من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار خفاف ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، وندبة أمه وهي أمة سوداء، وكان خفاف أسود أيضا، وهو شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانهم، وجعله ابن سلّام في الطبقة الخامسة من الفرسان مع مالك بن نويرة، ومع ابني عمّه صخر ومعاوية ابني عمرو بن الشريد، ومالك بن حمار الشّمخي.
أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام، قال: كان خفاف بن ندبة - وهي أمه - فارسا شجاعا شاعرا، وهو أحد أغربة العرب، وكان هو ومعاوية بن الحارث بن الشّريد أغار على بني ذبيان يوم حوزة، فلما قتلوا معاوية بن عمرو قال خفاف: واللّه لا أريم اليوم أو أقيد به سيّدهم، فحمل على مالك بن حمار وهو يومئذ فارس بني فزارة وسيّدهم فطعنه فقتله، وقال:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمهافعمدا على عيني تيمّمت مالكا
رفعت له ما جرّ إذ جرّ موتهلأبني مجدا أو لأثأر هالكا
أقول له والرّمح يأطر متنه:تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا
قال ابن سلّام: وهو الذي يقول:
يا هند يا أخت بني الصّاردما أنا بالباقي ولا الخالد
إن أمس لا أملك شيئا فقدأملك أمر المنسر الحارد
في هذين البيتين لعبيد اللّه بن أبي غسّان خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشاميّ.
أخبرني عمّي، عن عبد اللّه بن سعد، عن أحمد بن عمر، عن عمر بن خالد بن عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، عن الحجاج السّلميّ قال: كان بدء ما كان بين خفاف بن ندبة والعباس بن مرداس أنّ خفافا كان في ملإ من بني سليم فقال لهم: إن عباس بن مرداس يريد أن يبلغ فينا ما بلغ عباس بن أنس، ويأبى ذلك عليه خصال قعدن به، فقال له فتى من رهط العبّاس: وما تلك الخصال يا خفاف؟ قال: اتّقاؤه بخيله عند الموت، واستهانته بسبايا العرب، وقتله الأسرى، ومكالبته للصعاليك على الأسلاب، ولقد طالت حياته حتى تمنّينا موته، فانطلق الفتى إلى العبّاس فأخبره الخبر، فقال العبّاس: يابن أخي، إن لم يكن كالأصمّ في فضله فلست كخفاف في جهله، وقد مضى الأصمّ بما في أمس وخلّفني بما في غد، فلما أمسى تغنّى، وقال:
خفاف ما تزال تجرّ ذيلاإلى الأمر المفارق للرّشاد
إذا ما عاينتك بنو سليمثنيت لهم بداهية نآد
وقد علم المعاشر من سليمبأنّى فيهم حسن الأيادي
فأورد يا خفاف فقد بليتمبني عوف بحيّة بطن وادي
قال: ثم أصبح فأتى خفافا. وهو في ملإ من بني سليم، فقال: قد بلغني مقالتك يا خفاف، واللّه لا أشتم عرضك ولا أسبّ أباك وأمّك، ولكنّي رام سوادك بما فيك وإنك لتعلم أنّي أحمي المصافّ وأتكرّم على السّلب وأطلق الأسير وأصون السبيّة. وأما زعمك أني أتّقي بخيلي الموت فهات من قومك رجلا اتّقيت به.
وأما استهانتي بسبايا العرب فإني أحذو القوم في نسائهم بفعالهم في نسائنا، وأما قتلي الأسرى فإني قتلت الزّبيديّ بخالك؛ إذ عجزت عن ثأرك. وأما مكالبتي الصعاليك على الأسلاب، فو اللّه ما أتيت على مسلوب قطّ إلا لمت سالبه. وأما تمنّيك موتي. فإن متّ قبلك فأغن غنائي، وإن سليما لتعلم أني أخفّ عليهم مؤونة، وأثقل على عدوّهم وطأة منك، وإنّك لتعلم أنّي أبحت حمى بني زبيد، وكسرت قرني الحارث وأطفأت جمرة خثعم، وقلّدت بني كنانة قلائد العار، ثم انصرف. فقال خفاف أبياتا لم يحفظ الشيخ منها إلا قوله:
ولم تقتل أسيرك من زبيدبخالي بل غدرت بمستفاد
فزندك في سليم شرّ زندوزادك في سليم شرّ زاد
فأجابه العباس بقوله:
ألا من مبلغ عنّي خفافافإنّي لا أحاشي من خفاف
نكحت وليدة ورضعت أخرىوكان أبوك تحمله قطاف
فلست لحاصن إن لم نزرهاتثير النّقع من ظهر النّعاف
سراعا قد طواها الأين دهماوكمتا لونها كالورس صاف
قال: ثم كف العباس وخفاف حتى أتى ابن عم للعباس يكنى أبا عمرو بن بدر، وكان غائبا، فقال: يا عباس! ما نقول فيك خيرا إلّا وهو باطل، قال: وكيف ذلك، ويحك! قال: أخبرني عنك، أكلّ الذي أقررت به من خفاف في نفيه أباك وتهجينه عرضك؛ ليأس من نصر قومك أو ضعف من نفسك؟ قال: لا، ولا واحدة منهما، ولكني أحببت البقيا، قال: فاسمع ما قلته، قال: هات، فأنشأ يقول:
أرى العباس ينفض مذرويهدهين الرأس تقليه النساء
وقد أزرى بوالده خفافويحسب مثله الداء العياء
فلا تهد السّباب إلى خفاففإن السّبّ تحسنه الإماء
ولا تكذب وأهد إليه حربامعجّلة فإن الحرب داء
أذلّ اللّه شرّكما قبيلاولا سقّت له رسما سماء
قال العباس: قد آذنت خفافا بحرب، ثم أصبحا فالتقيا بقومهما، فاقتتلوا قتالا شديدا يوما إلى الليل، وكان الفضل للعباس على خفاف، فركب إليه مالك بن عوف ودريد بن الصّمّة الجشميّ في وجوه هوازن، فقام دريد خطيبا فقال: يا معشر بني سليم، إنه أعجلني إليكم صدر واد ورأي جامع، وقد ركب صاحباكم شرّ مطيّة، وأوضعا إلى أصعب غاية، فالآن قبل أن يندم الغالب ويذلّ المغلوب، ثم جلس.
فقام مالك بن عوف فقال: يا معشر بني سليم، إنكم نزلتم منزلا بعدت فيه هوازن، وشبعت منكم فيه بنو تميم، وصالت عليكم فيه بكر بن وائل، ونالت فيه منكم بنو كنانة، فانزعوا وفيكم بقية قبل أن تلقوا عدوّكم بقرن أعضب وكفّ جذماء، قال: فلما أمسينا تغنى دريد بن الصّمّة فقال:
سليم بن منصور ألمّا تخبّروابما كان من حربي كليب وداحس
وما كان في حرب اليحابر من دممباح وجدع مؤلم للمعاطس
وما كان في حربي سليم وقبلهمبحرب بعاث من هلاك الفوارس
تسافهت الأحلام فيها جهالةوأضرم فيها كلّ رطب ويابس
فكفّوا خفافا عن سفاهة رأيهوصاحبه العبّاس قبل الدّهارس
وإلّا فأنتم مثل من كان قبلكمومن يعقل الأمثال غير الأكايس
وقال مالك بن عوف النّصريّ:
سليم بن منصور دعوا الحرب إنماهي الهلك للأقصين أو للأقارب
ألم تعلموا ما كان في حرب وائلوحرب مراد أو لؤيّ بن غالب
تفرّقت الأحياء منهم لجاجةوهم بين مغلوب ذليل وغالب
فما لسليم ناصر من هوازنولو نصروا لم تغن نصرة غائب
قال: ثم أصبحنا، فاجتمعت بنو سليم، وجاء العبّاس وخفاف، فقال لهما دريد بن الصّمة ولمن حضر من قومهما: يا هؤلاء! إن أوّلكم كان خير أوّل، وكل حيّ سلف خير من الخلف، فكفّوا صاحبيكم عن لجاج الحرب وتهاجي الشعر، قال: فاستحيا العباس فقال: فإنا نكف عن الحرب، ونتهادى الشعر، قال: فقال دريد: فإن كنتما لا بد فاعلين فاذكرا ما شئتما ودعا الشّتم، فإن الشّتم طريق الحرب، فانصرفا على ذلك. فقال العباس بن مرداس:
فأبلغ لديك بني مالكفأنتم بأنبائنا أخبر
فأما النّخيل فليست لنانخيل تسقّى ولا تؤبر
ولكنّ جمعا كجذل الحكاك فيه المقنّع والحسّر
مغاوير تحمل أبطالناإلى الموت ساهمة ضمّر
وأعددت للحرب خيفانةتديم الجراء إذا تخطر
صنيعا كقارورة الزّعفران ممّا تصان ولا تؤثر
ويقال: صبيغا. قال: فأجابه خفاف فقال:
أعبّاس إنّ استعار القصيد في غير معشره منكر
علام تناول ما لا تنالفتقطع نفسك أو تخسر
فإنّ الرّهان إذا ما أريدفصاحبه الشامخ المخطر
تخاوص لم تستطع عدّةكأنك من بغضنا أعور
فقصرك مأثورة إن بقيت أصحو بها لك أو أسكر
لساني وسيفي معا فانظرنإلى تلك أيّهما تبدر
قال: فلما طال الأمر بينهما من الحرب والتّهاجي، قال عباس: إني واللّه ما رأيت لخفاف مثلا إلا شبام بني زبيد فإنه كان يلقى من ابن عمه ثروان بن مرّة من الشتم والأذى ما ألقى من خفاف، فلما لجّ في شتمه تركه وما هو فيه، فقال:
وهبت لثروان بن مرّة نفسهوقد أمكنتني من ذؤابته يدي
وأحمل ما في اليوم من سوء رأيهرجاء التي يأتي بها اللّه في غد
فقال خفاف: إني واللّه ما وجدت لعباس مثلا إلا ثروان بني زبيد، فإنه كان يلقي من شبام ما ألقى من العباس من الأذى، فقال ثروان:
رأيت شباما لا يزال يعيبنيفلله ما بالي وبال شبام!
فقصرك منّي ضربة مازنيّةبكفّ فتى في القوم غير كهام
فتقصر عني يا شبام بن مالكوما عضّ سيفي شاتمي بحرام
فقال عباس: جزاك اللّه عني يا خفاف شرّا، فقد كنت أخفّ بني سليم من دمائها ظهرا، وأخمصها بطنا، فأصبحت العرب تعيّرني بما كنت أعيب عليها من الاحتمال وأكل الأموال، وصرت ثقيل الظّهر من دمائها منفضج البطن من أموالها، وأنشأ يقول:
ألم تر أنّي تركت الحروبوأنّي ندمت على ما مضى
ندامة زار على نفسهلتلك التي عارها يتّقى
فلم أوقد الحرب حتى رمىخفاف بأسهمه من رمى
فإن تعطف القوم أحلامهمفيرجع من ودّهم ما نأى
فلست فقيرا إلى حربهموما بي عن سلمهم من غنى
فقال خفاف:
أعبّاس إمّا كرهت الحروبفقد ذقت من عضّها ما كفى
أألقحت حربا لها شدّةزمانا تسعّرها باللّظى
فلمّا ترقّيت في غيّهادحضت وزلّ بك المرتقى
فلا زلت تبكي على زلّةوماذا يردّ عليك البكا
فإن كنت أخطأت في حربنافلسنا نقيلك هذا الخطا
وإن كنت تطمع في سلمنافزاول ثبيرا وركني حرا
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني مسعود بن عيسى العبديّ، عن يحيى بن عبد اللّه بن الفضل الفزاريّ، وكان علّامة بأمر قيس، قال: كان خفاف بن ندبة في جماعة من قومه، فقال: إنّ عباس بن مرداس ليريد أن يبلغ فينا مبلغ عباس بن أنس، وتأبى عليه خصال قعدن به عن ذلك، فقال فتى من رهط عباس: ما تلك الخصال يا خفاف؟ فقال: اتّقاؤه بخيله عند الموت، ومكالبة الصعاليك على الأسلاب، وقتله الأسرى، واستهانته بسبايا العرب، وايم اللّه، لقد طالت حياته حتى تمنّينا موته، فانطلق الفتى إلى العباس فحدّثه الحديث، فقال العباس: يابن أخي إلّا أكن كالأصمّ في فضله فلست كخفاف في جهله، وقد مضى الأصمّ بما في أمس، وخلّفني لما في غد، فلما أمسى تغنّى، فقال:
خفاف أما تزال تجرّ ذيلاإلى الأمر المقرّب للفساد
وقد علم المعاشر من سليمبأنّي فيهم حسن الأيادي
وأنّي يوم جمع بني عطيفحملت بحالك وهج المرادي
وأني لا أعيّر في سليمبردّ الخيل سالمة الهوادي
وأنّي في ملمّة كلّ يومأقي صحبي وفي خيلي تعادي
ولم أسلب بحمد اللّه كبشاسلاحا بين مختلف الصّعاد
ولم أحلل لمحصنة نطاقاولم أر عتقها إلا مرادي
فأورد يا خفاف فقد منيتمبني عوف بحيّة بطن وادي
فلما أصبح أتى خفافا وهو في ملأ من قومه، فقال: قد بلغني مقالك يا خفاف، وايم اللّه، إنك لتعلم أني أحمي المصافّ، وأكره السلب، وأطلق الأسير، وأصون السّبيّة.
فأمّا زعمك أنّي أتّقي بخيلي عند الموت فهات لي من قومك رجلا اتّقيت به، وأما قتلى الأسرى فإني قتلت الزّبيديّ بخالك، وأما سلبي الأسير فو اللّه ما أتيت على مسلوب قطّ إلّا لمت سالبه، وأما استهانتي بالسّبايا فإني أحذو القوم في سباياهم فعالهم في سبايانا، وأما تمنّيك موتي فإن متّ قبلك فأغن غنائي، ثم انصرف. فقال خفاف مجيبا للعباس عن قوله:
لعمر أبيك يا عبّاس إنيلمنقطع الرّشاء من الأعادي
وإني قد تعاتبني سليمعلى جرّ الذيول إلى الفساد
أكلّ الدهر لا تنفكّ تجريإلى الأمر المفارق للسّداد
إذا ما عاينتك بنو سليمتبيت لهم بداهية نآد
فزندك في سليم شرزندوزادك في المعاشر شرّ زاد
ألا للّه درّك من رئيسإذا عاديت فانظر من تعادي
جريت مبرّزا وجريت تكبوعلى تعب فهل لك من معاد
ولم تقتل أسيرك من زبيدبخالي بل غدرت بمستقاد
ومستقاد: الزّبيديّ.
وإنّ رهط خفاف لاموه وقالوا: اكفف عن الرجل. فقال: كيف أكفّ عن رجل يريد أن يترنا أمرنا بغير فضل.
وقال رهط العباس له: أيها الرجل، اكفف، فقال قولا جميلا، وقال العبّاس عند ذلك:
هل تعرف الطّلل القديم كأنّهوشم بأسفل ذي الخيام مرجّع
بقيت معارفه على مرّ الصّبابعد الجميع كأنه قد يمرع
دار التي صادت فؤادك بعد ماشمل المفارق منك شيب أروع
وزعمت أنّك لا تراح إلى الصّباوعلتك منه شبيبة لا ترجع
يأيها المرء السفيه ألا ترىأني أضرّ إذا هويت وأنفع
وأعيش ما قدر الإله على القلىوأعفّ نفسي عن مطامع تطمع
كرما على الخطر اليسير ولا ترىنفسي إلى الأمر الدنيّ تطلّع
وأردّ ذا الضّغن اللئيم برأيهحتى يموت وليس فينا مطمع
للّه درّك لا تمنّ مماتنافالموت ويحك قصرنا والمرجع
لو كان يهلك من تمنّى موتهحلّت عليك دهية لا ترقع
ومكثت في دار الهوان موطّأبالذّلّ ليس لداركم من يمنع
فقال خفاف مجيبا له:
عجبت أمامة إذ رأتني شاحباخلق القميص وأنّ رأسي أصلع
وتنفست صعدا فقلت لها: اقصريإني امرؤ فيما أضرّ وأنفع
مهلا أبا أنس فإني للّذيخلّى عليك دهيّة لا ترفع
وضربت أمّ شؤون رأسك ضربةفاستكّ منها في اللّقاء المسمع
نعليّ حذو نعالها ولربّماأحذو العدا ولكلّ عاد مصرع
لا تفخرنّ فإنّ عودي نبعةأعيت أبا كرب وعودك خروع
ولقد أقود إلى العدوّ مقلّصاسلس القياد له تليل أتلع
نهد المراكل والدّسيع يزينهشنج النّسا وأباجل لا تقطع
وعليّ سابغة كأنّ قتيرهاحدق الجنادب ليس فيها مطمع
زغف مضاعفة تخيّر سردهاذو فائش وبنو المرار وتبّع
في فتية بيض الوجوه كأنهمأسد على لحم ببيشة طلّع
لا ينكلون إذا لقوا أعداءهمإنّ الحمام هو الطريق المهيع
وكان خفاف قد كفّ عن العبّاس، حتى أتاه غلام من قومه، فقال: أبى العباس إلا جرأة عليك وعيبا لك، فغضب خفاف ثم قال: ما يدعوه إلى ذلك؟ فو اللّه إن أباه لرابط السهم، وإن أمّه لخفيّة الشخص، ولئن طلب مسعاي ليعلمنّ أنه قصير الخطوة أجذم الكف، وما ذنبنا إليه إلا أنّا استنقذنا أباه من عصيّ بني حزام، وكافحنا دونه يوم بني فراس، ونصرنا أباه على حرب بن أميّة. وقال خفاف في ذلك:
لن يترك الدهر عبّاس تقحّمهحتى يذوق وبال البغي عبّاس
أمسكت عن رميه حولا ومقتلهباد لتعذرني في حربه الناس
عمدا أجرّ له ثوبي لأخدعهعن رأيه ورجائي عنده ياس
فالآن إذا صرّحت منه حقيقتهظلما فليس بشتمي شاتمي باس
أجدّ يوما بقولي كلّ مبتدىءكما يجدّ بكفّ الجازر الفاس
تأبى سليم إذا عدّت مساعيهاأن يحرز السّبق عبّاس ومرداس
أودى أبو عامر عبّاس معترفاأنّا إذا ما سليم حصّلت راس
فبلغ العباس أمر خفاف، فأتاه، فالتقيا عند أسماء بن عروة بن الصّلت بن حزام بن عبد اللّه بن حازم بن الصلت، وكان مأمونا في بني سليم، فقال العباس: قد بلغني قولك يا خفاف، ولعمري لا أشتم أباك ولا أمّك، ولكنّي رام سوادك بما فيك. واللّه ما كنت إلى ذمّك بالهيمان ولا إلى لحمك بالقرم، وإن سليما لتعلم أني أبحت حمى بني زبيد، وأطفأت جمرة خثعم، وكسرت قرني بني الحارث بن كعب، وقلّدت بني كنانة قلائد العار، وإني يا خفاف لأخفّ منك على بني سليم مؤونة، وأثقل منك على عدوّهم وطأة، وقال مجيبا له:
إني رأيت خفافا ليس يهنئهشيء سوى شتم عبّاس بن مرداس
مهلا خفاف فإن الحق معضبةوالحمق ليس له في الناس من آسي
سائل سليما إذا ما غارة لحقتمنها فوارس حشد غير أنكاس
من خثعم وزبيد أو بني قطنأو رهط فروة دهرا أو شحا الناس
ينبوا من الفارس الحامي حقيقتهإذا أتوك بحام غير عبّاس
لا يحسب النّاس قول الحق معترفافانظر خفاف فما في الحق من باس
من زار خيل بني سعد مسوّمةيهدي لأولها لأي بن شمّاس
يوم اعترضت أبا بدر بجائفةتعوي بعرق من الأحشاء قلّاس
أدعى الرئيس إذا ما حربكم كشفتعن ساقها لكم والأمر للرّاس
حتى إذا انكشفت عنكم عمايتهاأنشأت تضرب أخماسا لأسداس
وسعى أهل الفساد إلى خفاف فقالوا: إنّ عبّاسا قد فضحك، فقال خفاف:
ألا أيّها المهدي لي الشّتم ظالماولست بأهل حين أذكر للشّتم
أبى الشّتم أنّي سيّد وابن سادةمطاعين في الهيجا مطاعيم للّحم
هم منحوا نصرا أباك وطاعنواوذلك إذ ترمى ذليلا ولا ترمي
كمستلحم في ظلمة اللّيل بعد مارأى الموت صرفا والسيوف بها تهمي
أدبّ على أنماط بيضاء حرّةمقابلة الجدّين ماجدة العمّ
وأنت لحنفاء اليدين لو أنّهاتباع لما جاءت بزند ولا سهم
وإني على ما كان أول أوّلعليه، كذاك القرم ينتج للقرم
وأكرم نفسي عن أمور دنيئةأصون بها عرضي وآسو بها كلمي
وأصفح عمّن لو أشاء جزيتهفيمنعني رشدي ويدركني حلمي
وأغفر للمولى وإن ذو عظيمةعلى البغي منها لا يضيق بها حزمي
فهذي فعالي ما بقيت وإنّنيلموص به عقبي إذا كنت في رجمي
فقال له قومه: لو كان أوّل قولك كآخره يا خفاف لأطفأت النائرة، وأذهبت سخائم النّمائم، فقال العباس مجيبا له:
ألا أيّها المهدي لي الشّتم ظالماتبيّن إذا راميت هضبة من ترمي
أبى الذّمّ عرضي إنّ عرضي طاهروإني أبيّ من أباة ذوي غشم
وإنّي من القوم الذين دماؤهمشفاء لطلّاب التّرات من الوغم
وقال أيضا:
إن تلقني تلق ليثا في عرينتهمن أسد خفّان في أرساغه فدع
لا يبرح الدهر صيدا قد تقنّصهمن الرجال على أشداقه القمع
وكان العباس وخفاف قد همّا بالصّلح، وكرهت بنو سليم الحرب، فجاء غويّ من رهط العبّاس فقال للعبّاس: إنّ خفافا قد أنحى عليك وعلى والديك، فغضب العباس، ثم قال: قد واللّه هجاني، فكان أعظم ما عابني به أصغر عيب فيه، ثم هجا والديّ فما ضرّهما ولا نفعه، ثم برزت له فأخفى شخصه واتّقاني بغيره، ولو شئت لشتمت أباه وثلبت عرضه، ولكني وإياه كما قال شبام بني زبيد لابن عم له، يقال له ثروان بن مرّة، كان أشبه الناس بخفاف:
وهبت لثروان بن مرّة نفسهوقد أمكنتني من ذؤابته يدي
وأحمل ما في اليوم من سوء رأيهرجاء الذي يأتي به اللّه في غد
ولست عليه في السّفاه كنفسهولست إذا لم أهجه بموعّد
وقال:
أراني كلما قاربت قومينأوا عني وقطعهم شديد
سئمت عتابهم فصفحت عنهموقلت لعلّ حلمهم يعود
وعلّ اللّه يمكن من خفاففأسقيه التي عنها يحيد
بما اكتسبت يداه وجرّ فينامن الشّحنا التي ليست تبيد
وأنّى لي يؤدّبني خفافوعوف والقلوب لها وقود
وإني لا أزال أريد خيراوعند اللّه من نعم مزيد
فضاقت بي صدورهم وغصّتحلوق ما يبضّ لها وريد
متى أبعد فشرّهم قريبوإن أقرب فودّهم بعيد
أقول لهم وقد لهجوا بشتمي:ترقّوا يا بني عوف وزيدوا
فما شتمي بنافع حيّ عوفأينقصني الهبوط أم الصّعود
أتجعلني سراة بني سليمككلب لا يهرّ ولا يصيد
كأنّي لم أقد خيلا عتاقاشوازب ما لها في الأرض عود
أجشّمها مهامه طامساتكأنّ رمال صحصحها قعود
عليها من سراة بني سليمفوارس نجدة في الحرب صيد
فأوطي من تريد بني سليمبكلكلها ومن ليست تريد
فلما بلغ خفافا قول العباس قال: واللّه ما عبت العباس إلا بما فيه، وإني لسليم العود، صحيح الأديم، ولقد أدنيت سوادي من سواده فلم أحجم ولا نكصت عنه، وإني وإيّاه كما قال ثروان لشبام بني زبيد، وكان يلقى منه ما لقي من العباس، قال:
رأيت شباما لا يزال يعيبنيفللّه ما بالي وبال شبام
فقصرك منّي ضربة مازنيّةبكفّ امرىء في الحرب غير كهام
من اليوم أو من شيعه بمهنّدخصوم لهامات الرجال حسام
قتقصر عني يا شبام بن مالكوما عضّ سيفي شاتمي بحرام
وقال خفاف:
أرى العباس ينقص كلّ يومويزعم أنه جهلا يزيد
فلو نقضت عزائمه وزادتسلامته لكان كما يريد
ولكنّ المعالم أفسدتهوخلق في عشيرته زهيد
فعبّاس بن مرداس بن عمرووكذب المرء أقبح ما يفيد
حلفت بربّ مكة والمصلّىوأشياخ محلّقة تنود
بأنك من مودّتنا قريبوأنت من الذي تهوى بعيد
فأبشر أن بقيت بيوم سوءيشيب له من الخوف الوليد
كيومك إذ خرجت تفوق ركضاوطار القلب وانتفخ الوريد
فدع قول السّفاهة لا تقلهفقد طال التّهدّد والوعيد
رأينا من نحاربه شقيّاومن ذا في بني عوف سعيد
وقال خفاف أيضا:
أعبّاس إنّا وما بينناكصدع الزّجاجة لا يجبر
فلست بكف ء لأعراضناوأنت بشتمكنا أجدر
ولسنا بأهل لما قلتمونحن بشتمكم أعذر
أراك بصيرا بتلك التيتريد وعن غيرها أعور
فقصرك مني رقيق الذّباب عضب كريهته مبتر
وأزرق في رأس خطّيّةإذا هزّ أكعبها تخطر
يلوح السّنان على متنهاكنار على مرقب تسعر
وزغف دلاص حباها العزيزتوارثها قبله حمير
فتلك وجرداء خيفانةإذا زجر الخيل لا تزجر
إذا ألقت الخيل أذيالهافأنت على جريها أقدر
متى يبلل الماء أعطافهاتبذّ الجياد وما تبهر
أنهنه بالسوط من غربهاوأقدمها حيث لا ينكر
وأرحضها غير مذمومةبلبّاتها العلق الأحمر
أقول وقد شكّ أقرابهاغدرت ومثلي لا يغدر
وأشهدها غمرات الحروبفسيّان تسلم أو تعقر
وقال العباس:
خفاف ألم تر ما بيننايزيد استعارا إذا يسعر
ألم تر أنا نهين التّلادللسائلين وما نعذر
لأنا نكلّف فوق التييكلّفها الناس لو تخبر
لنا شيم غير مجهولةتوارثها الأكبر الأكبر
وخيل تكدّس بالدّار عين تنحر في الرّوع أو تعقر
عليها فوارس مخبورةكجنّ مساكنها عبقر
ورجراجة مثل لون النجوم لا العزل فيها ولا الحسّر
وبيض سوابغ مسرودةمواريث ما أورثت حمير
فقد يعلم الحيّ عند الصّياحبأن العقيلة بي تستر
وقد يعلم الحيّ عند الرهان أنّي أنا الشامخ المخطر
وقد يعلم الحيّ عند السؤال أنّي أجود وأستمطر
فأنّى تعيّرني بالفخارفها أنا هذا هو المنكر
صوت
ألا لا أبالي بعد ريّا أوافقتنوانا نوى الجيران أم لم توافق
هجان المحيّا حرّة الوجه سربلتمن الحسن سربالا عتيق البنائق
الشعر لجبهاء الأشجعيّ، والغناء لإسحاق رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع