتـا أَخـبـر حـنـانـاً أمـيـمـتـي — بــــأنـــيَ زلِّت بـــي إلى هـــوَّةٍ رجـــلي
وَيــا أبـتـا أنـبـئ جـنـانـاً حـليـلَتـي — بــأنــيَ مــودٍ فــلتـحـافـظ عَـلى طِـفـلي
بُــنَــيَّ رضــى عــش فــي سَــلامٍ فــإنـمـا — حَـيـاتـك بـعـدي يـا رضى منتهى سؤلي
فــلمــا قــضــى نــحــبــاً وَطــارَ نـعـيُّهُ — إلى أبــويــه ضــيَّعـا الرشـدَ مـن ذهـل
فَــبــاتَ أبــوه مــصـلح الديـن جـازعـاً — عَـلى نـجـله البـرّ الوَحيد أبي الفضل
وَصــكــت حــنــانٌ أمُّهــ الوجــه للأســى — وَعــضـت بـأَطـراف البـنـان مـن الثـكـل
عَـلى رأسـهـا تـحـثـو التـراب بـكـفـها — وَتــذرف عَــيــنــاهــا مـدامـع كـالوبـل
وَتَــمـشـي بـأقـدام ضـعـفـن عَـن الخـطـى — إلى زوجـهـا مـشـيَ المـقـيَّدِ في الوحل
تَــقــول له أَنــتَ المــغــرّب لابــنـنـا — فـأرجـعـه لي يـا بعل واجمع به شَملي
بُــنــيَّ ليــؤذيــنــي عَـلى رزئك الأسـى — بُــنَــيَّ وَيــغــلي فــي فـؤاديَ كـالمـهـل
وَلَو كـانَ خـطـبـي فـيـك سـهـلاً حـمـلته — بُــنــيّ ولكــن لَيــسَ خــطــبـيَ بـالسـهـل
مــشــيــتَ حـثـيـثـاً فـي شـبـابـك للردى — فَـيـا أَيُّهـا المـاشـي حـثيثاً عَلى مهل
بــرغــم حــنـان أَهـلك الدهـر نـجـلهـا — وأَبـكـى حـنـانـاً مـن حنان عَلى النجل
وأمــا جــنــان فَهــي عــنــد سـمـاعـهـا — حَـديـث وَفاة البعل ناحَت عَلى البعل
وَشــب الأســى فــي قَــلبـهـا مـتـسـرِّعـاً — إليـه شـبـوب النـار في الحطب الجزل
ذَوى وردُ خــــديــــهــــا وبـــدل لونـــه — سـواد بـعـيـنـيـهـا يَـنـوب عَـن الكـحـل
وَخــرت عَــلى وجــه التــراب يــرجــهــا — غـيـاب وَقـالَت وَهـي كالشَمس في الأفل
يَــقــول أنــاس لي أبــو الفـضـل مـيـت — لَقَـد كـذبـوا مـا مـات قـط أبو الفضل
لَقَـد كـذبـوا هَـذا أبـو الفـضـل قـادم — إليَّ سـليـم الجـسـم يَـمـشي عَلى الرجل
لَقَـد كـذبـوا هـذا أبـو الفـضـل شـخصه — أَتــانــيَ هــش الوجـه يَهـتـز كـالنـصـل
جَــمــيــلاً يــحــيــيــنـي تـبـسُّمـُه كَـمـا — يحيي التراب البرق في البلد المحل
وفــيــت بــوعــد فــي الرجـوع إلي يـا — أَبـا الفـضـل لكـن بعد طولٍ من المطل
لأنــت هــوى نَــفــســي وأَنــتَ سـرورهـا — وأَنـتَ رَبـيـع النـفـس فـي سـنـة الأزل
وَدامَـت كَـذا فـي حـلمـهـا نـصـف سـاعـة — فَـلمـا أفـاقـت مـنـه كـانَـت بِـلا عـقل
وَعــاشَــت لأســبــوعـيـن خـائرة القـوى — تــبــيـت بـلا نـوم وَتُـمـسـي بـلا أَكـل
يــجـيـء إليـهـا مـصـلح الديـن سـائلاً — فـتـسـتـر عـنـه الوجـه بـالشعر الجثل
وَتـــوســـعــه شــتــمــاً وبــعــد دقــائق — تــقــبِّلــُ فــي خــضْــعٍ يــديــه وَفــي ذلِّ
وَتـضـحـك فـي الجـلَّى وَتَـبـكـي مـصـابها — بـــدمـــع كــأمــثــال اللآلئ مــنــهــلِّ
إلى أَن أَتـاهـا المـوت يَـحبو فَصادَفَت — نـجـاة بـه مـن أَزمـة السـقـم وَالخـبل
لَقَـد كـانَ بـعـد البـعـل غـلاً حَـياتها — فــأطــلقـهـا كـفُّ المَـنـايـا مـن الغـلّ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الرمس: رمس: الرَّمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. ورَمَسَ الشيءَ يَرْمُسُه رَمْساً: طَمَسَ أَثَرَه. ورَمَسه يَرْمُسُه ويَرْمِسُه رَمْساً، فَهُوَ مَرْموس ورَمِيسٌ: دَفَنَهُ وسَوَّى عَلَيْهِ الأَرضَ. وكلُّ مَا هِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ …
- النجل: نجل: النَّجْل: النَّسْل. الْمُحْكَمُ: النَّجْل الْوَلَدُ، وَقَدْ نَجَلَ بِهِ أَبوه يَنْجُلُ نَجْلًا ونَجَلَه أَي ولَدَه؛ قَالَ الأَعشى: أَنْجَبَ أَيَّامَ والِداهُ بِهِ، ... إِذ نَجَلاهُ فَنِعْم مَا نَجَلا قَالَ الْفَارِس …
- جدث: جدث: الجَدَثُ: القَبْر. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: فِي جَدَثٍ يَنْقَطِعُ فِي ظُلْمته آثارُها أَي فِي قَبْرٍ، وَالْجَمْعُ أَجْداثٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: نُبَوِّئهم أَجْداثَهم أَي نُنْزِلُهم قبورَهم؛ وَق …
- حتفي: حتف: الحَتْفُ: الْمَوْتُ، وَجَمْعُهُ حُتُوفٌ؛ قَالَ حَنَشُ بْنُ مَالِكٍ: فَنَفْسَك أَحْرِزْ، فإنَّ الحُتُوفَ ... يَنْبَأْنَ بالمَرْءِ فِي كلِّ وَادِ وَلَا يُبْنى مِنْهُ فِعْل. وَقَوْلُ الْعَرَبِ: مَاتَ فُلَانٌ حَتْفَ أَن …
- حملي: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل …
- حوالي: الحَوَالِيُّ والحُوَالِيُّ :- من الرجال: المحتالُ الكبير؛ صاحبُنا من كبار الحَواليِّن.