من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر خبر إبراهيم في هذه الأصوات الماخوريّة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز، عن ابن شبّة، عن إسحاق الموصليّ، عن أبيه، قال: صنعت لحنا فأعجبني، وجعلت أطلب له شعرا، فعسر ذلك عليّ، فأريت في المنام كأن رجلا لقيني، فقال لي: يا إبراهيم، أو قد أعياك شعر لغنائك هذا الذي تعجب به؟ قلت: نعم. قال: فأين أنت من قول ذي الرمة:
ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلىولا زال منهلّا بجرعائك القطر
قال: فانتهيت فرحا بالشعر؛ فدعوت من ضرب عليّ فغنيته، فإذا هو أوفق ما خلق اللّه، فلما عملت هذا الغناء في شعر ذي الرمة نبّهت عليه وعلى شعره، فصنعت فيه ألحانا ماخورية منها:
أمنزلتي ميّ سلام عليكماهل الأزمن الّلائي مضين رواجع!
وغنّيت بها الهادي فاستحسنها، وكاد يطير فرحا، وأمر لكل صوت بألف دينار.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلىولا زال منهلّا بجرعائك القطر
ولو لم تكوني غير شام بقفرةتجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر
عروضه من الطويل. وقوله: يا اسلمي ها هنا نداء؛ كأنه قال: يا دار ميّ اسلمي، ويا هذه اسلمي، يدعو لها بالسلامة. ومثله قول اللّه عزّ وجلّ: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ ءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، فسّره أهل اللغة هكذا، كأنه قال: يا قوم اسجدوا للّه. وميّ ترخيم ميّة إلا أنه أقامه ها هنا مقام الاسم الذي لم يرخّم فنوّنه. وقوله: على البلى، أي اسلمي وإن كنت قد بليت. والمنهلّ: الجاري، يقال: انهلّ المطر انهلالا، إذا سال.
والجرعاء والأجرع من الرمل: الكثير الممتد. والشام: موضع يخالف لون الأرض، وهو جمع، واحدته شامة.
والقفر: ما لم يكن فيه نبات ولا ماء، تجر بها الأذيال صيفية يعني الرياح الصيفية الحارة. وأذيالها: مآخيرها التي تسفي التراب على وجه الأرض، شبهها بذيل المرأة، وعنى بها أوائلها. والكدر: التي فيها الغبرة من القتام والفجاج؛ فهي تعفّي الآثار وتدفنها. غنّاه إبراهيم الموصليّ ماخوريّا بالوسطى. ومنها:
صوت
أمنزلتي ميّ سلام عليكماهل الأزمن اللائي مضين رواجع!
وهل يرجع التّسليم أو يكشف العمىثلاث الأثافي والدّيار البلاقع!
توهمتها يوما فقلت لصاحبيوليس لها إلّا الظباء الخواضع
وموشيّة سحم الصّياصي كأنهامجلّلة حوّ عليها البراقع
عروضه من الطويل. غنّاه إبراهيم ماخوريّا بالوسطى. والأزمن والأزمان جمع زمان. والعمى: الجهالة.
والأثافيّ الثلاث هي الحجارة التي تنصب عليها القدر، واحدتها أثفيّة. والخواضع من الظباء: اللاتي قد طأطأت رؤوسها. والموشيّة: يعني البقر. والصّياصي: القرون واحدتها صيصية. والمجلّلة: التي كأن عليها جلالا سودا. والحوّة: حمرة في سواد. ومما يغنّي فيه من هذه القصيدة قوله:
صوت
قف العنس ننظر نظرة في ديارهاوهل ذاك من داء الصبابة نافع!
فقال: أما تغشى لميّة منزلامن الأرض إلا قلت: هل أنا رابع!
وقلّ لأطلال لميّ تحيّةتحيّا بها أو أن ترشّ المدامع
العنس: الناقة. والرابع: المقيم. وقلّ لأطلال، أي ما أقل لهذه الأطلال مما أفعله. وترش المدامع، أي تكثر نضحها الدموع. غناه إبراهيم الموصليّ ماخوريا.
وذكر ابن الزيات، عن محمد بن صالح العذريّ، عن الحرمازيّ، قال: مرّ الفرزدق على ذي الرمة وهو ينشد:
أمنزلتي ميّ سلام عليكما
فلمّا فرغ قال له: يا أبا فراس، كيف ترى؟ قال: أراك شاعرا. قال: فما أقعدني عن غاية الشعراء؟ قال: بكاؤك على الدّمن، ووصفك القطا وأبوال الإبل.
حدثني ابن عمار والجوهريّ، وحبيب المهلّبيّ، عن ابن شبّة، عن إسحاق الموصليّ، عن مسعود بن قند، قال: تذاكرنا ذا الرمة يوما فقال عصمة بن مالك: إياي فاسألوا عنه، قال: كان حلو العينين، حسن النغمة، إذا حدّث لم تسأم حديثه، وإذا أنشدك بربر وجشّ صوته، جمعني وإيّاه مربع مرّة، فقال لي: هيا عصمة، إن ميّة من منقر، ومنقر أخبث حيّ وأقفاه لأثر، وأثبته في نظر، وأعلمه بشرّ، وقد عرفوا آثار إبلي؛ فهل عندك من ناقة نزدار عليها ميّة؟ قلت: إي واللّه عندي الجؤذر بنت يمانية الجدليّ، قال: فعليّ بها. فأتيته بها، فركب وردفته فأتينا محلّة ميّة، والقوم خلوف والنساء في الرحال، فلمّا رأين ذا الرمة اجتمعن إلى ميّ، وأنخنا قريبا وأتيناهنّ، فجلسنا إليهنّ، فقالت ظريفة منهنّ: أنشدنا يا ذا الرمة. فقال لي: أنشدهنّ يا عصمة. فأنشدت قصيدته التي يقول فيها:
نظرت إلى أظعان ميّ كأنهاذرا النّخل أو أثل تميل ذوائبة
فأسبلت العينان والقلب كاتمبمغرورق نمّت عليه سواكبة
بكاء فتى خاف الفراق ولم تجلجوائلها أسراره ومعاتبه
قالت الظريفة: فالآن فلتجل، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
وقد حلفت باللّه ميّة ما الذيأحدّثها إلّا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني اللّه من حيث لا أرىولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فقالت ميّة: ويحك يا ذا الرّمة! خف اللّه وعواقبه. ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارحعلى القلب أبّته جميعا عوازبه
فقالت الظريفة: قتلته قتلك اللّه! فقالت ميّة: ما أصحّه وهنيئا له! فتنفّس ذو الرّمة تنفيسة كاد حرّها يطير بلحيتي، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
إذا نازعتك القول ميّة أو بدالك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه
فما شئت من خدّ أسيل ومنطقرخيم ومن خلق تعلّل جادبه
فقالت الظريفة: فقد بدا لك الوجه وتنوزع القول، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه؟ فقالت لها ميّة: قاتلك اللّه! فماذا تأتين به! فتضاحكت الظريفة وقالت: إن لهذين لشأنا فقوموا بنا عنهما، فقامت وقمن معها، وقمت فخرجت، وكنت قريبا حيث أراهما وأسمع ما ارتفع من كلاميهما، فو اللّه ما رأيته تحرك من مكانه الذي خلّفته فيه حتى ثاب أوائل الرجال، فأتيته فقلت: انهض بنا فقد ثاب القوم فودّعها فركب وردفته وانصرفنا.
ومنها:
صوت
إذا هبّت الأرواح من أيّ جانببه أهل ميّ هاج قلبي هبوبها
هوّى تذرف العينان منه وإنماهوى كلّ نفس حيث كان حبيبها
الغناء لإبراهيم ماخوريّ بالوسطى عن الهشاميّ.
صوت
إني تذكّرني الزّبير حمامةتدعو بمجمع نخلتين هديلا
أفتى النّدى وفتى الطّعان قتلتموفتى الرّياح إذا تهبّ بليلا
لو كنت حرّا يا بن قين مجاشعشيّعت ضيفك فرسخا أو ميلا
وفي أخرى: فرسخين وميلا:
قالت قريش: ما أذلّ مجاشعاجارا وأكرم ذا القتيل قتيلا!
الشعر لجرير، يهجو الفرزدق ويعيّره بقتل عشيرته الزّبير بن العوّام يوم الجمل، والغناء للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع