تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر ذي الرمة وخبره

ديوان ذو الرمةفيه ١٣٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

اسمه غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ملكان بن عديّ بن عبد مناة بن أدّ طابخة بن إلياس بن مضر.

وقال ابن سلّام: هو غيلان بن عقبة بن بهيش بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ملكان.

ويكنى أبا الحارث، وذو الرمة لقب. يقال: لقّبته به ميّة؛ وكان اجتاز بخبائها وهي جالسة إلى جنب أمها فاستسقاها ماء، فقالت لها أمها: قومي فاسقيه. وقيل: بل خرق إداوته لمّا رآها، وقال لها: اخرزي لي هذه، فقالت: واللّه ما أحسن ذلك، فإني لخرقاء. قال: والخرقاء التي لا تعمل بيدها شيئا لكرامتها على قومها، فقال لأمها: مريها أن تسقيني ماء، فقالت لها: قومي يا خرقاء فاسقيه ماء، فقامت فأتته بماء، وكانت على كتفه رمّة؛ وهي قطعة من حبل، فقالت: اشرب يا ذا الرّمّة؛ فلقّب بذلك.

وحكى ابن قتيبة أن هذه القصة جرت بينه وبين خرقاء العامريّة.

وقال ابن حبيب: لقّب ذا الرمة لقوله:

أشعث باقي رمّة التّقليد

وقيل: بل كان يصيبه في صغره فزع، فكتبت له تميمة، فعلّقها بحبل، فلقّب بذلك ذا الرّمّة.

ونسخت من كتاب محمد بن داود بن الجرّاح: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، عن محمد بن صالح العدويّ، عن أبيه، وعن أشياخه، وعدّة من أهل البادية من بني عديّ، منهم زرعة بن أذبول وابنه سليمان وأبو قيس وتميم وغيرهم من علمائهم: أنّ أمّ ذي الرّمة جاءت إلى الحصين بن عبدة بن نعيم العدويّ وهو يقرىء الأعراب بالبادية احتسابا بما يقيم لهم صلاتهم، فقالت له: يا أبا الخليل؛ إن ابني هذا يروّع بالليل، فاكتب لي معاذة أعلّقها على عنقه، فقال لها: ائتيني برقّ أكتب فيه، قالت: فإن لم يكن، فهل يستقيم في غير رقّ أن يكتب له؟ قال: فجيئيني بجلد، فأتته بقطعة جلد غليظ، فكتب له معاذة فيه، فعلّقته في عنقه، فمكث دهرا. ثم إنها مرّت مع ابنها لبعض حوائجها بالحصين وهو جالس في ملأ من أصحابه ومواليه، فدنت منه، فسلّمت عليه، وقالت: يا أبا الخليل، ألا تسمع قول غيلان وشعره؟ قال: بلى. فتقدّم فأنشده، وكانت المعاذة مشدودة على يساره في حبل أسود، فقال الحصين: أحسن ذو الرمة؛ فغلبت عليه.

وقال الأصمعيّ: أمّ ذي الرمة امرأة من بني أسد يقال لها ظبية، وكان له إخوة لأبيه وأمّه شعراء منهم مسعود، وهو الذي يقول يرثي أخاه ذا الرمّة ويذكر ليلى بنته:

إلى اللّه أشكو لا إلى الناس أننيوليلى كلانا موجع مات وافده

صوت

أقول لمسعود بجرعاء مالكوقد همّ دمعي أن تسحّ أوائله
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «عفا الزرق من مي فمحت منازله»
ألا هل ترى الأظعان جاوزن مشرفامن الرمل أو سالت بهنّ سلاسله
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «عفا الزرق من مي فمحت منازله»

غنّى فيه يحيى بن المكيّ ثاني ثقيل بالوسطى، على مذهب إسحاق من رواية عمرو.

ومسعود الذي يقول يرثي أخاه أيضا ذا الرمّة، ويرثي أوفى بن دلهم ابن عمه، وأوفى هذا أحد من يروى عنه الحديث.

وقال هارون بن الزيات: أخبرني ابن حبيب، عن ابن الأعرابيّ، قال: كان لذي الرمة إخوة ثلاثة: مسعود، وجرفاس، وهشام، كلّهم شعراء، وكان الواحد منهم يقول الأبيات فيبني عليها ذو الرمة أبياتا أخر، فينشدها الناس، فيغلب عليها لشهرته وتنسب إليه:

نعى الركب أوفى حين آبت ركابهملعمري لقد جاءوا بشرّ فأوجعوا
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
نعوا باسق الأخلاق لا يخلفونهتكاد الجبال الصّمّ منه تصدّع
خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهمفأضحى بأوفى قومه قد تضعضعوا
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاء وجفن العين ملآن مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
ولم تنسني أوفى المصيبات بعدهولكن نكاء القرح بالقرح أوجع

وأخوه الآخر هشام، وهو ربّاه، وكان شاعرا. ولذي الرمّة يقول:

أغيلان إن ترجع قوى الودّ بيننافكلّ الذي ولّى من العيش راجع
فكن مثل أقصى الناس عندي فإننيبطول التّنائي من أخي السوء قانع

وقال ذو الرمة لهشام أخيه:

أغرّ هشاما من أخيه ابن أمّهقوادم ضأن أقبلت وربيع
وهل تخلف الضأن الغزار أخا النّدىإذا حلّ أمر في الصّدور فظيع

فأجابه هشام فقال:

إذا بان مالي من سوامك لم يكنإليك وربّ العالمين رجوع
فأنت الفتى ما اهتزّ في الزّهر النّدىوأنت إذا اشتدّ الزمان منوع

وذكر المهلّبيّ عن أبي كريمة النجويّ، قال: خرج ذو الرمّة يسير مع أخيه مسعود بأرض الدّهناء، فسنحت لهما ظبية، فقال ذو الرمة:

أقول لدهناوية عوهج جرتلنا بين أعلى برقة بالصّرائم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا اليوم حتى تسلما»
أبا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النّقا آأنت أم أمّ سالم!

وقال مسعود:

فلو تحسن التشبيه والنعت لم تقللشاة النّقا آأنت أم أمّ سالم
جعلت لها قرنين فوق قصاصهاوظلفين مسودّين تحت القوائم

وقال ذو الرمة:

هي الشّبه لولا مذرواها وأذنهاسواء ولولا مشقة في القوائم

وكان ذو الرمّة كثيرا ما يأتي الحضر فيقيم بالكوفة والبصرة، وكان طفيليّا.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثني الحسن بن عليّ، قال: حدثني ابن سعيد الكنديّ، قال: سمعت ابن عيّاش يقول: حدثني من رأى ذا الرمّة طفيليّا يأتي العرسات.

نسخت من كتاب محمد بن داود بن الجرّاح: حدثني هارون بن الزيات، قال: أخبرني محمد بن صالح العدويّ، قال: قال زرعة بن أذبول: كان ذو الرمّة مدوّر الوجه، حسن الشّعرة جعدها، أقنى، أنزع، خفيف العارضين، أكحل، حسن الضحك، مفوّها، إذا كلمك كلّمك أبلغ الناس، يضع لسانه حيث يشاء.

أنهم رأوا ذا الرمّة باليمامة عند المهاجر بن عبد اللّه شيخا أجنأ سناطا متساقطا.

وقال هارون بن الزيات: حدثني عليّ بن أحمد الباهليّ، قال: حدثني ربيح النميريّ، قال: اجتمع الناس مرة وتحلّقوا على ذي الرمة، وهو ينشدهم، فجاءت أمه فاطّلعت من بينهم فإذا رجل قاعد وهو ذو الرمة. وكان دميما شختا أجنأ فقالت أمه: استمعوا إلى شعره، ولا تنظروا إلى وجهه.

قال هارون: وأخبرني يعقوب بن السكّيت، عن أبي عدنان، قال: أخبرني أسيد الغنويّ، قال: سمعت بباديتنا من قوم هضبوا في الحديث أنّ ذا الرّمّة كان ترعيّة، وكان كناز اللحم مربوعا قصيرا، وكان أنفه ليس بالحسن.

أخبرني ابن عمّار، عن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، عن صالح بن سليمان قال: كان الفرزدق وجرير يحسدان ذا الرمّة، وأهل البادية يعجبهم شعره.

قال: وكان صالح بن سليمان راوية لشعر ذي الرمّة، فأنشد يوما قصيدة له، وأعرابيّ من بني عديّ يسمع، فقال: أشهد عنّك - أي أنّك - لفقيه تحسن ما تتلوه، وكان يحسبه قرآنا.

نسخت من كتاب محمد بن داود: وحدثني هارون بن الزيات، عن محمد بن صالح العدويّ، قال: قال حمّاد الراوية: قال الكميت حين سمع قول ذي الرمة:

أعاذل قد أكثرت من قول قائلوعيب على ذي الودّ لوم العواذل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

هذا واللّه ملهم، وما علم بدويّ بدقائق الفطنة وذخائر كنز العقل المعدّ لذوي الألباب! أحسن ثم أحسن.

قال محمد بن صالح: وحدثني محمد بن كناسة بذلك عن الكميت، وقال: لما أنشده قوله في هذه القصيدة:

دعاني وما داعي الهوى من بلادهاإذا ما نأت خرقاء عنّي بغافل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

فقال الكميت: للّه بلاد هذا الغلام! ما أحسن قوله! وما أجود وصفه! ولقد شفع البيت الأول بمثله في جودة الفهم والفطنة، وقال قول مستسلم.

قال ابن كناسة: وقال لي حمّاد الراوية: ما أخّر القوم ذكره إلّا لحداثة سنّه، وأنهم حسدوه.

قال محمد بن صالح: وقال لي خالد بن كلثوم وأبو عمرو: قال أبو حزام وأبو المطرّف: لم يكن أحد من القوم في زمانه أبلغ من ذي الرمة، ولا أحسن جوابا؛ كان كلامه أكثر من شعره.

وقال الأصمعيّ: ما أعلم أحدا من العشّاق الحضريّين وغيرهم شكا حبّا أحسن من شكوى ذي الرمّة، مع عفّة وعقل رصين.

قال: وقال أبو عبيدة: ذو الرمة يخبر فيحسن الخبر، ثم يردّ على نفسه الحجّة من صاحبه فيحسن الردّ، ثم يعتذر فيحسن التخلص، مع حسن إنصاف وعفاف في الحكم.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أبو أيوب المدينيّ، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق الهاشميّ، عن مولّى لجدّه، قال: رأيت ذا الرمة بسوق المربد، وقد عارضه رجل يهزأ به، فقال له: يا أعرابيّ، أتشهد بما لم تر؟ قال: نعم، قال: بماذا؟ قال: أشهد أنّ أباك ناك أمّك.

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: حدثني عمّي عبيد اللّه، عن ابن حبيب، عن عمارة بن عقيل، قال: كان جرير عند بعض الخلفاء، فسأله عن ذي الرمّة، فقال: أخذ من طريف الشعر وحسنه ما لم يسبقه إليه أحد غيره.

أخبرني وكيع، عن حماد بن إسحاق، قال: قال حماد الراوية: قدم علينا ذو الرمة الكوفة، فلم أر أفصح ولا أعلم بغريب منه.

نسخت من كتاب ابن النطّاح: حدثني أبو عبيدة، عن أبي عمرو، قال: ختم الشّعر بذي الرمة، وختم الرّجز برؤبة.

قال: فما تقول في هؤلاء الذين يقولون؟ قال: كلّ على غيرهم؛ إن قالوا حسنا فقد سبقوا إليه، وإن قالوا قبيحا فمن عندهم.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، عن المدائنيّ، عن بعض أصحابه، عن حمّاد الرّاوية، قال: أحسن الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، وذو الرمة أحسن أهل الإسلام تشبيها.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ، عن عمه عبيد اللّه، عن ابن حبيب، عن عمارة بن عقيل: أنّ جريرا والفرزدق اتّفقا عند خليفة من خلفاء بني أميّة، فسأل كلّ واحد منهما على انفراد عن ذي الرمة، فكلاهما قال: أخذ من طريف الشعر وحسنه ما لم يسبقه إليه غيره، فقال الخليفة: أشهد لاتفاقكما فيه أنه أشعر منكما جميعا.

أخبرني جحظة، عن حماد بن إسحاق، قال: حدثني أبي قال: أنشد الصّيقل شعر ذي الرمة فاستحسنه، وقال: ما له قاتله اللّه! ما كان إلّا ربيقة، هلّا عاش قليلا!.

وقال هارون بن محمد: أخبرني عليّ بن أحمد الباهليّ، قال: حدثني محمد بن إسحاق البلخيّ، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن شبرمة، قال: سمعت ذا الرمة يقول: إذا قلت: كأنّه، ثم لم أجد مخرجا فقطع اللّه لساني.

قال هارون: وحدثني العباس بن ميمون طائع، قال: قال الأصمعيّ: كان ذو الرمّة أشعر الناس إذا شبّه، ولم يكن بالمفلق.

وحدثني أبو خليفة، عن محمد بن سلّام، قال: كان لذي الرمة حظّ في حسن التشبيه لم يكن لأحد من الإسلاميين، كان علماؤنا يقولون: أحسن الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، وأحسن أهل الإسلام تشبيها ذو الرّمة.

أخبرني محمد بن يزيد قال: حدثنا حماد، عن أبيه، عن أبي عقيل عمارة بن عقيل، عن عمته أم القاسم ابنة بلال بن جرير، عن جارية كانت لأم ميّ، قالت: كنا نازلين بأسفل الدهناء، وكان رهط ذي الرّمة مجاورين لنا، فجلست مية - وهي حينئذ فتاة حين نهد ثدياها أحسن من رأيته - تغسل ثيابا لها ولأمها في بيت منفرد، وكان بيتا رثّا قد أخلق، ففيه خروق، فلما فرغت ولبست ثيابها جاءت فجلست عند أمها، فأقبل ذو الرّمة حتى دخل إلينا، ثم سلّم، ونشد ضالّة وجلس ساعة ثم خرج.

فقالت مية: إني لأرى هذا العدويّ قد رآني منكشفة واطلع عليّ من حيث لا أدري؛ فإنّ بني عديّ أخبث قوم في الأرض، فاذهبي فقصّي أثره، فخرجت فوجدته ما يثبت مقامه، فقصصت أثره ثانية حتى رأيته وقد تردد أكثر من ثلاثين طرقة، كل ذلك يدنو فيطّلع إليها، ثم يرجع على عقبيه، ثم يعود فيطلع إليها، فأخبرتها بذلك، ثم لم تنشب أن جاءنا شعره فيها من كل وجه ومكان.

وذكر عليّ بن سعيد بن بشر الرازيّ: أن هارون بن مسلم بن سعد حدّثه عن حسين بن براق الأسديّ، عن عمارة بن ثقيف، قال: حدثني ذو الرّمة أنّ أول ما قاد المودّة بينه وبين ميّة أنه خرج هو وأخوه وابن عمه في بغاء إبل لهم، قال: بينا نحن نسير إذ وردنا على ماء وقد أجهدنا العطش، فعدلنا إلى حواء عظيم، فقال لي أخي وابن عمي: ائت الحواء فاستسق لنا، فأتيته وبين يديه في رواقه عجوز جالسة. قال: فاستسقيت، فالتفتت وراءها فقالت: يا ميّ، اسقي هذا الغلام، فدخلت عليها فإذا هي تنسج علقة لها، وهي تقول:

يا من يرى برقا يمرّ حينازمزم رعدا وانتحى يمينا
كأنّ في حافاته حنيناأو صوت خيل ضمّر يردينا

قال: ثم قامت تصبّ في شكوتي ماء، وعليها شوذب لها، فلما انحطّت على القربة رأيت مولّى لم أر أحسن منه، فلهوت بالنظر إليها، وأقبلت تصبّ الماء في شكوتي والماء يذهب يمينا وشمالا. قال: فأقبلت عليّ العجوز «وقالت: يا بنيّ ألهتك ميّ عما بعثك أهلك له، أما ترى الماء يذهب يمينا وشمالا!» فقلت: أما واللّه ليطولنّ هيامي بها.

قال: وملأت شكوتي، وأتيت أخي وابن عمي، ولففت رأسي، فانتبذت ناحية، وقد كانت ميّ قالت: لقد كلّفك أهلك السّفر على ما أرى من صغرك وحداثة سنك، فأنشأت أقول:

قد سخرت أخت بني لبيدمنّي ومن سلم ومن وليد
رأت غلامي سفر بعيديدّرعان اللّيل ذا السّدود
مثل ادّراع اليلمق الجديد

قال: وهي أول قصيدة قلتها ثم أتممتها:

هل تعرف المنزل بالوحيد

ثم مكثت أهيم بها في ديارها عشرين سنة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن النوفليّ، قال: سمعت أبي يقول: ضاف ذو الرّمة زوج ميّ في ليلة ظلماء، وهو طامع في ألّا يعرفه زوجها، فيدخله بيته، فيراها ويكلّمها، ففطن له الزّوج وعرفه فلم يدخله، وأخرج إليه قراه، وتركه بالعراء، وقد عرفته ميّة؛ فلما كان في جوف الليل تغني غناء الرّكبان قال:

أراجعة يا ميّ أيامنا الألىبذي الأثل أم لا، ما لهنّ رجوع!

فغضب زوجها، وقال: قومي فصيحي به: يا بن الزانية، وأيّ أيام كانت لي معك بذي الأثل! فقالت: يا سبحان اللّه، ضيف، والشاعر يقول! فانتضى السيف، وقال: واللّه لأضربنّك به حتى آتي عليك أو تقولي، فصاحت به كما أمرها زوجها، فنهض على راحلته، فركبها وانصرف عنها مغضبا يريد أن يصرف مودّته عنها إلى غيرها.

فمرّ بفلج في ركب، وبعض أصحابه يريد أن يرقع خفّه، فإذا هو بجوار خارجات من بيت يردن آخر، وإذا خرقاء فيهنّ - وهي امرأة من بني عامر - فإذا جارية حلوة شهلاء، فوقعت عين ذي الرّمة عليها، فقال لها: يا جارية، أترقعين لهذا الرجل خفّه؟ فقالت تهزأ به: أنا خرقاء لا أحسن أن أعمل؛ فسمّاها خرقاء، وترك ذكر ميّ؛ يريد أن يغيظ بذلك ميّا. فقال فيها قصيدتين أو ثلاثا، ثم لم يلبث أن مات.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد، عن الأصمعيّ، عن عمارة بن عقيل، قال: قال جرير: خرجت مع المهاجر بن عبد اللّه إلى حجّة، فلقينا ذا الرّمة، فاستنشده المهاجر فأنشده:

ومن حاجتي لولا التّنائي وربّمامنحت الهوى من ليس بالمتقارب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا بارك الله»
عطابيل بيض من ربيعة عامرعذاب الثنايا مثقلات الحقائب
يقظن الحمى والرّمل منهنّ محضرويشربن ألبان الهجان النجائب

فالتفت إليّ المهاجر، وقال: أتراه مجنونا!.

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنا أبو البيداء الرّياحيّ، قال: قال جرير: قاتل اللّه ذا الرمّة حيث يقول:

ومنتزع من بين نسعيه جرّةنشيج الشّجا جاءت إلى ضرسه نزرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»

أما واللّه لو قال: «ما بين جنبيه» لما كان عليه من سبيل.

أخبرني الطوسيّ وحبيب المهلبيّ، عن ابن شبّة، عن أبي غزالة، عن هشام بن محمد الكلبيّ، عن رجل من كندة، قال: سئل جرير عن شعر ذي الرمة فقال: بعر ظباء، ونقط عروس، يضمحلّ عن قليل.

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلّام، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعر ذي الرّمة نقط عروس يضمحل عن قليل وأبعار لها مشمّ في أول شمّة، ثم تعود إلى أرواح البعر.

قال أبو زيد بن شبة: قال أبو عبيدة: وقف الفرزدق على ذي الرمّة وهو ينشد قصيدته (الحائية) التي يقول فيها:

إذا ارفضّ أطراف السّياط وهلّلتجروم المطايا عذّبتهنّ صيدح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

فقال ذو الرمة: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: أسمع حسنا، قال: فما لي لا أعدّ في الفحول من الشعراء؟

قال: يمنعك من ذلك ويباعدك ذكرك الأبعار وبكاؤك الديار، ثم قال:

ودوّيّة لو ذو الرّميمة رامهالقصّر عنها ذو الرّميم وصيدح
قطعت إلى معروفها منكراتهاإذا اشتدّ آل الأمعز المتوضّح

وقال عمر بن شبّة في هذا الخبر: فقام إليه ذو الرمة فقال: أنشدك اللّه أبا فراس أن تزيد عليهما شيئا، فقال: إنهما بيتان، ولن أزيد عليهما شيئا.

قال: وكان عمر بن شبة يقول عمن أخبره عن أبي عمرو: إنما شعره نقط عروس تصمحل عمّا قليل، وأبعار ظباء لها مشمّ في أول شمها، ثم تعود إلى أرواح الأبعار.

وكان هوى ذي الرّمّة مع الفرزدق على جرير؛ وذلك لما كان بين جرير وابن لجأ التّيميّ، وتيم وعديّ أخوان من الرّباب، وعكل أخوهم، ولذلك يقول جرير لعكل.

فلا يضغمنّ الليث عكلا بغرّةوعكل يشمّون الفريس المنيّبا
للشاعر جرير، من قصيدة «لقد هتف اليوم الحمام ليطربا»

الفريس ها هنا ابن لجأ، وكذلك يفعل السبع إذا ضغم شاة ثم طرد عنها، أو سبقته، أقبلت الغنم تشمّ موضع الضّغم، فيفترسها السبع، وهي تشم، ولذلك قال جرير لبني عديّ:

وقلت نضاحة لبني عديّثيابكم ونضح دم القتيل

يحذّر عديّا ما لقي ابن لجأ.

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلام أنّ أبا يحيى الضبيّ قال: قال ذو الرمّة يوما: لقد قلت أبياتا إنّ لها لعروضا وإن لها لمرادا ومعنى بعيدا. قال له الفرزدق: ما هي؟ قال: قلت:

أحين أعاذت بي تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليماني من الغمد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»
ومدّت بضبعيّ الرّباب ومالكوعمرو وشالت من ورائي بنو سعد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
ومن آل يربوع زهاء كأنّهزها اللّيل محمود النّكاية والرّفد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»

فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك، قال: واللّه لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلّا لك؛ فهي قصيدة الفرزدق التي يقول فيها:

وكنّا إذا القيسيّ نبّ عتودهضربناه فوق الأنثيين على الكرد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»

- الأنثيان: الأذنان. والكرد: العنق -.

وروى هذا الخبر حمّاد عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن الضحاك الفقيميّ قال: بينا أنا بكاظمة وذو الرمّة ينشد قصيدته التي يقول فيها:

أحين أعاذت بي تميم نساءها

إذا راكبان قد تدلّيا من نقب كاظمة مقنّعان فوقفا، فلما فرغ ذو الرمّة حسر الفرزدق عن وجهه وقال لراويته: يا عبيد، اضمم إليك هذه الأبيات. قال له ذو الرمة: نشدتك اللّه يا أبا فراس! فقال له: أنا أحقّ بها منك، وانتحل منها هذه الأربعة الأبيات.

حدّثنا محمد، قال: حدثنا أبو الغرّاف، قال: مرّ ذو الرمّة بمنزل لامرىء القيس بن زيد مناة يقال له: مرأة، به نخل، فلم ينزلوه ولم يقروه، فقال:

نزلنا وقد طال النهار وأوقدتعلينا حصى المعزاء شمس تنالها
أنخنا فظلّلنا بأبراد يمنةعتاق وأسياف قديم صقالها
فلما رآنا أهل مرأة أغلقوامخادع لم ترفع لخير ظلالها
وقد سمّيت باسم امرىء القيس قريةكرام صواديها لئام رجالها

فلجّ الهجاء بين ذي الرّمة وبين هشام المرئيّ، فمرّ الفرزدق بذي الرمة وهو ينشد:

صوت

وقفت على ربع لميّة ناقتيفما زلت أبكي عنده وأخاطبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»
وأسقيه حتى كاد مما أبثّهتكلّمني أحجاره وملاعبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

غنّى فيه إبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، وسيأتي خبره بعد؛ لئلا ينقطع هذا الخبر.

فقال له الفرزدق: ألهاك البكاء في الديار، والعبد يرتجز بك في المقابر، يعني هشاما.

وكان ذو الرّمّة مستعليا هشاما حتى لقي جرير هشاما، فقال: غلبك العبد، يعني ذا الرّمة، قال: فما أصنع يا أبا حزرة، وأنا راجز وهو يقصّد، والرّجز لا يقوم للقصيد في الهجاء؟ ولو رفدتني، فقال جرير - لتهمته ذا الرّمّة بالميل إلى الفرزدق -: قل له:

غضبت لرجل من عديّ تشمّسواوفي أيّ يوم لم تشمّس رجالها
وفيم عديّ عند تيم من العلاوأيامنا اللّاتي تعدّ فعالها
للشاعر جرير، من قصيدة «عجبت لرحل من عدي مشمس»
وضبّة عميّ يابن جلّ فلا ترممساعي قوم ليس منك سجالها
يماشي عديّا لؤمها، لا تجنّهمن الناس ما مسّت عديّا ظلالها
فقل لعديّ تستعن بنسائهاعليّ فقد أعيا عديّا رجالها
للشاعر جرير، من قصيدة «عجبت لرحل من عدي مشمس»
أذا الرّمّ قد قلّدت قومك رمّةبطيئا بأمر المطلقين انحلالها
للشاعر جرير، من قصيدة «عجبت لرحل من عدي مشمس»

قال أبو عبد اللّه: فحدثني أبو الغرّاف، قال: لما بلغت الأبيات ذا الرمة قال: واللّه ما هذا بكلام هشام، ولكنه كلام ابن الأتان.

أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا ابن سلّام، قال: وحدثني أبو البيداء قال: لما سمعها قال: هو واللّه ينتمي شعر حنظليّ عذريّ، وغلب هشام على ذي الرمّة بها.

نسخت من كتاب ابن النطّاح: حدثني أبو عبيدة، قال: حدثني فلان المرئيّ، قال: أتانا جرير على حمار، وأنا لا أعرفه، فأتي بنبيذ فشرب، فلما أخذ فيه قال: أين هشام؟ فدعي، فقال له: أنشدني ما قلت في ذي الرمّة، فأنشده، فجعل كلما أنشده قصيدة قال: لم تصنع شيئا، ثم قال له: قد دنا رواحي فاردد هذه الأبيات ومر شبّانكم بروايتها، وذكر الأبيات التي أولها قوله: غضبت لرجل من تميم تشمّسوا

قال: فغلبه هشام بها، فلما كان بعد ذلك لقي ذو الرّمة جريرا فقال: تعصّبت على خالك للمرئيّ. فقال جرير: حيث فعلت ماذا؟ قال: حين تقول للمرئيّ كذا وكذا، فقال جرير: لأنك ألهاك البكاء في دارميّة حتى استقبحته محارمك.

قال: وقول ذي الرمّة: تعصّبت على خالك، أنّ النّوار بنت جلّ أمّ حنظلة بن مالك، وهي من رهط ذي الرّمة، وكذلك عنى جرير بقوله:

ولو لا أن تقول بنو عديّألم تك أمّ حنظلة النّوار
أتتكم يا بني ملكان منّيقصائد لا تعاورها البحار

فقال ذو الرّمة: لا، ولكن اتهمتني بالميل مع الفرزدق عليك، قال: كذلك هو، قال: فو اللّه ما فعلت، وحلف له بما يرضيه، قال: فأنشدني ما هجوت به المرئيّ، فأنشده قوله:

نبت عيناك عن طلل بحزوىعفته الريح وامتضح القطارا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «نبت عيناك عن طلل بحزوى»

فأطال جدّا، فقال له جرير: ما صنعت شيئا، أفأرفدك؟ قال: نعم، قال: قل:

يعدّ الناسبون إلى تميمبيوت المجد أربعة كبارا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «نبت عيناك عن طلل بحزوى»
يعدّون الرّباب وآل سعدوعمرا ثم حنظلة الخيارا
ويهلك بينها المرئيّ لغواكما ألغيت في الدّية الحوارا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «نبت عيناك عن طلل بحزوى»

(ويروى: ويذهب بينها).

فغلبه ذو الرّمة بها.

قال: حدثني محمد بن عمر الجرجانيّ، قال: حدثني جماعة من أهل العلم أنّ ذا الرّمّة مرّ بالفرزدق فقال له: أنشدني أحدث ما قلت في المرئيّ، فأنشده هذه الأبيات، فأطرق الفرزدق ساعة، ثم قال: أعد، فأعاد، فقال: كذبت وايم اللّه، ما هذا لك، ولقد قاله أشدّ لحيين منك، وما هذا إلّا شعر ابن الأتان.

فلما سمعها المرئيّ جعل يلطم رأسه، ويصرخ ويدعو بويله، ويقول: قتلني جرير، قتله اللّه! هذا واللّه شعره الذي لو نقطت منه نقطة في البحر لكدّرته، قتلني، وفضحني.

فلما استعلى ذو الرمة على هشام أتى هشام وقومه جريرا فقالوا: يا أبا حزرة، عادتك الحسنى، فقال: هيهات، ظلمت أخوالي، قد أتاني ذو الرّمة، فاعتذر إليّ، وحلف فلست أعين عليهم.

فلما يئسوا من عنده أتوا لهذا المكاتب وقد طلع بمكاتبته، فأعطوه عشرة أعنز، وأعانوه على مكاتبته، فقال أبياتا عينيّة يفضّل فيها بني امرىء القيس على بني عديّ، وهشاما على ذي الرمّة، ومات ذو الرمّة في تلك الأيام، فقال الناس: غلبه هشام.

قال ابن النّطاح: إنما مات ذو الرمة بعقب إرفاد جرير إيّاه على المرئيّ، فقال الناس: غلبه، ولم يغلبه؛ إنما مات قبل الجواب.

أخبرني اليزيديّ، عن محمد بن الحسن الأحول، عن بعض أصحابه، عن الشّبو بن قسيم العذريّ، قال: سمعت ذا الرمّة يقول: من شعري ما طاوعني فيه القول وساعدني، ومنه ما أجهدت نفسي فيه، ومنه ما جننت به جنونا؛ فأما ما طاوعني القول فيه فقولي:

خليليّ عوجا من صدور الرّواحل

وأما ما أجهدت نفسي فيه فقولي:

أأن توسّمت من خرقاء منزلة

أما ما جننت به جنونا فقولي: ما بال عينك منها الدّمع ينسكب

أخبرني عليّ بن سليمان، عن محمد بن يزيد، عن عمارة بن عقيل، قال: كان جرير يقول: ما أحببت أن ينسب إليّ من شعر ذي الرمة إلا قوله:

ما بال عينك منها الماء ينسكب

فإن شيطانه كان له فيها ناصحا.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: قال حمّاد الراوية: ما تمم ذو الرمة قصيدته التي يقول فيها:

ما بال عينك منها الماء ينسكب

حتى مات، كان يزيد فيها منذ قالها حتى توفّي.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد، عن أبي عدنان، قال: أخبرنا جابر بن عبد اللّه بن جامع بن جرموز الباهليّ، عن كثير بن ناجية، قال: بينا ذو الرمة ينشد بالمربد والناس مجتمعون إليه، إذا هو بخيّاط يطالعه، ويقول: يا غيلان

أأنت الذي تستنطق الدار واقفامن الجهل هل كانت بكنّ حلول؟

فقام ذو الرمّة وفكّر زمانا، ثم عاد فقعد في المربد ينشد، فإذا الخياط قد وقف عليه، ثم قال:

أأنت الذي شبّهت عنزا بقفرةلها ذنب فوق استها أمّ سالم؟
وقرنان إمّا يلزقا بك يتركابجنبيك يا غيلان مثل المواسم
جعلت لها قرنين فوق شواتهاورابك منها مشقة في القوائم

فقام ذو الرمة فذهب، ولم ينشد بعدها في المربد حتى مات الخياط. قال: وأراد الخياط بقوله هذا قول ذي الرمة:

أقول لدهناويّة عوهج جرتلنا بين أعلى برقة في الصّرائم
أيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النّقا آأنت أم أمّ سالم؟
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا اليوم حتى تسلما»
هي الشّبه لولا مدرياها وأذنهاسواء وإلّا مشقة في القوائم

فانتبه ذو الرّمة لذلك، فقال:

أقول بذي الأرطى عشيّة أرشقتإلى الرّكب أعناق الظّباء الخواذل
لأدماء من آرام بين سويقةوبين الجبال العفر ذات السّلاسل
أرى فيك من خرقاء يا ظبية اللّوىمشابه جنّبت اعتلاق الحبائل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»
فعيناك عيناها وجيدك جيدهاولونك لولا أنها غير عاطل

في البيتين الأخيرين من هذه الأبيات رمل بالوسطى لإبراهيم.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكريّ، عن يعقوب بن السكّيت، عن محمد بن سلّام، عن أبي الغرّاف، قال: قال ذو الرمة لرؤبة: ما عنى الراعي بقوله:

أناخا بأسوأ الظّنّ ثمّت عرّساقليلا وقد أبقى سهيل فعرّدا

فجعل رؤبة يقول: هي كذا هي كذا، لأشياء لا يقبلها ذو الرمّة، فقال له رؤبة: فمه؟ ويحك! قال: هي الأرض بين المكلئة وبين المجدبة.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبي عدنان، عن إبراهيم بن نافع: أن الفرزدق دخل على الوليد بن عبد الملك أو غيره، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قال: أفتعلم أحدا أشعر منك؟ قال: لا، إلّا أن غلاما من بني عديّ بن كعب يركب أعجاز الإبل، وينعت الفلوات. ثم أتاه جرير فسأله، فقال له مثل ذلك. ثم أتاه ذو الرمة فقال له: ويحك! أنت أشعر الناس، قال: لا، ولكن غلام من بني عقيل يقال له: مزاحم: يسكن الرّوضات يقول وحشيّا من الشعر لا نقدر على أن نقول مثله.

قال: وكان ذو الرمة يتشبّب بميّ بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، وكانت كثيرة أمة مولّدة لآل قيس بن عاصم، وهي أم سهم بن بردة اللص الذي قتله سنان بن مخيّس القشيريّ أيام محمد بن سليمان، فقالت كثيرة:

على وجه ميّ مسحة من ملاحةوتحت الثياب الخزي لو كان باديا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمهولو كان لون الماء في العين صافيا

ونحلتها ذا الرّمة، فامتعض من ذلك، وحلف بجهد أيمانه ما قالها.

قال: وكيف أقول هذا وقد قطعت دهري، وأفنيت شبابي أشبّب بها وأمدحها، ثم أقول هذا، ثم اطّلع على أنّ كثيرة قالتهما، ونحلتهما إياه.

وقال هارون بن محمد: حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه، قال: حدثني هارون بن سعيد، قال: حدثني أبو المسافر الفقعسيّ، عن أبي بكر بن جبلة الفقعسيّ، قال: وقف ذو الرمة في ركب معه على ميّة، فسلّموا عليها، فقالت: وعليكم إلّا ذا الرمة، فأحفظه ذلك وغمّه ما سمع منها بحضرة القوم؛ فغضب وانصرف وهو يقول:

أيا ميّ قد أشمتّ بي ويحك العداوقطّعت حبلا كان يا ميّ باقيا
فياميّ لا مرجوع للوصل بينناولكنّ هجرا بيننا وتقاليا
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمهوإن كان لون الماء في العين صافيا

أخبرني الحسن بن عليّ الأدميّ، عن ابن مهرويه، عن ابن النطّاح، عن محمد بن الحجاج الأسيديّ من بني أسيد بن عمرو بن تميم، قال: مررت على ميّة وقد أسنّت، فوقفت عليها وأنا يومئذ شابّ فقلت: يا ميّة! ما أرى ذا الرمة إلّا قد ضيّع فيك قوله حيث يقول:

صوت

أما أنت عن ذكراك ميّة مقصرولا أنت ناسي العهد منها فتذكر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أما أنت عن ذكراك مية مقصر»
تهيم بها ما تستفيق ودونهاحجاب وأبواب وستر مستّر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أما أنت عن ذكراك مية مقصر»

قال: فضحكت وقالت: رأيتني يا بن أخي وقد ولّيت وذهبت محاسني، ويرحم اللّه غيلان؛ فلقد قال هذا فيّ وأنا أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة في عين المقرور، ولن تبرح حتى أقيم عندك عذره، ثم صاحت: يا أسماء، اخرجي؛ فخرجت جارية كالمهاة ما رأيت مثلها، فقالت: أما لمن شبّب بهذه وهويها عذر؟ فقلت: بلى، فقالت: واللّه لقد كنت أزمان كنت مثلها أحسن منها، ولو رأيتني يومئذ لازدريت هذه ازدراءك إياي اليوم، انصرف راشدا.

في هذين البيتين لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.

أخبرني أبو خليفة، قال: قال محمد بن سلام: قال أبو سوّار الغنويّ: رأيت ميّة وإذا معها بنون لها صغار، فقلت: صفها لي، فقال: مسنونة الوجه، طويلة الخد، شمّاء الأنف، عليها وسم جمال، فقالت: ما تلقّيت بأحد من بنيّ هؤلاء إلّا في الإبل، قلت: أفكانت تنشدك شيئا مما قاله ذو الرمّة فيها؟ قال: نعم، كانت تسحّ سحّا، ما رأى أبوك مثله.

فأمّا ابن قتيبة فقال في خبره: مكثت ميّة زمانا لا ترى ذا الرمّة، وهي تسمع مع ذلك شعره، فجعلت للّه عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رجلا دميما أسود، وكانت من أجمل الناس قالت: واسوأتاه! وابؤساه واضيعة بدنتاه! فقال ذو الرمة:

على وجه ميّ مسحة من ملاحةوتحت الثياب الشّين لو كان باديا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

قال: فكشفت ثوبها عن جسدها، ثم قالت: أشينا ترى لا أمّ لك! فقال:

ألم تر أنّ الماء يخبث طعمهوإن كان لون الماء أبيض صافيا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

فقالت: أمّا ما تحت الثياب فقد رأيته وعلمت أن لا شين فيه، ولم يبق إلا أن أقول لك: هلمّ، حتى تذوق ما وراءه، وو اللّه لا ذقت ذاك أبدا، فقال:

فيا ضيعة الشّعر الذي لجّ فانقضىبميّ ولم أملك ضلال فؤاديا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حبذا أهل الملا غير أنه»

قال: ثم صلح الأمر بينهما بعد ذلك، فعاد لما كان عليه من حبّها.

وذكر محمد بن عليّ بن حفص الجبيريّ الحنفيّ - من ولد أبي جبيرة - أنّ النّوار بنت عاصم المنقرية - وأمّها ميّة صاحبة ذي الرمة - أخبرته، وقد ذكر عندها ذا الرمة، وأنشدها قوله في أمها:

هي البرء والأسقام والهمّ والمنىوموت الهوى في القلب مني المبرّح
وكان الهوى بالنأي يمحى فيمّحيوحبّك عندي يستجدّ ويربح

يربح، أي يزيد الربح. هكذا ذكره الأصمعيّ.

إذا غيّر النأي المحبّين لم أجدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

فلما سمعت قوله: إذا غيّر النّأي المحبّين…

قالت: قبّحه اللّه، هو الذي يقول أيضا:

على وجه ميّ مسحة من ملاحةوتحت الثياب الشّين لو كان باديا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

فقلت لها: أكانت ميّة جدّتك؟ قالت: لا، بل أمّي، فقلت لها: كم تعدّين؟ قالت: ستين سنة.

أخبرني الحسين بن يحيى، قال حماد: قرأت على أبي، عن محمد بن سلام، قال: كانت ميّ صاحبة ذي الرمة من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، وكانت لها بنت عم من ولد قيس يقال لها: كثيرة أم سلهمة، فقالت على لسان ذي الرمة:

على وجه ميّ مسحة من ملاحة

الأبيات. فكان ذو الرمة إذا ذكر له ذلك يمتعض منه، ويحلف أنه ما قالها قطّ.

أخبرني بهذا الخبر أبو خليفة، عن محمد بن سلام، عن أبي الغرّاف الضبيّ بمثله، وقال فيه: إن كثيرة مولاة لهم، وهي أمّ سلهمة اللص الذي قتلته خيل محمد بن سليمان، واللّه أعلم.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب المهلبيّ، عن ابن شبّة، عن المدائنيّ، عن سلمة، عن محارب، قال: كان ذو الرمّة يقرأ ويكتب ويكتم ذلك، فقيل له: كيف تقول: عزيز ابن اللّه أو عزيز بن اللّه؟ فقال: أكثرهما حروفا.

أخبرني إبراهيم بن أيّوب، عن عبد اللّه بن مسلم، قال: قال عيسى بن عمر: قال لي ذو الرمة: ارفع هذا الحرف، فقلت له: أتكتب؟ فقال بيده على فيه: اكتم عليّ فإنه عندنا عيب.

أخبرني ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعيّ، عن محمد بن أبي بكر المخزوميّ، قال: قال رؤبة: كما قلت شعرا سرقه ذو الرمّة، فقيل له: وما ذاك؟ قال: قلت:

حيّ الشهيق ميّت الأنفاس

فقال هو:

يطرحن بالمهارق الأغفالكلّ جهيض لثق السّربال
حيّ الشهيق ميّت الأوصال

فقلت له: فقوله واللّه أجود من قولك، وإن كان سرقه منك، فقال: ذلك أغمّ لي.

أخبرني ابن عبد العزيز عن ابن شبّة قال: قيل لذي الرمة: إنما أنت راوية الراعي. فقال: أما واللّه لئن قيل ذاك ما مثلي ومثله إلّا شابّ صحب شيخا، فسلك به طرقا ثم فارقه، فسلك الشابّ بعده شعابا وأودية لم يسلكها الشيخ قطّ.

أخبرني محمد بن أحمد بن الطّلّاس، عن الخراز عن المدائنيّ، وأخبرني به إبراهيم بن أيوب، عن عبد اللّه بن مسلم، عن ابن أخي الأصمعيّ، عن عمه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قال: إنما وضع من ذي الرمة أنه كان لا يحسن أن يهجو ولا يمدح، وقد مدح بلال بن أبي بردة فقال:

رأيت الناس ينتجعون غيثافقلت لصيدح: انتجعي بلالا

فلما أنشده قال له: أو لم ينتجعني غير صيدح؟ يا غلام، أعطه حبل قتّ لصيدح، فأخجله.

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلّام قال: حدثني أبو الغرّاف قال: عاب الحكم بن عوانة الكلبيّ ذا الرمة في بعض قوله فقال فيه:

فلو كنت من كلب صميما هجوتكمجميعا ولكن لا إخالك من كلب
ولكنما أخبرت أنك ملصقكما ألصقت من غيرها ثلمة القعب
تدهدى فخرّت ثلمة من صميمهفكيف بأخرى بالغراء وبالشّعب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد خفق النسران والنجم بازل»

أخبرني أبو خليفة، عن ابن سلّام قال: وحدثني أبو الغرّاف قال: دخل ذو الرمّة على بلال بن أبي بردة، وكان بلال راوية فصيحا أديبا، فأنشده بلال أبيات حاتم طيّىء قال:

لحا اللّه صعلوكا مناه وهمّهمن العيش أن يلقى لبوسا ومطعما
يرى الخمس تعذيبا وإن نال شبعةيبت قلبه من شدّة الهمّ مبهما

هكذا أنشد بلال، فقال ذو الرمة: يرى الخمص تعذيبا، وإنما الخمس للإبل، وإنما هو خمص البطن، فمحك بلال - وكان محكا - وقال: هكذا أنشدنيه رواة طيّى ء، فردّ عليه ذو الرمة، فضحك، ودخل أبو عمرو بن العلاء، فقال له بلال: كيف تنشدهما؟ وعرف أبو عمرو الذي به فقال: كلا الوجهين جائز، فقال: أتأخذون عن ذي الرمة؟ فقال: إنه لفصيح وإنا لنأخذ عنه بتمريض. وخرجا من عنده، فقال ذو الرمة لأبي عمرو: واللّه لولا أني أعلم أنك حطبت في حبله وملت مع هواه لهجوتك هجاء لا يقعد إليك اثنان بعده.

نسخت من كتاب محمد بن داود بن الجرّاح: حدثني هارون بن محمد الزيات، قال: حدثني حمّاد بن إسحاق عن عمارة بن عقيل، قال: قيل لبلال بن جرير: أيّ شعر ذي الرمة أجود؟ فقال:

هل حبل خرقاء بعد اليوم مرموم

إنها مدينة الشعر.

حدثنا أبو خليفة، عن ابن سلّام، قال: كان ذو الرمة من جرير والفرزدق بمنزلة قتادة من الحسن وابن سيرين، كان يروي عنهما ويروي عن الصحابة، وكذلك ذو الرمّة، هو دونهما ويساويهما في بعض شعره.

أخبرني الجوهريّ قال: حدثنا ابن شبّة، عن ابن معاوية، قال: قال حماد الراوية: قدم علينا ذو الرمة الكوفة فلم نر أحسن ولا أفصح ولا أعلم بغريب منه؛ فغمّ ذلك كثيرا من أهل المدينة، فصنعوا له أبياتا وهي قوله:

رأى جملا يوما ولم يك قبلهامن الدّهر يدري كيف خلق الأباعر
فقال: شظايا مع ظبايا ألا لناوأجفل إجفال الظّليم المبادر
فقلت له: لا ذهل ملكيل بعد ماملا نيفق التّبّان منه بعاذر

قال: فاستعادها مرتين أو ثلاثا، ثم قال: ما أحسب هذا من كلام العرب.

أخبرني أبو الحسن الأسديّ، عن العباس بن ميمون طائع، قال: حدثنا أبو عثمان المازنيّ، عن الأصمعيّ، عن عنبسة النحويّ، قال: قلت لذي الرمة وسمعته ينشد ويقول:

وعينان قال اللّه كونا فكانتافعولين بالألباب ما تفعل الخمر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا دار مي على البلي»

قال: فقلت له: فهلّا قلت: فعولان؟ فقال: لو قلت: سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، كان خيرا لك؛ أي أنك أردت القدر، وأراد ذو الرمة كونا فعولين بالألباب، وأراد عنبسة: وعينان فعولان.

وروى هذا الخبر ابن الزيّات، عن محمد بن عبادة، عن الأصمعيّ، عن العلاء بن أسلم، فذكر مثله.

وحكى أن إسحاق بن سويد المعارض له قال: وأخبرني الأخفش، قال: حدثني محمد بن يزيد النحويّ، قال: حدثني عبد الصمد بن المعذّل، قال: حدثني أبي، عن أبيه قال: قدم ذو الرمّة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائيّة، حتى أتى على قوله:

إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

فناداه ابن شبرمة: يا غيلان، أراه قد برّح. فشنق ناقته، وجعل يتأخّر بها ويفكر. ثم عاد فأنشد قوله:

إذا غيّر النّأي المحبين لم أجد

قال: فلما انصرفت حدّثت أبي، فقال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرّمّة ما أنشد، وأخطأ ذو الرّمّة حين غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا مثل قول اللّه عز وجل: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها

وإنما معناه لم يرها ولم يكد.

أخبرني الجوهريّ، عن ابن شبرمة، عن يحيى بن نجيم قال: قال رؤبة لبلال بن أبي بردة: علام تعطي ذا الرمة؟ فو اللّه إنه ليعمد إلى مقطّعاتنا فيصلها فيمدحك بها، فقال: واللّه لو لم أعطه إلا على تأليفه لأعطيته، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

أخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثنا عمر بن شبّة، حدثنا إسحاق الموصليّ، عن الأصمعيّ، قال: قال رجل: رأيت ذا الرّمة بمربد البصرة وعليه جماعة مجتمعة وهو قائم، وعليه برد قيمته مائتا دينار، وهو ينشد، ودموعه تجري على لحيته:

ما بال عينك منها الماء ينسكب

فلما انتهى إلى قوله:

تصغي إذا شدّها بالكور جانحةحتى إذا ما استوى في غرزها تثب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

قلت: يا أخا بني تميم، ما هكذا قال عمّك، قال: وأيّ أعمامي يرحمك اللّه؟ قلت: الراعي، قال: وما قال؟

قال: قلت: قوله:

ولا تعجل المرء قبل الوروك وهي بركبته أبصر
للشاعر الراعي النميري، اقرأ القصيدة
وهيّ إذا قام في غرزهاكمثل السفينة إذا توقر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «تغير قومي ولا أسخر»
ومصغية خدّها بالزّمام فالرأس منها له أصعر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «تغير قومي ولا أسخر»
حتى إذا ما استوى طبّقتكما طبّق المسحل الأغبر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «تغير قومي ولا أسخر»

قال: فأرتج عليه ساعة، ثم قال: إنه نعت ناقة ملك ونعتّ ناقة سوقة. فخرج منها على رؤوس الناس.

قأما السبب بين ذي الرمة وخرقاء فقد اختلف فيه الرواة؛ فقيل: إنه كان يهواها، وقيل: بل كاد بها ميّة، وقيل: بل كانت كحّالة فداوت عينه فشبّب بها.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن النوفليّ، عن أبيه: أن زوج ميّة أمرها أن تسبّ ذا الرمة غيرة عليها، فامتنعت، فتوعّدها بالقتل، فسبّته فغضب، وشبّب بخرقاء العامريّة؛ يكيد ميّة بذلك، فما قال فيها إلّا قصيدتين أو ثلاثا حتى مات.

أخبرني حبيب بن نصر، عن ابن شبة، عن العتبيّ، عن هارون بن عتبة قال: شبّب ذو الرمّة بخرقاء العامرية بغير هوى؛ وإنما كانت كحّالة فداوت عينه من رمد كان بها فزال، فقال لها: ما تحبّين حتى أعطيك؟ فقالت: عشرة أبيات تشبّب بي؛ ليرغب الناس فيّ إذا سمعوا أنّ في بقية للتشبيب، ففعل.

أخبرنا أبو خليفة، عن ابن سلّام، قال: كان ذو الرمة شبّب بخرقاء إحدى نساء بني عامر بن ربيعة، وكانت تحلّ فلجا، ويمرّ بها الحاجّ، فتقعد لهم وتحادثهم وتهاديهم، وكانت تجلس معها فاطمة بنتها - فحدثني من رآهما - فلم تكن فاطمة مثلها، وكانت تقول: أنا منسك من مناسك الحج؛ لقول ذي الرمّة فيها:

تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللّثام
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تمام الحج أن تقف المطايا»

قال ابن سلّام في خبره: وأرسلت خرقاء إلى القحيف العقيليّ تسأله أن يشبب بها فقال:

صوت

لقد أرسلت خرقاء نحوي جريهالتجعلني خرقاء فيمن أضلّت
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة
وخرقاء لا تزداد إلّا ملاحةولو عمّرت تعمير نوح وجلّت
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

حدثني حبيب بن نصر، عن الزّبير، عن موهوب بن رشيد، عمّن حدثه، قال: نزل ركب بأبي خرقاء العامريّة، فأمر لهم بلبن فسقوه، وقصّر عن شابّ منهم، فأعطته خرقاء صبوحها وهي لا تعرفه، فشربه، ومضوا فركبوا، فقال لها أبوها: أتعرفين الرجل الذي سقيته صبوحك؟ قالت: لا واللّه، قال: هو ذو الرمة القائل فيك الأقاويل، فوضعت يدها على رأسها، وقالت: وا سوأتاه وابؤساه! ودخلت بيتها، فما رآها أبوها ثلاثا.

حدثني إبراهيم بن أيوب، عن ابن قتيبة، قال: قال الضبيّ: كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوما: هل لك إلى أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمّة؟

فقلت: إن فعلت فقد بررت. فتوجهنا جميعا نريدها، فعدل بي عن الطريق قدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر، فاستفتح بيتا ففتح له، وخرجت امرأة طويلة حسنة بها قوّة، فسلّمت وجلست، فتحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قطّ؟ قلت: غير مرة. قالت: فما منعك من زيارتي؟ أما علمت أنّي منسك من مناسك الحج؟ قلت: وكيف ذاك؟ قالت: أما سمعت قول ذي الرمة:

تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللّثام
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تمام الحج أن تقف المطايا»

أخبرني وكيع، عن أبي أيوب المدائنيّ عن مصعب الزبيريّ، قال: شبّب ذو الرمة بخرقاء ولها ثمانون سنة.

قال هارون بن الزيات: حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن إبراهيم، عن محمد بن يعقوب، عن أبيه قال: رأيت خرقاء بالبصرة وقد ذهبت أسنانها، وإنّ في ديباجة وجهها لبقيّة، فقلت: أخبريني عن السبب بينك وبين ذي الرمّة، فقالت: اجتاز بنا في ركب ونحن عدّة جوار على بعض المياه، فقال: أسفرن، فسفرن غيري، فقال: لئن لم تسفري لأفضحنّك، فسفرت، فلم يزل يقول حتى أزيد، ثم لم أره بعد ذلك.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدثنا الزّبير بن بكار قال: حدثني موهوب بن رشيد، قال: حدثني جدّي، قال: كنت مع خرقاء ذي الرمة إذ نزل ببابها ركب من بني تميم فأمر لهم بلبن فسقوه، وقصر اللبن عن شاب منهم، فأمرت له خرقاء بغبوقها، فلما أن رحل عنهم الركب قال لها أبوها: يا خرقاء أتعرفين من سقيت غبوقك اليوم؟

قالت: لا واللّه ما أعرفه، قال: ذاك ذو الرمة، فوضعت يدها على رأسها وقالت: وا سوأتاه! ودخلت خدرها.

قال الزبير: وحدثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ، قال: حدثنا أبو الشّبل المعديّ قال: كانت خرقاء البكائيّة أصبح من القبس، وبقيت بقاء طويلا حتى شبّب بها القحيف العقيليّ.

أخبرنا أبو الحسن الأسديّ، عن أحمد بن سليمان، عن أبي شيخ، عن أبيه، عن عليّ بن صالح بن سليمان، عن صباح بن الهذيل أخي زفر بن الهذيل، قال: خرجت أريد الحجّ، فمررت بالمنزل الذي تنزله خرقاء، فأتيتها، فإذا امرأة جزلة، عندها سماطان من الأعراب تحدّثهم وتناشدهم، فسلّمت فردّت، ونسبتني، فانتسبت لها وهي تنزلني، حتى انتسبت إلى أبي، فقالت: حسبك أكرمت ما شئت، ما اسمك؟ قلت: صباح، قالت: وأبو من؟ قلت: أبو المغلّس، قالت: أخذت أول الليل وآخره، قال: فما كان لي همّة إلّا الذّهاب عنها.

نسخت من كتاب محمد بن صالح بن النطّاح: حدثني محمد بن الحجاج الأسديّ التميميّ - وما رأيت تميميا أعلم منه - قال: حججت فلما صرت بمرّان منصرفا، فإذا أنا بغلام أشعث الذّؤابة قد أورد غنيمات له فجئته فاستنشدته، فقال لي: إليك عنّي، فإني مشغول عنك. وألححت عليه فقال: أرشدك إلى ما بعض ما تحبّ، انظر إلى ذلك البيت الذي يلقاك فإن فيه حاجتك، هذا بيت خرقاء ذي الرمة؛ فمضيت نحوه فطوّحت بالسلام من بعيد، فقالت: ادنه، فدنوت، فقالت: إنك لحضريّ، فمن أنت؟ قلت: من بني تميم - وأنه أحسب أنها لا معرفة لها بالناس - قالت: من أيّ تميم، فأعلمتها، فلم تزل تنزلني حتى انتسبت إلى أبي، فقالت: الحجاج بن عمير بن يزيد؟ قلت: نعم، قالت: رحم اللّه أبا المثنّى! قد كنّا نرجو أن يكون خلفا من عمير بن يزيد، قلت: نعم، فعاجلته المنيّة شابّا، قالت: حيّاك اللّه يا بنيّ وقرّبك، من أين أقبلت؟ قلت: من الحج. قالت: فما لك لم تمرّ بي وأنا أحد مناسك الحج؟ إنّ حجّك ناقص، فأقم حتى تحجّ أو تكفّر بعتق. قلت: وكيف ذلك؟ قالت: أما سمعت قول غيلان عمّك:

تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللّثام
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تمام الحج أن تقف المطايا»

قال: وكانت وهي قاعدة بفناء البيت كأنها قائمة من طولها، بيضاء شهلاء، فخمة الوجه. قال: فسألتها عن سنّها، فقالت: لا أدري إلّا أني كنت أذكر شمر بن ذي الجوشن حين قتل الحسين عليه السلام، مرّ بنا وأنا جارية ومعه كسوة فقسّمها في قومه، قالت: وكان أبي قد أدرك الجاهلية وحمل فيها حمالات، قال: ولما أنشدتني خرقاء بيت ذي الرّمة فيها قلت: هيهات يا عمّة، قد ذهب ذلك منك، قالت: لا تقل يا بنيّ، أما سمعت قول قحيف فيّ:

وخرقاء لا تزداد إلّا ملاحةولو عمّرت تعمير نوح وجلّت
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

ثم قالت: رحم اللّه ذا الرمة؛ فقد كان رقيق البشرة، عذب المنطق، حسن الوصف، مقارب الرّصف، عفيف الطّرف، فقلت لها: لقد أحسنت الوصف، فقالت: هيهات أن يدركه وصف، رحمه اللّه، ورحم من سمّاه اسمه.

فقلت: ومن سمّاه؟ قالت: سيد بني عديّ الحصين بن عبدة بن نعيم، ثم أنشدتني لنفسها في ذي الرمة:

لقد أصبحت في فرعي معدّمكان النّجم في فلك السماء
إذا ذكرت محاسنه تدرّتبحار الجود من نحو السماء
حصين شاد بإسمك غير شكّفأنت غياث محل بالفناء
إذا ضنّت سحابة ماء مزنتثّجّ بحار جودك بارتواء
لقد نصرت باسمك أرض قحطكما نثرت عديّ بالثّراء

فقلت: أحسنت يا خرقاء، فهل سمع ذلك منك ذو الرمة؟ قالت: إي وربي، قلت: فماذا قال؟ قالت: قال: شكر اللّه لك يا خرقاء نعمة ربّيت شكرها من ذكرها، فقالت: أثقلنا حقّها، ثم قالت: اللهم غفرا، هذا في اللفظ، ونحتاج إلى العمل.

أخبرني جحظة، عن حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن ابن كناسة، عن خيثم بن حجّيّة العجليّ، قال: حدثني رجل من بني النجار، قال: خرجت أمشي في ناحية البادية، فمررت على فتاة قائمة على باب بيت فقمت أكلّمها فنادتني عجوز من ناحية الخباء: ما يقيمك على هذا الغزال النّجديّ؟ فو اللّه ما تنال خيرا منه ولا ينفعك، قال: وتقول هي: دعيه يا أمّاه يكن كما قال ذو الرمة:

وإن لم يكن إلّا معرّس ساعةقليلا فإني نافع لي قليلها

فسألت عنهما، فقيل لي: العجوز خرقاء ذي الرمة والفتاة بنتها.

وتوفي ذو الرمة في خلافة هشام بن عبد الملك، وله أربعون سنة. وقد اختلفت الرواة في سبب وفاته.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السّكّريّ، عن يعقوب بن السّكيت: أنه بلغ أربعين سنة، وفيها توفي، وهو خارج إلى هشام بن عبد الملك، ودفن بحزوى، وهي الرملة التي كان يذكرها في شعره.

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثني ابن أبي عديّ قال: قال ذو الرمة: بلغت نصف الهرم وأنا ابن أربعين سنة.

قال ابن سلّام: وحدثني أبو الغرّاف أنه مات وهو يريد هشاما، وقال في طريقه في ذلك:

بلاد بها أهلون لست ابن أهلهاوأخرى بها أهلون ليس بها أهل

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك: حدثني القاسم بن محمد الأسديّ، قال: حدثني جبر بن رياط قال: أنشد ذو الرمة الناس شعرا له، وصف فيه الفلاة بالثّعلبية، فقال له حلبس الأسديّ: إنك لتنعت الفلاة نعتا لا تكون منيّتك إلا بها.

قال: وصدر ذو الرمة على أحد جفري بني تميم وهما على طريق الحاجّ من البصرة، فلما أشرف على البصرة قال:

وإنّي لعاليها وإني لخائفلما قال يوم الثّعلبيّة حلبس
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وإني لعاليها وإني لخائف»

قال: ويقال: إن هذا آخر شعر قاله. فلما توسّط الفلاة نزل عن راحلته فنفرت منه، ولم تكن تنفر منه، وعليها شرابه وطعامه، فلما دنا منها نفرت حتى مات، فيقال: إنه قال عند ذلك:

ألا أبلغ الفتيان عنّي رسالةأهينوا المطايا هنّ أهل هوان
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا أبلغ الفتيان عني رسالة»
فقد تركتني صيدح بمضلّةلساني ملتاث من الطّلوان
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا أبلغ الفتيان عني رسالة»

قال هارون: وأخبرني أحمد بن محمد الكلابيّ بهذه القصة، وذكر أن ناقته وردت على أهله في مياههم، فركبها أخوه، وقصّ أثره، حتى وجده ميّتا وعليه خلع الخليفة، ووجد هذين البيتين مكتوبين على قوسه.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، عن الرّياشيّ، عن الأصمعيّ، عن أبي الوجيه، قال: دخلت على ذي الرمة وهو يجود بنفسه، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: أجدني واللّه أجد ما لا أجد أيام أزعم أني ما لم أجد حيث أقول:

كأنّي غداة الزّرق يا ميّ مدنفيجود بنفس قد أحمّ حمامها
حذار اجتذام البين أقران نيّةمصاب ولو عات الفؤاد انجذامها

قال: وكان آخر ما قاله:

يا ربّ قد أشرفت نفسي وقد علمتعلما يقينا لقد أحصيت آثاري
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا رب قد أشرفت نفسي وقد علمت»
يا مخرج الرّوح من جسمي إذا احتضرتوفارج الكرب زحزحني عن النّار
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا رب قد أشرفت نفسي وقد علمت»

قال أبو الوجيه: وكانت منيّته هذه في الجدريّ، وفي ذلك يقول:

ألم يأتها أنّي تلبّست بعدهامفوّفة صوّاغها غير أخرق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تعصي الإله وأنت تظهر حبه»

نسخت من كتاب هارون بن الزيات: حدثني عبد الوهاب بن إبراهيم الأزديّ، قال: حدثني جهم بن مسعدة، قال: حدثني محمد بن الحجاج الأسديّ، عن أبيه، قال: وردت حجرا وذو الرمة به، فاشتكى شكايته التي كانت منها منيّته، وكرهت أن أخرج حتى أعلم بما يكون في شكاته، وكنت أتعهّده، وأعوده في اليوم واليومين، فأتيته يوما وقد ثقل، فقلت: يا غيلان، كيف تجدك؟

فقال: أجدني واللّه يا أبا المثنى اليوم في الموت، لا غداة أقول:

كأني غداة الزّرق يا ميّ مدنفيكيد بنفس قد أحمّ حمامها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «مررنا على دار لمية مرة»

فأنا واللّه الغداة في ذلك، لا تلك الغداة.

قال هارون بن الزيات: حدثني موسى بن عيسى الجعفريّ، قال: أخبرني أبي قال: أخبرني رجل من بني تميم، قال: كانت ميتة ذي الرمة أنه اشتكى النّوطة فوجعها دهرا، فقال في ذلك:

ألفت كلاب الحيّ حتى عرفننيومدّت نساج العنكبوت على رحلي

قال: ثم قال لمسعود أخيه: يا مسعود، قد أجدني تماثلت وخفّت الأشياء عندنا، واحتجنا إلى زيارة بني مروان، فهل لك بنا فيهم؟ فقال: نعم، فأرسله إلى إبله يأتيه منها بلبن يتزوده، وواعده مكانا، وركب ذو الرمة ناقته فقمصت به، وكانت قد أعفيت من الركوب، وانفجرت النّوطة التي كانت به. قال: وبلغ موعد صاحبه وجهد وقال: أردنا شيئا وأراد اللّه شيئا، وإن العلّة التي كانت بي انفجرت. فأرسل إلى أهله فصلّوا عليه، ودفن برأس حزوى، وهي الرملة التي كان يذكرها في شعره.

نسخت من كتاب عبيد اللّه بن محمد اليزيديّ: قال أبو عبيدة وذكر هارون بن الزيات، عن محمد بن عليّ بن المغيرة، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن المنتجع بن نبهان قال: لما احتضر ذو الرمة قال: إني لست ممن يدفن في الغموض والوهاد، قالوا: فكيف نصنع بك ونحن في رمال الدهناء؟ قال: فأين أنتم من كثبان حزوى؟ - قال: وهما رملتان مشرفتان على ما حولهما من الرمال - قالوا: فكيف نحفر لك في الرمل وهو هائل؟ قال: فأين الشجر والمدر والأعواد؟ قال: فصلّينا عليه في بطن الماء، ثم حملنا له الشجر والمدر على الكباش، وهي أقوى على الصّعود في الرمل من الإبل. فجعلوا قبره هناك وزبّروه بذلك الشجر والمدر، ودلّوه في قبره، فأنت إذا عرفت موضع قبره رأيته قبل أن تدخل الدهناء، وأنت بالدّوّ على مسيرة ثلاث.

قال هارون: وحدثني محمد بن صالح العدويّ، قال: ذكر أبو عمرو المراديّ: إن قبر ذي الرمة بأطراف عناق من وسط الدّهناء مقابل الأواعس، وهي أجبل شوارع يقابلن الصّريمة صريمة النّعام، وهذا الموضع لبني سعد ويختلط معهم الرّباب.

قال هارون: وحدثني هارون بن مسلم، عن الزّياديّ، عن العلاء بن برد، قال: ما كان شيء أحبّ إلى ذي الرمة إذا ورد ماء من أن يطوي ولا يسقي، فأخبرني مخبر أنه مر بالجفر وقد جهده العطش، قال: فسمعته يقول:

يا مخرج الرّوح من جسمي إذا احتضرتوفارج الكرب زحزحني عن النار
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا رب قد أشرفت نفسي وقد علمت»

ثم قضى.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ، عن عمه، عن عيسى بن عمر، قال: كان ذو الرمة ينشد الشعر، فإذا فرغ قال: واللّه لأكسعنّك بشيء ليس في حسابك: سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر.

أخبرني الحسن بن عليّ، ووكيع، عن أبي أيوب، قال: حدثني أبو معاوية الغلابيّ، قال: كان ذو الرمّة حسن الصلاة، حسن الخشوع، فقيل له: ما أحسن صلاتك! فقال: إن العبد إذا قام بين يدي اللّه لحقيق أن يخشع.

نسخت من كتاب عبيد اللّه اليزيديّ قال: حدثني عبد الرحمن، عن عمّه، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: كان مسعود أخو ذي الرمة يمشي معي كثيرا إلى منزلي فقال لي يوما، وقد بلغ قريبا من منزلي: أنا الذي أقول في أخي ذي الرّمة:

إلى اللّه أشكو لا إلى الناس أننيوليلى كلانا موجع مات وافده

فقلت له: من ليلى؟ فقال: بنت أخي ذي الرمة.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»