تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار حاتم ونسبه

فيه ١٥٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

ذكر ابن الأعرابيّ، عن المفضل، والأثرم، عن أبي عمرو الشيبانيّ، وابن الكلبيّ، عن أبيه والسكريّ، عن يعقوب بن السّكّيت: أنه حاتم بن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج بن امرىء القيس بن عديّ بن أخزم، بن أبي أخزم، واسمه هزومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيى ء.

وقال يعقوب بن السكيت: إنما سمي هزومة؛ لأنه شجّ أو شجّ؛ وإنما سمي طيّىء طيئا - واسمه جلهمة - لأنّه أول من طوى المناهل، وهو ابن أدد بن زيد بن يشحب بن يعرب بن قحطان. ويكنى حاتم أبا سفّانة، وأبا عديّ؛ كني بذلك بابنته سفّانة، وهي أكبر ولده، وبابنه عديّ بن حاتم. وقد أدركت سفّانة وعديّ الإسلام فأسلما، وأتي بسفّانة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في أسرى طيّىء فمنّ عليها.

أخبرني بذلك أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثني عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدثني سليمان بن الربيع بن هشام الكوفيّ - ووجدته في بعض نسخ الكوفيين: عن سليمان بن الربيع - أتمّ من هذا فنسخته وجمعتهما. قال: حدثنا عبد الحميد بن صالح الموصليّ البرجميّ، قال: حدثنا زكريا بن عبد اللّه بن يزيد الصّهبانيّ، عن أبيه، عن كميل بن زياد النخعيّ، عن عليّ عليه السلام، قال: يا سبحان اللّه! ما أزهد كثيرا من الناس في الخير! عجبت لرجل يجيئه أخوه في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كنّا لا نرجو جنّة، ولا نخاف نارا، ولا ننتظر ثوابا، ولا نخشى عقابا، لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق؛ فإنها تدلّ على سبيل النجاة.

فقام رجل، فقال: فداك أبي وأمّي يا أمير المؤمنين، أسمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم؟ قال: نعم، وما هو خير منه؛ لما أتينا بسبايا طيىء كانت في النساء جارية حمّاء حوراء العينين، لعساء لمياء عيطاء شمّاء الأنف، معتدلة القامة، درماء الكعبين، خدلّجة الساقين، لفّاء الفخذين، خميصة الخصر، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين.

فلما رأيتها أعجبت بها، فقلت: لأطلبنّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليجعلها من فيئي. فلما تكلّمت أنسيت جمالها؛ لما سمعت من فصاحتها، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب الوافد؛ فإن رأيت أن تخلي عنّي، فلا تشمت بي أحياء العرب؛ فإني بنت سيّد قومي، كان أبي يفكّ العاني، ويحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط؛ أنا بنت حاتم طيى ء.

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميّا لترحمنا عليه، خلّوا عنها؛ فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق، واللّه يحبّ مكارم الأخلاق.

وأمّ حاتم عتبة بنت عفيف بن عمرو بن امرىء القيس بن عديّ بن أخزم. وكانت في الجود بمنزلة حاتم، لا تدّخر شيئا ولا يسألها أحد شيئا فتمنعه.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا الحرمازيّ، عن العباسي بن هشام، عن أبيه، قال: كانت عتبة بنت عفيف، وهي أمّ حاتم ذات يسار، وكانت من أسخى الناس، وأقراهم للضيف، وكانت لا تليق شيئا تملكه. فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها، ومنعوها مالها، فمكثت دهرا لا يدفع إليها شيء منه، حتى إذا ظنّوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها صرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن كانت تأتيها في كلّ سنة تسألها، فقالت لها: دونك هذه الصّرمة فخذيها، فو اللّه لقد عضّني من الجوع ما لا أمنع منه سائلا أبدا، ثم أنشأت تقول:

لعمري لقدما عضّني الجوع عضّةفآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللائمي اليوم: أعفنيفإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
للشاعر عِنَبة بنت عفيف أم حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
فماذا عساكم أن تقولوا لأختكمسوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وماذا ترون اليوم إلّا طبيعةفكيف بتركي يابن أمّ الطّبائعا

قال ابن الكلبيّ: وحدثني أبو مسكين قال: كانت سفّانة بنت حاتم من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الصّرمة بعد الصّرمة من إبله، فتنهبها وتعطيها الناس، فقال لها حاتم: يا بنية، إنّ القرينين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فإما أن أعطي وتمسكي، أو أمسك وتعطي؛ فإنه لا يبقى على هذا شيء.

قال ابن الأعرابيّ: كان حاتم من شعراء العرب، وكان جوادا يشبه شعره جوده، ويصدّق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفّرا، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق، وكان يقسم باللّه ألّا يقتل واحد أمّه.

وكان إذا أهلّ الشهر الأصمّ الذي كانت مضر تعظّمه في الجاهلية ينحر في كلّ يوم عشرا من الإبل، فأطعم الناس واجتمعوا إليه، فكان ممّن يأتيه من الشعراء الحطيئة، وبشر بن أبي خازم.

فذكروا أن أمّ حاتم أوتيت وهي حبلى في المنام، فقيل لها: أغلام سمح يقال له: حاتم أحبّ إليك أم عشرة غلمة كالناس، ليوث ساعة البأس، ليسوا بأوغال ولا أنكاس، فقالت: بل حاتم، فولدت حاتما.

فلما ترعرع جعل يخرج طعامه، فإن وجد من يأكله معه أكل، وإن لم يجد طرحه. فلما رأى أبوه أنه يهلك طعامه قال: له الحق بالإبل، فخرج إليها، ووهب له جارية وفرسا وفلوها، فلما أتى الإبل طفق يبغي الناس فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد عليه أحدا.

فبينا هو كذلك إذ بصر بركب على الطريق، فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال: تسألوني عن القرى وقد ترون الإبل؟ وكان الذين بصر بهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبيانيّ؛ وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا بالقرى اللبن، وكانت تكفينا بكرة إذا كنت لا بدّ متكلّفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكني رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرّقة، فظننت أن البلدان غير واحدة؛ فأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها، وذكروا فضله. فقال حاتم: أردت أن أحسن إليكم فكان لكم الفضل عليّ، وأنا أعاهد اللّه أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها أو تقدموا إليها فتقتسموها. ففعلوا، فأصاب الرجل تسعة وتسعين بعيرا، ومضوا على سفرهم إلى النعمان. وإن أبا حاتم سمع بما فعل، فأتاه، فقال له: أين الإبل؟ فقال: يا أبت؛ طوّقتك بها طوق الجمامة مجد الدهر، وكرما لا يزال الرجل يحمل بيت شعر أثنى به علينا عوضا من إبلك.

فلما سمع أبوه ذلك قال: أبإبلي فعلت ذلك! قال: نعم، قال: واللّه لا أساكنك أبدا. فخرج أبوه بأهله، وترك حاتما، ومعه جاريته وفرسه وفلوها، فقال يذكر تحوّل أبيه عنه:

وإني لعفّ الفقر مشترك الغنىوتارك شكل لا يوافقه شكلي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإنّي لَعَفُّ الفَقْرِ، مُشترَكُ الغِنى»
وشكلي شكل لا يقوم لمثلهمن الناس إلّا كلّ ذي نيقة مثلي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإني لعف الفقر مشترك الغنى»
وأجعل مالي دون عرضي جنّةلنفسي وأستغني بما كان من فضلي
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «وإني لعَفُّ مشترك الغنى»
وما ضرّني أن سار سعد بأهلهوأفردني في الدار ليس معي أهلي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإني لعف الفقر مشترك الغنى»
سيكفي ابتنائي المجد سعد بن حشرجوأحمل عنكم كلّ ما ضاع من ثقل
ولي مع بذل المال في المجد صولةإذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل

وهذا شعر يدلّ على أنّ جدّه صاحب هذه القصة معه لا أنها قصة أبيه. وهكذا ذكر يعقوب بن السكيت، ووصف أنّ أبا حاتم هلك وحاتم صغير، فكان في حجر جدّه سعد بن الحشرج، فلما فتح يده بالعطاء وأنهب ماله ضيّق عليه جدّه ورحل عنه بأهله، وخلّفه في داره، فقال يعقوب خاصة: فبينا حاتم يوما بعد أن أنهب ماله وهو نائم إذ انتبه، وإذا حوله مائتا بعير أو نحوها تجول ويحطم بعضها بعضا، فساقها إلى قومه، فقالوا: يا حاتم، أبق على نفسك فقد رزقت مالا، ولا تعودنّ إلى ما كنت عليه من الإسراف، قال: فإنها نهبى بينكم، فانتهبت، فأنشأ حاتم يقول:

تداركني مجدي بسفح متالعفلا ييأسن ذو نومة أن يغنّما

قال: ولم يزل حاتم على حاله في إطعام الطعام وإنهاب ماله حتى مضى لسبيله.

قال ابن الأعرابيّ، ويعقوب بن السكّيت، وسائر من ذكرنا من الرّواه: خرج الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليه الناس كل سنة. وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لأم بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن حبيب بن خارجة بن سعد بن قطنة بن طيىء ربع الطريق طعمة لهم؛ وذلك لأنّ بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عند النعمان، وكانوا أصهاره، فمرّ الحكم بن أبي العاصي بحاتم بن عبد اللّه، فسأله الجوار في أرض طيىء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت، وطبخت أعضاء، فأكلوا، ومع حاتم ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج وهو ابن عمه، فلما فرغوا من الطعام طيّبهم الحكم من طيبة ذلك.

فمرّ حاتم بسعد بن حارثة بن لأم، وليس مع حاتم من بني أبيه غير ملحان، وحاتم على راحلته، وفرسه تقاد، فأتاه بنو لأم فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حيّاكم اللّه، فقالوا: من هؤلاء معك يا حاتم؟ قال: هؤلاء جيراني، قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا؟ قال له: أنا ابن عمّكم وأحقّ من لم تخفروا ذمته، فقالوا: لست هناك. وأرادوا أن يفضحوه كما فضح عامر بن جوين قبله، فوثبوا إليه، فتناول سعد بن حارثة بن لأم حاتما، فأهوى له حاتم بالسيف فأطار أرنبة أنفه، ووقع الشرّ حتى تحاجزوا، فقال حاتم في ذلك:

وددت وبيت اللّه لو أنّ أنفههواء فما متّ المخاط عن العظم
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وددت وبيت الله لو أن أنفه»
ولكنّما لاقاه سيف ابن عمّهفآب ومرّ السّيف منه على الخطم
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وددت وبيت الله لو أن أنفه»

فقالوا لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك ونضع الرّهن، ففعلوا، ووضعوا تسعة أفراس هنا على يدي رجل من كلب يقال له: امرؤ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب، وهو جدّ سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهما، ووضع حاتم فرسه. حتى خرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة، وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائيّ، فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر يقوّيهم بماله وسلطانه؛ للصّهر الذي بينهم وبينه، فجمع إياس رهطه من بني حية، وقال: يا بني حيّة، إنّ هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مجاده، أي مماجدته فقال رجل من بني حية: عندي مائة ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن، على كل حصان منها فارس مدجّج لا يرى منه إلّا عيناه. وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أنّ أبي قد مات وترك كلّا كثيرا، فعليّ كلّ خمر أو لحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة. ثم قام إياس فقال: عليّ مثل جميع ما أعطيتم كلكم.

قال: وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا، وذهب حاتم إلى مالك بن جبار، ابن عمّ له بالحيرة كان كثير المال، فقال: يابن عم، أعنّي على مخايلتي. قال: والمخايلة المفاخرة، ثم أنشد:

يا مال إحدى خطوب الدّهر قد طرقتيا مال ما أنتم عنها بزحزاح
يا مال جاءت حياض الموت واردةمن بين غمر فخضناه وضحضاح
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «يا مال إحدى صروف الدهر قد طرقت»

فقال له مالك: ما كنت لأحرب نفسي ولا عيالي وأعطيك مالي.

فانصرف عنه، وقال مالك في ذلك قوله:

إنّا بنو عمّكم لا أن نباعلكمولا نجاوركم إلّا على ناح
وقد بلوتك إذ نلت الثراء فلمألقك بالمال إلّا غير مرتاح

قال أبو عمرو الشيبانيّ في خبره: ثم أتى حاتم ابن عم له يقال له: وهم ابن عمرو، وكان حاتم يومئذ مصارما له لا يكلّمه، فقالت له امرأته: أي وهم، هذا واللّه أبو سفّانة حاتم قد طلع، فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر، فقالت: ها هو، قال: ويحك هو لا يكلّمني، فما جاء به إليّ؟ فنزل حتى سلّم عليه وردّ سلامه وحيّاه، ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي، قال: في الرّحب والسّعة، هذا مالي - قال: وعدّته يومئذ تسعمائة بعير - فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد. فقالت امرأته: يا حاتم، أنت تخرجنا من مالنا، وتفضح صاحبنا - تعني زوجها - فقال: اذهبي عنك؛ فو اللّه ما كان الذي غمّك ليردّني عما قبلي. وقال حاتم:

إلا أبلغا وهم بن عمرو رسالةفإنك أنت المرء بالخير أجدر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة»
رأيتك أدنى الناس منّا قرابةوغيرك منهم كنت أحبو وأنصر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة»
إذا ما أتى يوم يفرّق بيننابموت فكن يا وهم ذو يتأخّر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة»

ذو في لغة طيىء: الذي.

قالوا: ثم قال إياس بن قبيصة: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه، فقال: أنعم صباحا أبيت اللعن، فقال النعمان: وحيّاك إلهك، فقال إياس: أتمدّ أختانك بالمال والخيل، وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظنّ أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين، ولم يشعروا أنّ بني حيّة بالبلد؛ فإن شئت واللّه ناجزناك حتى يسفح الوادي دما، فليحضروا مجادهم غدا بمجمع العرب.

فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه، فقال له النعمان: يا أحلمنا لا تغضب؛ فإني سأكفيك.

وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه: انظروا ابن عمّكم حاتما، فأرضوه، فو اللّه ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذّرونه، وما أطيق بني حيّة.

فخرج بنو لأم إلى حاتم فقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا، قال: لا واللّه لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم، ويغلب مجادكم. فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم، وقالوا: قبّحها اللّه وأبعدها؛ فإنما هي مقارف، فعمد إليها حاتم، وأطعمها الناس، وسقاهم الخمر، وقال حاتم في ذلك:

أبلغ بني لأم فإنّ خيولهمعقرى وإنّ مجادهم لم يمجد
ها إنّما مطرت سماؤكم دماورفعت رأسك مثل رأس الأصيد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ بني لأم بأن خيولهم»
ليكون جيراني أكالا بينكمنحلا لكنديّ وسبي مزبد
وابن النّجود إذا غدا متلاطماوابن العذوّر ذي العجان الأبرد
ولثابت عيني جذ متماوتوللعمظ أوس قد عوى لمقلد
أبلغ بني ثعل بأني لم أكنأبدا لأفعلها طوال المسند
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ بني لأم بأن خيولهم»
لا جئتهم فلّا وأترك صحبتينهبا ولم تغدر بقائمة يدي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ بني لأم بأن خيولهم»

وخرج حاتم في نفر من أصحابه في حاجة لهم، فسقطوا على عمرو بن أوس بن طريف بن المثنّى بن عبد اللّه بن يشجب بن عبد ودّ في فضاء من الأرض، فقال لهم أوس بن حارثة بن لأم: لا تعجلوا بقتله؛ فإن أصبحتم وقد أحدق الناس بكم استجرتموه، وإن لم تروا أحدا قتلتموه. فأصبحوا وقد أحدق الناس بهم، فاستجاروه فأجارهم، فقال حاتم:

عمرو بن أوس إذا أشياعه غضبوافأحرزوه بلا غرم ولا عار
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «عَمُرو بنُ أوْسٍ، إذا أشياعُهُ غَضِبوا»
إنّ بني عبد ودّ كلّما وقعتإحدى الهنات أتوها غير أغمار
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «عمرو ابن أوس إذا أشياعه غضبو»

أخبرني أحمد بن محمد البزار الأطروش، عن عليّ بن حرب، عن هشام بن محمد، عن أبي مسكين جعفر بن المحرز بن الوليد، عن أبيه، قال: قال الوليد جده، وهو مولى لأبي هريرة: سمعت محرز بن أبي هريرة يتحدّث، قال: كان رجل يقال له أبو الخيبريّ مرّ في نفر من قومه بقبر حاتم، وحوله أنصاب متقابلات من حجارة كأنهنّ نساء نوائح. قال: فنزلوا به، فبات أبو الخيبريّ ليلته كلّها ينادي: أبا جعفر اقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلا؛ ما تكلّم من رمّة بالية! فقال: إنّ طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلّا قراه.

قال: فلما كان من آخر الليل نام أبو الخيبريّ، حتى إذا كان في السّحر وثب فجعل يصيح: وا رحلتاه! فقال له أصحابه: ويلك! ما لك! قال: خرج واللّه حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي، قالوا: كذبت، قال: بلى، فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث، فقالوا: قد واللّه قراك. فظلّوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه، فانطلقوا فساروا ما شاء اللّه، ثم نظروا إلى راكب فإذا هو عديّ بن حاتم راكبا قارنا جملا أسود، فلحقهم، فقال: أيّكم أبو الخيبريّ؟ فقالوا: هو هذا، فقال: جاءني أبي في النوم، فذكر لي شتمك إياه، وأنه قرى راحلتك لأصحابك، وقد قال في ذلك أبياتا، وردّدها حتى حفظتها؛ وهي:

أبا خيبريّ وأنت امرؤظلوم العشيرة شتّامها
فماذا أردت إلى رمّةببادية صخب هامها
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبا الخيبري وأنت امرؤ»
تبغّي أذاها وإعسارهاوحولك غوث وأنعامها
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
وإنّا لنطعم أضيافنامن الكوم بالسّيف نعتامها
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبا الخيبري وأنت امرؤ»

وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه، فأخذه وركبه، وذهبوا.

أغارت طيىء على إبل للنعمان بن الحارث بن أبي شمر الجفنيّ، ويقال: هو الحارث بن عمرو، رجل من بني جفنة، وقتلوا ابنا له. وكان الحارث إذا غضب حلف ليقتلنّ وليسبينّ الذّراريّ، فحلف ليقتلنّ من بني الغوث أهل بيت على دم واحد، فخرج يريد طيئا، فأصاب من بني عديّ بن أخزم سبعين رجلا رأسهم وهم بن عمرو من رهط حاتم - وحاتم يومئذ بالحيرة عند النعمان - فأصابتهم مقدمات خيله. فلما قدم حاتم الجبلين جعلت المرأة تأتيه بالصبيّ من ولدها فتقول: يا حاتم أسر أبو هذا. فلم يلبث إلّا ليلة حتى سار إلى النعمان ومعه ملحان بن حارثة، وكان لا يسافر إلّا وهو معه، فقال حاتم:

ألا إنني قد هاجني الليلة الذّكروما ذاك من حبّ النساء ولا الأشر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا إنني قد هاجني الليلة الذكر»
ولكنه مما أصاب عشيرتيوقومي بأقران حواليهم الصّير

الأقران: الحبال. والصّير: الحظائر، واحدها صيرة.

ليالي نمشي بين جوّ ومسطحنشاوى لنا من كلّ سائمة جزر
فيا ليت خبر الناس حيّا وميّتايقول لنا خيرا ويمضي الذي ائتمر
فإن كان شرّا فالعزاء فإنناعلى وقعات الدّهر من قبلها صبر
سقى اللّه ربّ الناس سحّا وديمةجنوب السّراة من مآب إلى زغر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا إنني قد هاجني الليلة الذكر»
بلاد امرىء لا يعرف الذّمّ بيتهله المشرب الصّافي ولا يطعم الكدر
تذكرت من وهم بن عمرو جلادةوجرأة مغزاه إذا صارخ بكر
فأبشر وقرّ العين منك فإنّنيأحيّي كريما لا ضعيفا ولا حصر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا إنني قد هاجني الليلة الذكر»

فدخل حاتم على النعمان فأنشده، فأعجب به، واستوهبهم منه؛ فوهب له بني امرىء القيس بن عديّ، ثم أنزله فأتي بالطعام والخمر، فقال له ملحان: أتشرب الخمر وقومك في الأغلال؟ قم إليه فسله إياهم، فدخل عليه فأنشده

إنّ امرأ القيس أضحت من صنيعتكموعبد شمس - أبيت اللّعن - فاصطنعوا
إنّ عديّا إذا ملكت جانبهامن أمر غوث على مرأى ومستمع
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن امرأ القيس أضحى من صنيعتكم»
أتبع بني عبد شمس أمر صاحبهمأهلي فداؤك إن ضرّوا وإن نفعوا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن امرأ القيس أضحى من صنيعتكم»
لا تجعلنّا - أبيت اللّعن - ضاحيةكمعشر صلموا الآذان أو جدعوا
أو كالجناح إذا سلّت قوادمهصار الجناح لفضل الرّيش يتّبع
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن امرأ القيس أضحى من صنيعتكم»

فأطلق له بني عبد شمس بن عديّ بن أخزم، وبقي قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضيّ بن مالك بن ذبيان بن عمرو بن ربيعة بن جرول الأجئيّ، وهو من لخم، وأمه من بني عديّ، وهو جدّ الطرماح بن حكيم بن نفر بن قيس بن جحدر، فقال له النعمان: أفبقي أحد من أصحابك؟ فقال حاتم:

فككت عديّا كلّها من إسارهافأفضل وشفّعني بقيس بن جحدر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «فككت عدياَ كلها من إسارها»
أبوه أبي والأمهات أمّهاتنافأنعم فدتك اليوم نفسي ومعشري
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «فككت عدياَ كلها من إسارها»

فقال: هو لك يا حاتم، فقال حاتم:

أبلغ الحارث بن عمرو بأنّيحافظ الودّ مرصد للثّواب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأني»
ومجيب دعاءه إن دعانيعجلا واحدا وذا أصحاب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأننّي»
إنما بيننا وبينك فاعلمسير تسع للعاجل المنتاب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأني»
فثلاث من السّراة إلى الحلّةللخيل جاهدا والرّكاب
وثلاث يوردن تيماء رهواوثلاث يقربن بالأعجاب
فإذا ما مررن في مسبطرّفاجمح الخيل مثل جمح الكعاب

اجمح: ارم بهم كما يرمى بالكعاب، ويقال: إذا انتصب لك أمر فقد جمح.

بينما ذاك أصبحت وهي عضديمن سبيّ مجموعة ونهاب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأني»

عضدى: مكسورة الأعضاء.

ليت شعري متى أرى قبة ذات قلاع للحارث الحرّاب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأني»
بيفاع وذاك منها محلّفوق ملك يدين بالأحساب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأني»
أيها الموعدي فإنّ لبونيبين حقل وبين هضب دباب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبلغ الحارث بن عمرو بأني»
حيث لا أرهب الجراة وحوليثعليّون كاللّيوث الغضاب

وقال حاتم أيضا:

لم تنسني إطلال ماويّة يأسيولا الزمن الماضي الذي مثله ينسي
إذا غربت شمس النهار وردتهاكما يرد الظمآن آتية الخمس
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «لم ينسني أطلال ماوية ناسي»

قال: وكنا عند معاوية، فتذاكرنا ملوك العرب، حتى ذكرنا الزّباء وابنة عفزر، فقال معاوية: إني لأحب أن أسمع حديث ماوية وحاتم، وماوية بنت عفزر، فقال رجل من القوم: أفلا أحدثك يا أمير المؤمنين؟ فقال: بلى، فقال: إنّ ماوية بنت عفزر كانت ملكة، وكانت تتزوج من أرادت، وإنها بعثت غلمانا لها وأمرتهم أن يأتوها بأوسم من يجدونه بالحيرة، فجاءوها بحاتم، فقالت له: استقدم إلى الفراش، فقال: حتى أخبرك، وقعد على الباب، وقال: إني أنتظر صاحبين لي، فقالت: دونك أستدخل المجمر. فقال: استي لم تعوّد المجمر، فأرسلها مثلا.

فارتابت منه، وسقته خمرا ليسكر، فجعل يهريقه بالباب فلا تراه تحت الليل، ثم قال: ما أنا بذائق قرى ولا قارّ حتى أنظر ما فعل صاحباي. فقالت: إنّا سنرسل إليهما بقرّي، فقال حاتم: ليس بنافعي شيئا أو آتيهما. قال: فأتاهما، فقال: أفتكونان عبدين لابنة عفزر، ترعيان غنمها أحبّ إليكما أم تقتلكما؟ فقالا: كلّ شيء يشبه بعضه بعضا، وبعض الشّرّ أهون من بعض، فقال حاتم: الرحيل والنجاة. وقال يذكر ابنة عفزر، وأنه ليس بصاحب ريبة:

حننت إلى الأجبال أجبال طيىءوحنّت قلوصي أن رأت سوط أحمرا
فقلت لها: إنّ الطريق أمامناوإنا لمحيو ربعنا إن تيسّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
فيا راكبي عليا جديلة إنماتسامان ضيما مستبينا فتنظرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
فما نكراه غير أنّ ابن ملقطأراه وقد أعطى الظّلامة أو جرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وإني لمزج للمطيّ على الوجاوما أنا من خلّانك ابنة عفزرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وما زلت أسعى بين ناب ودارةبلحيان حتى خفت أن أتنضّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وحتى حسبت الليل والصبح إذ بداحصانين سيّالين جونا وأشقرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
لشعب من الرّيّان أملك بابهأنادي به آل الكبير وجعفرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
أحبّ إليّ من خطيب رأيتهإذا قلت معروفا تبدل منكرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
تنادي إلى جاراتها: إنّ حاتماأراه لعمري بعدنا قد تغيّرا
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
تغيّرت إني غير آت لريبةولا قائل يوما لذي العرف منكرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
فلا تسأليني واسألي أيّ فارسإذا بادر القوم الكنيف المستّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
ولا تسأليني واسألي أيّ فارسإذا الخيل جالت في قنا قد تكسّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
فلا هي ما ترعى جميعا عشارهاويصبح ضيفي ساهم الوجه أغبرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
متى ترني أمشى بسيفي وسطهاتخفني وتضمر بينها أن تجزّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وإني ليغشى أبعد الحيّ جفنتيإذا ورق الطّلح الطوال تحسّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
فلا تسأليني واسألي به صحبتيإذا ما المطيّ بالفلاة تضوّرا
وإني لوهّاب قطوعي وناقتيإذا ما انتشيت، والكميت المصدّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وإني كأشلاء اللّجام ولن تريأخا الحرب إلّا ساهم الوجه أغبرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّهاوإنّ شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وإني إذا ما الموت لم يك دونهقدى الشّبر أحمى الأنف أن أتأخرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
متى تبغ ودّا من جديلة تلقهمع الشن ء منه باقيا متأثّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
فإلّا يفادونا جهارا نلاقهملأعدائنا ردءا دليلا ومنذرا
إذا حال دوني من سلامان رملةوجدت توالي الوصل عندي أبترا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»

وذكروا أن حاتما دعته نفسه إليها بعد انصرافه من عندها، فأتاها يخطبها فوجد عندها النابغة ورجلا من الأنصار من النّبيت، فقالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم، وليقل كلّ واحد منكم شعرا يذكر فيه فعاله ومنصبه، فإني أتزوّج أكرمكم وأشعركم.

فانصرفوا ونحر كلّ واحد منهم جزورا، ولبست ماوية ثيابا لأمة لها وتبعتهم، فأتت النّبيتيّ فاستطعمته من جزوره فأطعمها ثيل جمله فأخذته، ثم أتت نابغة بني ذبيان فاستطعمته فأطعمها ذنب جزوره فأخذته، ثم أتت حاتما وقد نصب قدره فاستطعمته، فقال لها: قفي حتى أعطيك ما تنتفعين به إذا صار إليك، فانتظرت فأطعمها قطعا من العجز والسنام، ومثلها من المخدش، وهو عند الحارك، ثم انصرفت، وأرسل كلّ واحد منهم إليها ظهر جمله، وأهدى حاتم إلى جاراتها مثل ما أرسل إليها، ولم يكن يترك جاراته إلّا بهدية. وصبّحوها فاستنشدتهم فأنشدها النّبيتيّ:

هلّا سألت النّبيتيّين ما حسبيعند الشتاء إذا ما هبّت الرّيح
وردّ جازرهم حرفا مصرّمةفي الرّأس منها وفي الأصلاء تمليح
وقال رائدهم: سيّان مالهممثلان مثل لمن يرعى وتسريح
إذا اللّقاح غدت ملقى أصرّتهاولا كريم من الولدان مصبوح

فقالت له: لقد ذكرت مجهدة.

ثم استنشدت النابغة، فأنشدها يقول:

هلّا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»
وهبّت الريح من تلقاء ذي أرلتزجي مع الليل من صرّادها الصّرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»
إنّي أتمم أيساري وأمنحهممثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

فلما أنشدها قالت: ما ينفكّ الناس بخير ما ائتدموا.

ثم قالت: يا أخا طيّىء أنشدني، فأنشدها:

أماويّ قد طال التّجنّب والهجروقد عذرتني في طلابكم العذر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماويّ إنّ المال غاد ورائحويبقى من المال الأحاديث والذّكر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماويّ إني لا أقول لسائلإذا جاء يوما: حلّ في مالنا النّذر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماويّ إمّا مانع فمبيّنوإما عطاء لا ينهنهه الزّجر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
إذا أنا دلّاني الذين أحبّهمبملحودة زلج جوانبها غبر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
وراحوا سراعا ينفضون أكفّهميقولون: قد دمّى أنا ملنا الحفر
أماويّ إن يصبح صداي بقفرةمن الأرض لا ماء لديّ ولا خمر
تري أنّ ما أنفقت لم يك ضرّنيوأنّ يدي مما بخلت به صفر
أماويّ إنّي ربّ واحد أمّهأخذت فلا قتل عليه ولا أسر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتماأراد ثراء المال كان له وفر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «علا لك ذكر لا يشابهه ذكر»
فإني لا آلو بمالي صنيعةفأوّله زاد وآخره ذخر
يفكّ به العاني ويؤكل طيّباوما إن تعرّته القداح ولا الخمر
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
ولا أظلم ابن العمّ إن كان إخوتيشهودا وقد أودى بإخوّته الدّهر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
غنينا زمانا بالتّصعلك والغنىوكلّا سقاناه بكأسهما العصر
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة
فما زادنا بغيا على ذي قرابةغنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة
وما ضرّ جارا يابنة القوم فاعلمييجاورني ألّا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلةوفي السّمع منّي عن حديثهم وقر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»

فلما فرغ حاتم من إنشاده دعت بالغداء، وكانت قد أمرت إماءها أن يقدّمن إلى كل رجل منهم ما كان أطعمها، فقدّمن إليهم ما كانت أمرتهنّ أن يقدمنه إليهم، فنكّس النّبيتيّ رأسه والنابغة، فلما نظر حاتم إلى ذلك رمى بالذي قدّم إليهما، وأطعمهما مما قدم إليه، فتسللا لواذا، وقالت: إنّ حاتما أكرمكم وأشعركم.

فلما خرج النّبيتيّ والنابغة قالت لحاتم: خلّ سبيل امرأتك، فأبى، فزوّدته وردّته. فلما انصرف دعته نفسه إليها، وماتت امرأته، فخطبها فتزوّجته، فولدت عديّا.

وقد كان عديّ أسلم وحسن إسلامه، فبلغنا إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له، وقد سأله عديّ: يا رسول اللّه، إن أبي كان يعطي ويحمل، ويوفي بالذّمّة، ويأمر بمكارم الأخلاق؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: إنّ أباك خشبة من خشبات جهنّم.

فكأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم رأى الكآبة في وجهه، فقال له: يا عديّ إنّ أباك وأبي وأبا إبراهيم في النار.

وكانت ماوية عنده زمانا، وإن ابن عمّ لحاتم كان يقال له: مالك قال لها: ما تصنعين بحاتم؟ فو اللّه لئن وجد شيئا ليتلفّنه، وإن لم يجد ليتكلفنّ، وإن مات ليتركنّ ولده عيالا على قومك، فقالت ماوية: صدقت، إنه كذلك.

وكان النساء - أو بعضهنّ - يطلّقن الرجال في الجاهلية، وكان طلاقهن أنهن إن كنّ في بيت من شعر حوّلن الخباء؛ فإن كان بابه قبل المشرق حوّلنه قبل المغرب، وإن كان بابه قبل اليمن حوّلنه قبل الشام؛ فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها. وإن ابن عم حاتم قال لماوية - وكانت أحسن نساء الناس -: طلّقي حاتما، وأنا أنكحك وأنا خير لك منه، وأكثر مالا، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك؛ فلم يزل بها حتى طلّقت حاتما، فأتاها حاتم وقد حوّلت باب الخباء، فقال: يا عديّ، ما ترى أمّك عدي عليها؟ قال: لا أدري، غير أنها قد غيّرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال، فدعاه فهبط به بطن واد، وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، فتوافوا خمسين رجلا، فضاقت بهم ماوية ذرعا، وقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له: إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا خمسين رجلا فأرسل بناب نقرهم ولبن نغبقهم، وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه، وإن ضرب بلحيته على زوره، وأدخل يده في رأسه فاقفلي ودعيه، وإنها لما أتت مالكا وجدته متوسّدا وطبا من لبن وتحت بطنه آخر، فأيقظته فأدخل يده في رأسه وضرب بلحيته على زوره، فأبلغته ما أرسلتها به ماوية، وقالت: إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه.

فقال لها: اقرئي عليها السلام، وقولي لها: هذا الذي أمرتك أن تطلّقي حاتما فيه، فما عندي من كبيرة قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفيّة غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.

فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وما قال؛ فقالت: ائت حاتما فقولي: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك. فأرسل إلينا بناب ننحرها ونقرهم وبلبن نسقهم؛ فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.

فأتت الجارية حاتما فصرخت به.

فقال حاتم: لبيك، قريبا دعوت. فقالت: إنّ ماوية تقرأ عليك السلام وتقول لك: إنّ أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي. ثم قام إلى الإبل فأطلق ثنّيتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء فضرب عراقيبهما، فطفقت ماويّة تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء، فقال حاتم:

هل الدّهر إلّا اليوم أو أمس أو غدكذاك الزمان بيننا يتردّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
يردّ علينا ليلة بعد يومهافلا نحن ما نبقى ولا الدهر ينفد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
لنا أجل إمّا تناهى أمامهفنحن على آثاره نتورّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
بنو ثعل قومي فما أنا مدّعسواهم إلى قوم وما أنا مسند
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
بدرئهم أغشى دروء معاشرويحنف عنّي الأبلخ المتعمّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
فمهلا فداك اليوم أمّي وخالتيفلا يأمرنّي بالدّنية أسود
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
على حين أن ذكيت واشتدّ جانبيأسام التي أعييت إذ أنا أمرد
فهل تركت قبلي حضور مكانها!وهل من أتى ضيما وخسفا مخلّد!
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
ومعتسف بالرّمح دون صحابهتعسّفته بالسّيف والقوم شهّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
فخرّ على حرّ الجبين وذادهإلى الموت مطرور الوقيعة مذود
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
فما رمته حتى أزحت عويصهوحتى علاه حالك اللّون أسود
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
فأقسمت لا أمشي على سرّ جارتييد الدّهر ما دام الحمام يغرّد
ولا أشتري مالا بغدر علمتهألا كلّ مال خالط الغدر أنكد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
إذا كان بعض المال ربّا لأهلهفإنّي بحمد اللّه مالي معبّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
يفكّ به العاني ويؤكل طيّباويعطى إذا ضنّ البخيل المصرّد
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
إذا ما البخيل الخبّ أخمد نارهأقول لمن يصلى بناري: أو قدوا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
توسّع قليلا أو يكن ثمّ حسبناوموقدها البادي أعفّ وأحمد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
كذاك أمور الناس راض دنيّةوسام إلى فرع العلا متورّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
فمنهم جواد قد تلفّت حولهومنهم لئيم دائم الطرف أقود
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»
وداع دعاني دعوة فأجبتهوهل يدع الدّاعين إلا اليلندد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»

أسرت عنزة حاتما، فجعل نساء عنزة يدارئن بعيرا ليفصدنه فضعفن عنه، فقلن: يا حاتم، أفاصده أنت إن أطلقنا يديك؟ قال: نعم. فأطلقن إحدى يديه، فوجأ لبّته فاستدمينه. ثم إنّ البعير عضد، أي لوى عنقه، أي خرّ، فقلن: ما صنعت؟ قال: هكذا فصادتي، فجرت مثلا. قال: فلطمته إحداهنّ، فقال: ما أنتنّ نساء عنزة بكرام، ولا ذوات أحلام. وإن امرأة منهن يقال لها: عاجزة أعجبت به، فأطلقته؛ ولم ينقموا عليه ما فعل، فقال حاتم يذكر البعير الذي فصده:

كذلك فصدي إن سألت مطيّتيدم الجوف إذ كلّ الفصاد وخيم
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «كذلك فصدي إن سألت مطيتي»

أقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتما، فقالوا له: إنّا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا، وقد أرسلوا إليك رسولا برسالة. قال: وما هي؟ فأنشده الأسديّون شعرا لعبيد ولبشر يمدحانه، وأنشد القيسيّون شعرا للنابغة، فلما أنشدوه قالوا: إنا نستحي أن نسألك شيئا، وإن لنا لحاجة، قال: وما هي؟ قالوا: صاحب لنا قد أرجل، فقال حاتم: خذوا فرسي هذه فاحملوا عليها صاحبكم. فأخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت، فاتّبعته الجارية، فقال حاتم: ما تبعكم من شيء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.

وإنهم وردوا على أبي حاتم، فعرف الفرس والفلو، فقال: ما هذا معكم؟ فقالوا: مررنا بغلام كريم فسألناه، فأعطى الجسيم.

قال: وكنا عند معاوية فتذاكرنا الجود، فقال رجل من القوم: أجود الناس حيّا وميتا حاتم، فقال معاوية: وكيف ذلك؛ فإن الرجل من قريش ليعطى في المجلس ما لم يملكه حاتم قطّ ولا قومه، فقال: أخبرك يا أمير المؤمنين، أنّ نفرا من بني أسد مرّوا بقبر حاتم، فقالوا: لنبخّلنّه ولنخبرنّ العرب أنّا نزلنا بحاتم، فلم يقرنا، فجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقري أضيافك! وكان رئيس القوم رجل يقال له: أبا الخيبريّ، فإذا هو بصوت ينادي في جوف الليل:

أبا خيبريّ وأنت امرؤظلوم العشيرة شتّامها

إلى آخرها، فذهبوا ينظرون؛ فإذا ناقة أحدهم تكوس على ثلاثة أرجل عقيرا. قال: فعجب القوم من ذلك جميعا.

وكان أوس بن سعد قال للنعمان بن المنذر: أنا أدخلك بين جبلي طيّىء حتى يدين لك أهلهما، فبلغ ذلك حاتما، فقال:

ولقد بغى بخلاد أوس قومهذلّا وقد علمت بذلك سنبس
حاشا بني عمرو بن سنبس إنهممنعوا ذمار أبيهم أن يدنسوا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ولقد بغى بجلاد أوس قومه»
وتواعدوا ورد القريّة غدوةوحلفت باللّه العزيز لنحبس
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ولقد بغى بجلاد أوس قومه»
واللّه يعلم لو أتى بسلافهمطرف الجريض لظلّ يوم مشكس
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ولقد بغى بجلاد أوس قومه»
كالنار والشّمس التي قالت لهابيد اللّويمس عالما ما يلمس
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
لا تطعمنّ الماء إن أوردتهملتمام ظمئكم ففوزوا واحلسوا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ولقد بغى بجلاد أوس قومه»
أو ذو الحصين وفارس ذو مرّةبكتيبة من يدركوه يفرس
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ولقد بغى بجلاد أوس قومه»
وموطّأ الأكناف غير ملعّنفي الحيّ مشّاء إليه المجلس

قال: وجاور في بني بدر زمن احتربت جديلة وثعل، وكان ذلك زمن الفساد، فقال يمدح بني بدر:

إن كنت كارهة معيشتناهاتي فحلّي في بني بدر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن كنت كارهة معيشتنا»
جاورتهم زمن الفساد فنعم الحيّ في العوصاء واليسر
فسقيت بالماء النّمير ولمينظر إليّ بأعين جزر
الضاربين لدى أعنّتهموالطاعنين وخيلهم تجري
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن كنت كارهة معيشتنا»
الخالطين نحيتهم بنضارهموذوي الغنى منهم بذي الفقر

وزعموا أنّ حاتما خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفّانة؛ أكلني الإسار والقمل، قال: ويلك! واللّه ما أنا في بلاد قومي، وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوّهت باسمي، ومالك مترك. فساوم به العنزيّين فاشتراه منهم، فقال: خلّوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدّي فداءه، ففعلوا، فأتي بفدائه.

وحدّث الهيثم بن عديّ، عمن حدّثه، عن ملحان ابن أخي ماوية امرأة حاتم، قال: قلت لماوية: يا عمّة، حدثيني ببعض عجائب حاتم، فقالت: كلّ أمره عجب، فعن أيّه تسأل؟ قال: قلت: حدّثيني ما شئت، قالت: أصابت الناس سنة، فأذهبت الخفّ والظّلف، فإني وإياه ليلة قد أسهرنا الجوع، قالت: فأخذ عديّا وأخذت سفّانة، وجعلنا نعلّلهما حتى ناما، ثم أقبل عليّ يحدّثني ويعلّلني بالحديث كي أنام، فرققت له لما به من الجهد، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي: أنمت؟ مرارا، فلم أجب، فسكتّ فنظر في فتق الخباء فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة، فقال: ما هذا؟ قالت: يا أبا سفّانة؛ أتيتك من عند صبية يتعاوون كالذئاب جوعا، فقال: أحضريني صبيانك، فو اللّه لأشبعنّهم. قالت: فقمت سريعا فقلت: بماذا يا حاتم! فو اللّه ما نام صبيانك من الجوع إلّا بالتعليل فقال: واللّه لأشبعنّ صبيانك مع صبيانها.

فلما جاءت قام إلى فرسه فذبحها، ثم قدح نارا ثم أجّجها، ثم دفع إليها شفرة، فقال: اشتوي وكلي، ثم قال: أيقظي صبيانك. قالت: فأيقظتهم، ثم قال: واللّه إنّ هذا للؤم؛ تأكلون وأهل الصّرم حالهم مثل حالكم! فجعل يأتي الصّرم بيتا بيتا فيقول: انهضوا عليكم بالنار. قال: فاجتمعوا حول تلك الفرس، وتقنّع بكسائه فجلس ناحية، فما أصبحوا ومن الفرس على الأرض قليل ولا كثير إلّا عظم وحافر، وإنه لأشدّ جوعا منهم، وما ذاقه.

أتى حاتم ومحرّقا فقال له محرّق: بايعني، فقال له: إنّ لي أخوين ورائي، فإن يأذنا لي أبايعك وإلّا فلا، قال: فاذهب إليهما، فإن أطاعاك فأتني بهما، وإن أبيا فأذن بحرب. فلما خرج حاتم قال:

أتاني من الرّيان أمس رسالةوعدوى وغيّ ما يقول مواسل
هما سألاني: ما فعلت؟ وإننيكذلك عما أحدثا أنا سائل
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتاني من الديان أمس رسالة»
فقلت: ألا كيف الزمان عليكما؟فقالا: بخير كلّ أرضك سائل
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتاني من الديان أمس رسالة»

فقال محرّق: ما أخواه؟ قال: طرفا الجبل، فقال: ومحلوفه لأجلّلنّ مواسلا الرّيط مصبوغات بالزّيت، ثم لأشعلنّه بالنار. فقال رجل من الناس: جهل مرتقى بين مداخل سبلّات. فلما بلغ ذلك محرقا قال: لأقدمنّ عليك قريّتك. ثم إنه أتاه رجل، فقال له: إنك إن تقدم القريّة تهلك. فانصرف ولم يقدم.

غزت فزارة طيئا وعليهم حصين بن حذيفة، وخرجت طيىء في طلب القوم، فلحق حاتم رجلا من بدر، فطعنه ثم مضى، فقال: إن مرّ بك أحد فقل له: أنا أسير حاتم. فمرّ به أبو حنبل، فقال: من أنت؟ قال: أنا أسير حاتم. فقال له: إنه يقتلك، فإن زعمت لحاتم أو لمن سألك أنّي أسرتك، ثم صرت في يدي خلّيت سبيلك، فلما رجعوا قال حاتم: يا أبا حنبل خلّ سبيل أسيري، فقال أبو حنبل: أنا أسرته، فقال حاتم: قد رضيت بقوله، فقال: أسرني أبو حنبل، فقال حاتم:

إنّ أباك الجون لم يك غادراألا من بني بدر أتتك الغوائل

صوت

وهاجرة من دون ميّة لم تقلقلوصي بها والجندب الجون يرمح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»
بتيهاء مقفار يكاد ارتكاضهابآل الضّحى والهجر بالطّرف يمصح

- الهجر ها هنا مرفوع بفعله، كأنه قال: يكاد ارتكاضها بالآل يمصح بالطرف، هو والهجر. ويمصح:

يذهب بالطّرف -:

كأنّ الفرند المحض معصوبة بهذرا قورها ينقدّ عنها وينصح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»
إذا ارفضّ أطراف السّياط وهلّلتجروم المهاري عدّ منهنّ صيدح

عروضه من الطويل.

الهاجرة: تكون وقت الزوال. والجندب: الجرادة. والجون: الأسود. والجون: الأبيض أيضا: وهو من الأضداد. وقوله: يرمح، أي ينزو من شدة الحرّ لا يكاد يستقرّ على الأرض. والتّيهاء من الأرض: التي يتاه فيها.

والمقفار: التي لا أحد فيها ولا ساكن بها. ذكر ذلك أبو نصر عن الأصمعيّ. وارتكاضها؛ يعني ارتكاض هذه التّيهاء، وهو نزوها بالآل، والآل: السراب. والهجر والهاجرة واحد. وقوله: الهجر بالطرف يمصح، رفع الهجر بفعله كأنه قال: يكاد ارتكاضها بالآل يمصح بالطرف، هو والهجر. يمصح: يذهب بالطّرف. والفرند: الحرير الأبيض. والمحض: الخالص. يقول: كأن هذا السراب حرير أبيض، وقد عصبت به ذرى قورها، وهي الجبال الصغار والواحدة قارة، فتارة يغطيها وتارة ينجاب عنها وينكشف، فكأنه إذا انكشف عنها ينقدّ عنها، وكأنه إذا غطّاها ينصح عنها؛ أي يخاط. ويقال: نصحت الثوب، إذا خطته، والنّاصح: الخيّاط، والنّصاح: الخيط. وقوله: ارفضّ أطراف السياط، يعني أنها انفتحت أطرافها من طول السفر؛ وأصل الارفضاض التفرّق. والجروم: الأبدان، واحدها جرم، بالكسر. وقوله: هللت جروم المطايا، يعني أنها صارت كالأهلّة في الدّقة. وصيدح: اسم ناقته.

الشعر لذي الرمة، والغناء لإبراهيم الموصليّ ماخوريّ بالوسطى.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»