من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر أخبار دنانير وأخبار عقيد
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كانت دنانير مولاة يحيى بن خالد البرمكيّ وكانت صفراء مولّدة، وكانت من أحسن الناس وجها وأظرفهنّ وأكملهنّ أدبا وأكثرهنّ رواية للغناء والشعر، وكان الرشيد لشغفه بها يكثر مصيره إلى مولاها ويقيم عندها ويبرّها ويفرط، حتى شكته زبيدة إلى أهله وعمومته، فعاتبوه على ذلك.
ولها كتاب مجرّد في الأغاني مشهور، وكان اعتمادها في غنائها على ما أخذته من بذل وهي خرّجتها، وقد أخذت أيضا عن الأكابر الذين أخذت بذل عنهم مثل: فليح، وإبراهيم، وابن جامع، وإسحاق، ونظرائهم.
أخبرني جحظة، قال: حدّثني المكّيّ عن أبيه قال: كنت أنا وابن جامع نعايي دنانير جارية البرامكة، فكثيرا ما كانت تغلبنا.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، عن ابن شبّة، قال: حدثني إسحاق الموصليّ، قال: قال لي أبي: قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتا اختارته وأعجبت به، فقلت لها: لا يشتدّ إعجابك حتى تعرضيه على شيخك، فإن رضيه فارضيه لنفسك، وإن كرهه فاكرهيه، فامض حتى تعرضه عليك. قال: فقال لي أبي: فقلت له: أيها الوزير فكيف إعجابك أنت به؟ فإنك واللّه ثاقب الفطنة صحيح التّمييز، قال: أكره أن أقول لك: أعجبني فيكون عندك غير معجب؛ إذ كنت عندي رئيس صناعتك، تعرف منها ما لا أعرف، وتقف من لطائفها على ما لا أقف، وأكره أن أقول لك: لا يعجبني، وقد بلغ من قلبي مبلغا محمودا، وإنما يتمّ السرور به إذا صادف ذلك منك استجادة وتصويبا. قال: فمضيت إليها، وقد تقدم إلى خدمه يعلمهم أنه سيرسل بي إلى داره، وقال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فاعرضي عليه الصوت الذي صنعته واستحسنته، فإن قال لك: أصبت سررتني بذلك، وإن كره فلا تعلميني. لئلا يزول سروري بما صنعت. قال إسحاق: قال أبي: فحضرت الباب فأدخلت، وإذا الستارة قد نصبت، فسلّمت على الجارية من وراء الستارة، فردّت السلام، وقالت: يا أبت أعرض عليك صوتا قد تقدّم لا شكّ إليك خبره، وقد سمعت الوزير يقول: إن الناس يفتنون بغنائهم، فيعجبهم منه ما لا يعجب غيرهم، وكذلك يفتنون بأولادهم، فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن، وقد خشيت على الصوت أن يكون كذلك، فقلت: هات، فأخذت عودها وتغنّت تقول.
صوت
نفسي أكنت عليك مدّعياأم حين أزمع بينهم خنت!
إن كنت مولعة بذكرهمفعلى فراقهم ألا متّ!
قال: فأعجبني واللّه غاية العجب واستخفّني الطرب، حتى قلت لها: أعيديه، فأعادته وأنا أطلب لها فيه موضعا أصلحه وأغيّره عليها لتأخذه عنّي، فلا واللّه ما قدرت على ذلك، ثم قلت لها: أعيديه الثالثة فأعادته، فإذا هو كالذهب المصفّى، فقلت: أحسنت يا بنيّة وأصبت، وقد قطعت عليك بحسن إحسانك وجودة إصابتك أنك قائدة للمعلمين؛ إذ قد صرت تحسنين الاختيار وتجيدين الصنعة، قال: ثم خرج فلقيه يحيى بن خالد، فقال: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير؟ قال: أعزّ اللّه الوزير، واللّه ما يحسن كثير من حذّاق المغنّين مثل هذه الصنعة، ولقد قلت لها: أعيديه وأعادته عليّ مرات، كلّ ذلك أريد إعناتها، لأجتلب لنفسي مدخلا يؤخذ عنّي وينسب إليّ، فلا واللّه ما وجدته، فقال لي يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إيّاها، وقد - واللّه - سررتني وسأسرّك، فوجّه إليّ بمال عظيم.
وذكر محمد بن الحسن الكاتب، قال: حدّثني ابن المكّي، قال: كانت دنانير لرجل من أهل المدينة، وكان خرّجها وأدّبها، وكانت أروى الناس للغناء القديم، وكانت صفراء صادقة الملاحة، فلما رآها يحيى وقعت بقلبه فاشتراها.
وكان الرشيد يسير إلى منزلة فيسمعها، حتى ألفها واشتد عجبه بها فوهب لها هبات سنية، منها أنه وهب لها في ليلة عيد عقدا، قيمته ثلاثون ألف دينار، فردّ عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك. وعلمت أمّ جعفر خبره فشكته إلى عمومته، فصاروا جميعا إليه فعاتبوه، فقال: ما لي في هذه الجارية من أرب في نفسها، وإنما أربى في غنائها، فاسمعوها، فإن استحقت أن يؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم، فأقاموا عنده، ونقلهم إلى يحيى حتى سمعوها عنده فعذروه، وعادوا إلى أم جعفر فأشاروا عليها ألا تلحّ في أمرها فقبلت ذلك، وأهدت إلى الرّشيد عشر جوار، منهن: ماردة أم المعتصم، ومراجل أم المأمون، وفاردة أم صالح.
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات: أخبرني محمد بن عبد اللّه الخزاعيّ قال: حدثني عبّاد البشريّ قال: مررت بمنزل من منازل طريق مكّة يقال له النّباج، فإذا كتاب على حائط في المنزل، فقرأته فإذا هو: النّيك أربعة؛ فالأول شهوة، والثاني لذّة، والثالث شفاء، والرابع داء، وحر إلى أيرين أحوج من أير إلى حرين، وكتبت دنانير مولاة البرامكة بخطّها.
أخبرني إسماعيل بن يونس، عن ابن شبّة: أن دنانير أخذت عن إبراهيم الموصليّ حتى كانت تغنّي غناءه، فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق، وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني ودنانير باقية فما فقدتني.
قال: وأصابتها العلّة الكلبيّة فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة، فكان يحيى يتصدّق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار، لأنها كانت لا تصومه، وبقيت عند البرامكة مدة طويلة.
أخبرني ابن عمّار، وابن عبد العزيز، وابن يونس، عن ابن شبّه، عن إسحاق: وأخبرني جحظة، عن أحمد بن الطّيّب: أنّ الرشيد دعا بدنانير البرمكيّة بعد قتله إيّاهم، فأمرها أن تغنّي، فقالت: يا أمير المؤمنين، إني آليت ألّا أغنّي بعد سيّدي أبدا، فغضب، وأمر بصفعها، فصفعت، وأقيمت على رجليها، وأعطيت العود، وأخذته وهي تبكي أحرّ بكاء، واندفعت فغنّت:
صوت
يا دار سلمى بنازح السّندبين الثّنايا ومسقط اللّبد
لمّا رأيت الدّيار قد درستأيقنت أنّ النّعيم لم يعد
الغناء للهذليّ خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، وذكر عليّ بن يحيى المنجّم وعمرو أنه لسياط في هذه الطريقة.
قال: فرقّ لها الرشيد وأمر بإطلاقها وانصرفت، ثم التفت إلى إبراهيم بن المهديّ فقال له: كيف رأيتها؟ قال: رأيتها تختله برفق، وتقهره بحذق.
قال عليّ بن محمد الهشاميّ: حدثني أبو عبد اللّه بن حمدون أن عقيدا مولى صالح بن الرشيد خطب دنانير البرمكيّة، وكان هويها وشغف بذكرها، فردّته، واستشفع عليها مولاه صالح بن الرشيد، وبذل، والحسين بن محرز، فلم تجبه وأقامت على الوفاء لمولاها، فكتب إليها عقيد قوله:
يا دنانير قد تنكّر عقليوتحيّرت بين وعد ومطل
شفّعي شافعي إليك وإلّافاقتليني إن كنت تهوين قتلي
أنا باللّه والأمير وما آمل من موعد الحسين وبذل
ما أحبّ الحياة يا حبّ إن لميجمع اللّه عاجلا بك شملي
فلم يعطفها ذلك على ما يحبّ، ولم تزل على حالها إلى أن ماتت.
وكان عقيد حسن الغناء والضرب قليل الصّنعة، ما سمعنا منه بكبير صنعة، ولكنه كان بموضع من الحذق والتّقدّم.
قال محمد بن الحسن: حدثني أبو حارثة عن أخيه أبي معاوية قال: شهدت إسحاق يوما وعقيد يغنّيه:
صوت
هلّا سألت ابنة العبسيّ ما حسبيعند الطّعان إذا ما احمرّت الحدق
وجالت الخيل بالأبطال عابسةشعث النّواصي عليها البيض تأتلق
الشعر يقال: إنه لعنترة ولم يصحّ له، والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى. قال: فجعل إسحاق يستعيده ويشرب ويصفّق حتى والى بين أربعة أرطال، وسأله بعض من حضر: من أحسن الناس غناء؟ قال: من سقاني أربعة أرطال.
وفي دنانير يقول أبو حفص الشّطرنجيّ.
صوت
أشبهك المسك وأشبهتهقائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحدأنّكما من طينة واحده
غنّاه ابن جامع هزجا بالبنصر وقيل: إنه لأبي فارة.
وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، عن عليّ بن محمد النوفليّ، عن مولاة بن جامع أنّ مولاها كان يهوي جارية صفراء. فقال فيها هذا الشعر وغنّى فيه، وأظن هذا وهما؛ لأنا لم نسمع لابن جامع بشعر قط، ولعله غنّاه في شعر أبي حفص الشّطرنجيّ. فظننته له.
ومما غنّاه عقيد في دنانير والشعر للموصليّ إلا البيت الأول فليس له).
صوت
هذي دنانير تنساني فأذكرهاوكيف تنسى محبّا ليس ينساها!
واللّه واللّه لو كانت إذا برزتنفس المتيّم في كفّيه ألقاها
والشعر والغناء لعقيد، ولحنه من الرّمل المطلق في مجرى الوسطى، وفيه هزج خفيف محدّث.
قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني عليّ بن محمد قال: حدثني جابر بن مصعب، عن مخارق، قال: مرّت بى ليلة ما مرّ بي قطّ مثلها. جاءني رسول محمد الأمين وهو خليفة، فأخذني وركض بي إليه ركضا، فحين وافيت أتي بإبراهيم بن المهدي على مثل حالي، فنزلنا، وإذا هو في صحن لم أر مثله قد ملىء شمعا من شمع محمد الأمين الكبار، وإذا به واقف ثم دخل في الكرح، والدار مملوءة بالوصائف يغنّين على الطبول والسّرنايات ومحمد في وسطهنّ يرتكض في الكرح، فجاءنا رسوله، فقال: قوما في هذا الباب مما يلي الصّحن، فارفعا أصواتكما مع السرناي أين بلغ، وإيّاكما أن أسمع في أصواتكما تقصيرا عنه، قال: فأصغينا فإذا الجواري والمخنّثون يزمرون ويضربون:
هذي دنانير تنساني وأذكرهاوكيف تنسى محبّا ليس ينساها!
أعوذ باللّه من هجران جاريةأصبحت من حبّها أهذي بذكراها
قد أكمل الحسن في تركيب صورتهافارتجّ أسفلها واهتزّ أعلاها
قامت تمشّى فليت اللّه صيّرنيذاك التراب الذي مسّته رجلاها
واللّه واللّه لو كانت إذا برزتنفس المتيّم في كفّيه ألقاها
فما زلنا نشقّ حلوقنا مع السرناي ونتبعه حذرا من أن نخرج عن طبقته، أو نقتصر عنه إلى الغداة، ومحمد يجول في الكرح ما يسأمه، يدنو إلينا مرة في جولانه ويتباعد مرّة، وتحول الجواري بيننا وبينه حتى أصبحنا.
صوت
ألا طرقت أسماء لا حين مطرقوأنّى إذا حلّت بنجران نلتقي
بوجّ وما بالي بوجّ وبالهاومن يلق يوما جدّة الحبّ يخلق
عروضه من الطويل، الشعر لخفاف بن ندبة، والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسباب في مجرى البنصر عن إسحاق أيضا، وذكر عمرو بن بانة أن فيه لحنا لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى، وفيه لعلّويه خفيف رمل بالوسطى، وفيه للقاسم بن زرزور خفيف رمل آخر صحيح في غنائه، وفيه لابن مسجح ثقيل أول، عن إبراهيم، ويحيى المكيّ، والهشاميّ، وفيه لمخارق رمل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع