١ألَا يا اِسلَمِي يا دارَ مَيٍّ عَلى البِلَى
وَلا زالَ مُنهَلا بِجَرعائِكِ القَطرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قال: "ألا" كلمةٌ يستفتح بها الكلام. "يا اسلمي"، يريد: ألا يا هذه اسلمي. "يا": تنبيهٌ. كقوله: "يا هياه". يريد: اسلمي وإن كنت قد بليت. أي: أحييك بالسلامة، وإن كنت باليةً. "منهلًا": جاريًا سائلًا. "انهل الدمع" و"استهل"، إذا جرى. و"الانهلال": شدة الصب. و"الجرعاء" من الرمل: رابيةٌ سهلةٌ لينةٌ. وقال أبو عمرو: "الجرعاء": مرتفعٌ من الرمل مستوٍ.
٢فَإِن لَم تَكونِي غَيرَ شامٍ بِقَفرَةٍ
تَجُرُّ بِها الأَذيالَ صَيفِيَّةٌ كُدرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الشام": لونٌ يخالف لون الأرضين، وهو جمع شامةٍ، أي: آثارٌ كأنها شامٌ في جسدٍ، وهي بقاع مختلفة الألوان، مثل لون الشامة. وإنما يريد: آثار الرماد "بقفرة": أرضٍ خاليةٍ. و"الأذيال": مآخير الرياح وما جرت، كما تجر المرأة ذيلها. "صيفية": رياحٌ. "كدرٌ": فيها غبرةٌ.
٣أَقامَت بِها حَتّى ذَوَى العودُ في الثَرَى
وَساقَ الثُرَيّا في مُلاءَتِهِ الفَجرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قال: "ذوى وذأى" لغتان، إذا جف وفيه بعض الرطوبة. "ذوى يذوي ذويًا". و"التوى": صار لويًا يابسًا. و"اللوي": ما جف من البقل، و"ملاءته": بياض الصبح. يقول: طلعت الثريا عند الفجر، وهذا في وقت يبس البقل بعد النوروز.
٤وَحَتّى اعتَرى البُهمَى مِنَ الصَيفِ نافِضٌ
كَما نَفَضَت خَيلٌ نواصِيَها شُقرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "البهمى": نبتٌ يشبه السنبل. "نافضٌ": يبسٌ يقع فيها فينفضها كما تنفض الخيل نواصيها، وهذا في أول القيظ قبل شدة الحر. قال أبو عمرو. "نافضٌ"، يريد: ريح الصيف. وشبه شوك البهمى إذا وقعت عليه فابيض بنواصي خيلٍ شقرٍ.
٥وَخاضَ القَطا في مَكرَعِ الحَيّ باللِوى
نِطافاً بَقاياهُنَّ مَطروقَةٌ صُفرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "المكرع": الموضع الذي تكره فيه الإبل من ماء المطر، تدخل فيه. يقال: "كرع فيه"، إذا دخل فيه، وشرب منه. ثم قل وذهب حتى صار القطا يخوضه بأرجلها. و"اللوى": موضع. "النطاف": وهو الماء، والواحدة "نطفةٌ": وهي البقية من الماء. ويقال للماء المستنقع في مكان: "نطافٌ" ونطفةٌ. "مطروقةٌ": قد طرقتها الإبل فبالت فيها. يقول: صار القطا إذا جاء يشرب وقع في نطافٍ قد اصفرت، وذلك أن الأمطار قد ذهبت.
٦فَلَمّا مَضَى نَوءُ الزُبانَى وَأَخلَفَت
هَوادٍ مِن الجَوزآءِ وَاِنغَمَسَ الغَفرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: وقال أبو عمرو: "وحتى مضى نوء الزباني .. ": وهو كوكبٌ من العقرب و"النوء": سقوط النجم. "ناء النجم": سقط. يريد: ذهبت الأمطار. "هوادٍ من الجوزاء": نجوم تطلع قبل الجوزاء، واحدها هاداٍ. "أخلفت": جاءت بعدها. يقال: طأخلفت فلانًا": جئت بعده. و"انغمس": غاب. و"الغفر": من منازل القمر. "أخلف النوء"، إذا لم يمطر.
٧رَمى أُمَّهاتِ القُردِ لَذعٌ مِنَ السَفا
وَأَحصَدَ مِن قُريانِهِ الزَهَرُ النَضرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "أمهات القرد"، يعني: أم القردان، ثم جمع. وهي النقرة التي في أصل فرسن البعير من يده ورجله. وهي يليها الوظيف. و"الفرسن": ما أصاب الأرض منه، وهو ما دون الرسغ إلى الأرض. و"اللذع": النزع، وهو كالطعن. ويروى: "لدغٌ": وهو مثل لدغ العقرب. و"السفى": هو شوك البهمى يقول: وقع شوك البهمى فهو يتركز في أخفاف الإبل. و"أحصد": يبس، أي: دنا حصاده. و"القريان": مجاري الماء ومدافعه إلى الرياض، الواحد قريٌّ. و"الزهر": الثور. و"الزاهر": دون الزهر، وهو ثمر النبت، الواحدة زهرةٌ و"الناضر": الناغم الحسن. و"النضر": مثل الناضر.
٨وَأَجلَى نَعامُ البِينِ وَاِنَقلَبَت بِنا
نَوىً عَن نَوى مَيٍّ وَجاراتِها شَزرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقال للقوم إذا مضوا وخفوا: "قد شالت نعامتهم"، و"خفت نعامتهم"، إذا ارتحلوا ومضوا فقال: "وأجلى .. "، أي: انكشفوا ومضوا. و"جلسوا يجاون عن بلادهم". و"البين": الفرقة. "انفتلت": انعاجت وعطفت. يريد: انفتلت بنا نوى "شزرٌ" عن نوى ميٍّ وجاراتها. "شزرٌ": ليست على القصد. و"النوى": من النية.
٩وَقَرَّبنَ بِالزُرقِ الجَمائِلَ بَعدَما
تَقَوَّبَ عَن غِربانِ أَوراكِها الخَطرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الزرق": أكثبة الدهناء. ويقال: "جمائل وجمالٌ". "بعدما تقوب": بعدما تقشر. و"الانقياب": أن ينقطع الشيء مستديرًا. قال أبو عمرو: "غربان أوراكها": طرف رؤوس الأوراك الذي يلي الذنب، الواحد غرابٌ. وإنما تقوب غراباه لأنه يأكل الرطب فيسلح به على ذنبه، ثم يخطر فيضرب به بين وركيه. فإذا أصابه الصيف وضربه الحر انسلخ الشعر عن موضع خطره بذنبه فهو حيث يتقوب. و"الخطر": أن يخطر بذنبه فيصير على عجزه لبدٌ من أبواله. فالخطر -هاهنا- مصدرٌ. والعرب تفعل هذا كثير، وذلك أيام الربيع، فإذا جفرت الإبل ونسلت قربوا أجمالهم، وتحولوا.
١٠صُهابِيَّةً غُلبَ الرِقابِ كَأَنَّما
تُناطُ بِأَلحِيها فَراعلَةٌ غُثرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: وروى أبو عمرو: "صهابيةً شدقًا كأن رؤوسها". قوله: "صهابيةً"، يعني: هذه الإبل، نسبها إلى فحلٍ أراه من شق اليمن، يقال له: "صهابٌ". قال الأصمعي: إذا قلت: "صهابية كذا وكذا" فنسبت، فإنما تريد الصهبة. وإذا لم تنسب إلى شيء، فإنما تريد أولاد الصهابي. وإن أراد الصهبة استقام، يكون قد نسبه إلى فعالى، كما قالوا في حزوى: "حزاويٌ". و"بعير طلاحي": يأكل الطلح. "غلب الرقاب": غلاظ الرقاب، الواحد أغلب. كأنما "تناط": تعلق "بألحيها فراعلةٌ"، أحدها "فرعلٌ": وهو ولد الضبع. فيقول: لها عثانين كأنها أولاد ضباعٍ معلقةٍ بألحيها من كثرة الشعر. قال: يريد: أنهن عظام العثانين. وليس هذا بحسن عند من أراد المنتهى. وقوله: "غثرٌ"، فـ"الغثرة": غبرةٌ إلى حمرةٍ، وطلسةٌ إلى دبسةٍ. يقال للأنثى: "غثراء" وللذكر: "أغثر". قال أبو عمرو: "غثرٌ": في لونها بياضٌ في كدرةٍ.
١١تَخَيَّرنَ مِنها قَيَسرِياً كَأَنَّهُ
وَقَد أَنهَجَت عَنهُ عَقيقَتُهُ قَصرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تخيرن"، يعني: النساء. "منها": من الإبل. "قيسريًا": جملًا ضخم الهامة. "أنهجت": أخلقت وذهبت "عقيقته"، يعني: سقط وبره. قال: وأصل "العقيقة": الشعر الذي يولد الولد وهو عليه، ثم يسمى به. ويعني بالعقيقة - هاهنا- وبر تلك السنة. يريد: كأنه قصرٌ في عظمه.
١٢رَفَعنَ عَلَيهِ الرَقمَ حَتّى كَأَنَّهُ
سَحوقٌ تَدَلَّى مِن جَوانِبِها البُسرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يعني: رفعن على هذا البعير الرقم. و"الرقم": ما كان وشيه مدورًا في صوفٍ أوخزٍ، وهو من المتاع يتخذه الأعراب، يعلق على الرحل. وقوله: "كأنه سحوقٌ"، يعني: هذا البعير نخلةٌ جرداءُ في طولها. "تدلى البسر": شبه "العهون": وهي الصوف الأحمر الذي يزين به بالبسر الأحمر على نخلةٍ.
١٣فَوَاللَهِ ما أَدري أَجَولانُ عَبَرةٍ
تَجودُ بِها العَينانِ أَحجى أَم الصَبرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: ما أدري: أجولان عبرةٍ أحجى أم الصبر. أي: أيهما أخلق أن أفعله. يقال: "ما أحجى فلانًا بذلك"، أي: ما أخلقه.
١٤إِذا الهَجرُ أَودى طولُهُ وَرَقَ الهَوى
مِنَ الإِلفِ لَم يَقطَع هَوى مَيَّةَ الهَجرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الهجر": القطيعة. "أفنى طوله ورق الهوى"، أي: أيبس الهوى حتى صار ورقًا يابسًا، وضربه مثلًا. يقول: إذا طال الهجر بقي على هوى مية الورق، إذا لم يبق على غيره ورقٌ.
١٥تَميمِيَّةٌ حُلالَةٌ كُلَّ شَتوَةٍ
بحِيثُ اِلتَقى الصَمَّانُ وَالعَقَدُ العُفرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قال أبو عمرو: "العقد العفر: و"العقد": رمال تلتوي ويتعقد بعضها في بعض، الواحدة عقدةٌ. "حيث التقى الصمان والعقد". يقول: آخر الصمان وأدنى الدهناء، وهما موضعان. "العفر": الحمرة إلى البياض.
١٦بِأَرضٍ هِجانِ التُربِ وَسِميَّةِ الثَّرى
عَذاةٍ نَأَت عَنها المُلوحَةُ وَالبَحرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "بأرضٍ هجانٍ"، يعني: بيضاء الترب، كريمة التراب. "وسمية الثرى"، يقول: أصاب ثراها "الوسمي": وهو أول مطر الربيع. "عذاةٌ": عذبةٌ، لا تسقى إلا بماء السماء، وهي أرض طيبةٌ. ويقال: "أرضٌ عذاةٌ وعذيٌ". "نأت"، أي: بعدت عن "الملوحة": وهي السباخ. و"البحر": الريف. يقول: نأى عنها كل ما كان ملحًا من الماء أو سباخًا، ونأى عنها الريف لأنها بدء البر مثل البادية. و"البحر": الريف مثل بغداد والكوفة والبصرة. وأنشد: كأن فيها تاجرًا بحريًا ... نشر من ملائه البصريا
١٧تَحَلُّ اللِوى أَو جُدَّةَ الرَملِ كُلَّما
جَرَى الرِمثُ في مآءِ القَرينَةِ وَالسِدرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تحل": تنزل. يقول: تبدو إذا كانت الأمطار. و"اللوى": موضع "جدة" الرمل: طريقةٌ في الرمل، وجمعها جددٌ. وقوله: "في ماء القرينة": وهي وادٍ. قال أبو عمرو: مصنعةٌ تصنع لماء المطر. يقول: إذا جاء السيل فامتلأت جرى فيها السيل. والرمث و"السدر": نبتٌ، والواحدة "رمثةٌ": وهي مثل الشيح.
١٨تَطيبُ بِها الأَرواحُ حَتَّى كَأَنَّما
يَخوضُ الدُجى في بَردِ أَنفاسِها العِطرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: تطيب الأرواح بهذه الأرض، كقوله: "إن الخير ليطيب بكذا وكذا". و"الدجا": ما ألبس من سواد الليل، الواحدة دجيةٌ. ويقال للشاة إذا حسنت شحنتها وركب بعض شعرها بعضًا: "قد دجا"، وذاك من آية الحمل. ويقال: "ما كان ذلك منذ دجا الإسلام"، أي: ألبس الناس. يريد: كأن العطر يجري في الدجا في برد أنفاس هذه الأرواح. والطيب في البرد أشد ريحًا. أي: أنفاس الرياح إذا تنفست نفسًا باردًا فكأن العطر يفوح في الدجا من برد الأنفاس. كأن العطر يخوض الليل إليك، أي: يقطع.
١٩بِها فِرَقُ الآجالِ فَوضى كَأَنَّها
خَناطيلُ أَهمالٌ غُرَيرِيَّةٌ زُهرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "فِرقٌ": قطعٌ. و"الآجال": الواحد "إجلٌ": وهي قطيع البقر والظباء. "فوضى": مختلطةٌ. "خناطيل": أقاطيع، واحدها "خنطلةٌ". قال أبو عمرو: واحد الخناطيل خنطلٌ. "أهمال": مهملةٌ. "غريريةٌ": منسوبةٌ إلى "غُريرٍ": حيٍ من مهرة.
٢٠حَرىً حِينَ يُمسي أَهلُها مِن فِنآئِهِم
صَهيلُ الجِيادِ الأَعَوجيَّاتِ والهَدرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "حرى": خليقٌ هذا من أهلها أن يسمع. يقال: "هو حرى لذاك وحرى بذلك"، أي: خليقٌ. يقول: هو خليق أن يسمع صهيل الجياد والهدر من فنائهم، هدير الإبل.
٢١لَها بَشَرٌ مِثلُ الحَريرِ وَمَنطِقُ
دَقيقُ الحَواشِي لا هُرآءٌ وَلا نَزرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "رخيم الحواشي": لين نواحي الكلام. و"الهراء": الكلام الكثير الذي ليس له معنىً. و"الهذر": الكثير. يقال: "رجل مهذارٌ". و"النزر": القليل. فيقول: هو بين ذلك. ويروى: " .. ولا هذر". قال أبو عمرو: و"الهراء": الذي يتكلم بما جرى على لسانه.
٢٢وَعَينانِ قالَ اللَهُ كونا فَكانَتا
فَعولانِ بِالأَلبابِ ما تَفَعلُ الخَمرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "كونا فكانتا"، يريد: أن تجيئا فجاءتا. "فعولان بالألباب ما تفعل .. "، أي: سحرنا الألباب، ذهبتا بالعقول، كما تذهب الخمر بعقول الناس. "فعولان" يستأنفهما. قال الأصمعي: "فعولين بالألباب". فقال له إسحاق بن سويدٍ: ألا قلت: "فعولان". فقال: لو شئت سبحت.
٢٣وَتَبسِمُ لَمحَ البَرقِ عَن مُتَوَضِّحٍ
كَنَورِ الأَقاحِي شافَ أَلوانَها القَطرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: " .. العصر". "عن متوضح": عن ثغرٍ أسنانه واضحةٌ. "شاف": جلا. يقول: كأنما أصابتها غبرةٌ، ثم جاء المطر فجلا ذلك وزينه. ومن روى "العصر"، أراد: أن الرياح تسكن عند العصر، عند العشي.
٢٤فَما زِلتُ أَدعو اللَهَ في الدَارِ طامِعا
بِخَفضِ النَوى حَتَّى تَضَمَّنَها الخِدرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: ما زلت أدعو الله حتى ركبت فيئست. "طامعًا بخفض النوى"، يقول: طمعت بأن تخفض تلك النوى. و"النوى": النية التي تريدها. و"الطية": كذلك. ومن قال: "النوى": البعد فقد أخطأ. إنما "النأي": البعد. و"الخفض": الدعة وألا يسير. يقال: "تركت الرجل خافضًا"، أي: مقيمًا. و"هو في خفضٍ"، إذا أقام، قال أبو عمرو: "بخفض النوى": ألا يتفرقوا، ينزلون ساعةً.
٢٥فَلَمّا اِستَقَلَّت في حُمولٍ كَأَنَّها
حَدائِقُ نَخلٍ القادِسِيَّةِ أَو حَجرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الحدج": مركبٌ من مراكب النساء. ويروى: " .. في حمولٍ"، أي: مع حمولٍ. "حزائق" نخلٍ، أي: جماعات نخلٍ. و"حجرٌ": سوق اليمامة وما حولتها.
٢٦رَجَعتُ إِلى نَفسِي وَقَد كَادَ يَرتَقي
بِحَوبائِها مِن بَينِ أَحشائِها الصَدرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: كأنه عاتب نفسه فقال: يا عبد الله ارجع إلى نفسك. و"الحوباء": النفس. المعنى: وقد كاد يرتفع ويجيش الصدر بحوبائها، و"الهاء": للنفس.
٢٧وَحَيرانَ مُلتَجٍّ كأَنَّ نُجومَهُ
وَرآءَ القَتامِ العاصِبِ الأَعيُنُ الخُزرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: الليل، يُحار فيه. "ملتج": ذو لجةٍ، صار كأنه لجةٌ من شدة سواد الليل والظلمة. "وراء القتام"، يعني: الغبرة بين السماء والأرض، والنجوم وراء ذلك. فيقول: كأن النجوم عيونٌ خرزٌ، لا تضيء لما دونتها من القتام. و"الخزر": التي تنظر ببعضها. فشبه هذه النجوم واستبانتها من وراء القتام بالأعين الخزر. ويكون بلدًا لا يهتدى فيه، وجعل نجومه كالأعين الخزر، لأنها خفيةٌ من الغبار الذي فيه. و"العاصب": الثابت. ومنه: "عصب الريق بفيه"، إذا لصق بفيه.
٢٨تَعَسَّفتُهُ بِالرَكبِ حَتَّى تَكَشَّفَت
عَنِ الصُهبِ وَالفِتيانِ أَرواقُهُ الخُضرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تعسفت الطريق"، إذا ركبته على غير هدايةٍ. وروى أبو عمرو: "تجوبته"، أي: دخلت فيه. وروى أيضًا: " .. حتى تقوضت"، أي: تكشفت. "أرواقه"، أي: أعاليه، يعني: الليل. وهو التقوض. و"كفاؤه": أسفله. و"الخضر"، يريد به: سواد الليل.
٢٩وَماء هَتَكتُ الدِمنَ عَن آجِناتِهِ
بِأَسارِ أَخماسٍ جَماجِمُها صُعرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "هتكت": كشفت الدمن، أي: البعر. "عن آجناته": عما تغير من الماء. و"الأسار": البقايا. و"الأخماس": أن يرد الخميس. يقول: هذه إبل قد أبقت الأخماس من أجسامها، أي: هزلت فصارت بقايا تلك الأخماس، أكلتها الأخماس حتى بقيت منها بقية سؤرٍ. "صعرٌ": ميلٌ. يقول: وردته الإبل صعرًا، قد اعوجت رؤوسها من الزمام وجذبه. والصعر: ميلٌ.
٣٠تَرَوَّحنَ فَاعصَوصَبنَ حَتَّى وَرَدنَهُ
وَلَم يَلفِظِ الغَرثَى الخُدارِيَّةَ الوَكرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تروحن"، يعني هذه الإبل، أي: خرجن رواحًا. "اعصوصبن": اجتمعن. "حتى وردنه": وردن هذا الماء بسحرٍ. "ولم يلفظ الغرثى الخدارية الوكر". يقول: لم تخرج العقاب من وكرها. "لفظه": أخرجه. و"الغرثى": الجائعة. و"الخدارية": العقاب في سوادها. و"الوكر": وكرها الذي تكون فيه. و"الوكر": هو الفاعل الذي لم يلفظ الغرثى. قال: وهي تخرج بسدفةٍ.
٣١بِمِثلِ السُكارَى هَتَكوا عَن نِطافِهِ
غِشَاءَ الصَرى عَن مَنهَلٍ جَالُهُ حَفرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: ـروحن بفتيانٍ مثل السكارى من النعاس. "هتكوا": خرقوا. "عن نطافه": عن مائه، والواحدة نطفةٌ. "غشاء الصرى"، يعني: طلاوته وما عليه من البعر والقشب. و"الصرى": الماء الذي قد طال حبسه وتغير. و"المنهل": موضع الماء. و"جاله": ناحيته وما حولها، وكذلك "الجول". و"الجفر": البئر التي ليست بمطويةٍ. يقول: جال البئر ليس بمطويٍ. يقول: بئر جفرٌ متهدمة الجال وبئر متهدمة الجفر.
٣٢وَغَيدٍ نَشاوَى خَضخَضوا طامِياتِهِ
لَهُنَّ وَلَم يَدرُج بِهِ الخامِسُ الكُدرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "وغيدٍ نشاوى .. ". "شعثٌ": رجالٌ شعقٌ من السفر . "نشاوى" من النوم. "غيدٌ": أناسٌ في أعناقهم لينٌ من النعاس. "طامياته": ما طما من الماء، أي: امتلأ وارتفع. "خضخضوا": حركوا. والمعنى: أنهم خضخضوا الماء قبل أن ترد الطير اليوم الخامس. قال أبو عمرو: "به"، يعني: بالماء. و"الطاميات": هي التي لم يستق منها ولم يشرب، فقد علا ماؤها. "ولم يدرج به الخامس الكدر". "الخامس": القطا الذي ورده خمسٌ لا يبلغ هذا الماء، وإنما هذا تشديدٌ، لأن القطا يرد كل يوم. يقول: لم يدرج به القطا الذي لم يشرب أربعة أيام ليكون هذا الرجل عليه.
٣٣كَأَنَّ مَجَرَّ العِيسِ أَطرافَ خُطمِها
بِحَيثُ اِنتَهى مِن كِرسِ مَركُوِّهِ العُقرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: "مجر العيس": حيث جررن أطراف "الخطم": وهو جمعُ خطامٍ. و"المركو". الحوض الصغير بجعله الرجل ليومٍ أو يومين، وإنما أخذ من الركوة، شبه صغره به، يكون مع الرجل البعيران والثلاثة، فيتخذه لذلك. و"العقر": مقام الشاربة، حيث تقوم الإبل في أصل الحوض، أي: مقام أخفاف الإبل. والمعنى: بحيث انتهى العقر من كرس مركوه و"الكرس": البعر والبول يتلبد. وأراد: "بحيث انتهى"، أي: انقطع العقر، فصار في طرف المعطن. أي: بحيث صار آخر العقر من الكرس.
٣٤مَلاعِبُ حَيّاتٍ ذُكورٍ فَيَمَّمَت
بِنا مَصدَراً وَالشَمسُ مِن دونِها سِترُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: شبه أطراف الخطم بملاعب حياتٍ. وإنما قال: "ذكور" لأنها أقوى وأشد تعطفًا. و"جنانٌ" جمع جانٍّ: من الحيات. وأخذها من قوله: كأن مزاحف الحيات فيها ... قبيل الصبح آثار السياط وقوله: "فيممت" أي: قصدت بنا مذهبًا. و"الشمس من دونها سترٌ"، يقول: لم تظهر الشمس، وذلك بالغداة. و"الشمس": ابتداءٌ.
٣٥إِذا ما اِدَّرَعنا جَيبض خَرقٍ نَجَت بِنا
غُرَيرِيَّةٌ أُدمٌ هَجائِنُ أَو سُجرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "ادرعنا": جعلناه درعًا دخلنا فيه. و"جيبه": مدخله وأوله. و"الخرق": المكان المرتفع البعيد، ينخرق فيمضي. و"السجرة": حمرةٌ في بياضٍ. يقال: "ناقةٌ سجراء". "ادمٌ" بيضٌ "هجائن": كرامٌ.
٣٦حَراجيجُ تُغِليها إِذا صَفَقَت بِها
قَبائِلُ مِن حَيدانَ أَوطانُها الشِحرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: الواحدة: "حرجرجٌ": وهي التي قد طالت مع الأرض من الهزال. "صفقت بها": باعتها. و"الصفق": البيع. يقال: "صفق على يده يصفق صفقًا". و"بارك الله في صفقته"، أي: في بيعه. و"حيدان"، يريد: مهرة بن حيدان. ويقال: "حيدان بن معدٍ". و"الشحر": بلاد مهرة. "تغليها": تبيعها بثمنٍ غالٍ.
٣٧تَراني وَمِثلَ السَيفِ يَرمي بِنَفسِهِ
عَلى الهَولِ لا خَوفٌ حَدانا وَلا فَقرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يعني: نفسه وصاحبه. يقول: كأنه سيفٌ قد انجرد وبقي نصله. وكأنه السيف في مضانه. "حدانا"، يعني: ساقنا. يقول: لم نجيء مستجيرين من جريرةٍ. أي: لم يجيء بنا خوفٌ ولا فقرٌ إلى ذلك المكان.
٣٨نَؤُمُّ بِآفاقِ السَماءِ وَتَرتَمي
بِنا بَينَها أَرجاءُ دَوِّيَّةٍ غُبرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "نؤم": نقصدُ. و"آفاق السماء": نواحيها. يقول: إنما نؤم الطرق بآفاق السماء. يقول: نهتدي بالسماء وكواكبها. فإذا لم تكن كواكب فالمشرق والمغرب. و"الأرجاء": جمع رجأ، وهي النواحي. "بينها": "الهاء": للدوية. أي: نأخذ مرةً كذا ومرةً كذا. و"الدوية": المستوية. وبعضهم يقول: "داويةٌ"، فيستنقل التشديد، فيصبرها ألفًا لنصبه ما قبلها، كما قالوا: "ديوانٌ" والأصل: "ديوانٌ"، فاستثقلوا التشديد فصيروها ياءً لكسرة ما قبلها. و"غبرٌ": مغبرةٌ.
٣٩نَصي اللَيلَ بِالأَيّامِ حَتَّى صَلاتُنا
مُقاسَمَة يَشتَقُّ أَنصافَها السَّفرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: نواصل. يقال منه: "وصى يصي وصيًا"، إذا وصل. ويقال: "وصت لحيتك"، أي: اتصلت. "صلاتنا مقاسمة": لأن المسافر يصلي ركعتين. "يشتق": في معنى: "يشتق". أي: يصلي نصف صلاة الحاضر. و"السفر": المسافرون. وهو جمع سافرٍ، مثل: "شاربٍ وشربٍ وصاحبٍ وصحبٍ وراكبٍ وركبٍ".
٤٠نُبادِرُ إِدبارَ الشُعاع بِأَربَعٍ
مِنَ اِثنَينِ عِندَ اِثنَينِ مُمساهُما قَفرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: نبادر من قبل أن تغيب الشمس فنصلي العصر "بأربعٍ"، يريد: بأربع ركعاتٍ. قال: ويقال: "بأربع"، يعني: عينيه وعيني صاحبه. "من اثنين": من رجلين، هو وصاحبه. "عند اثنين": عند بعيرين. "ممساهما"، أي: أمسيا بأرضٍ قفرٍ.
٤١إِذا صَمَحَتنا الشَمسُ كَانَ مَقيلَنا
سَماوَةُ بَيتٍ لَم يُرَوَّق لَهُ سِترُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "صمحتنا الشمس تصمح صمحًا"، إذا اشتد وقعها علينا. و"السمارة": سقف البيت. "لم يروق له ستر": لم يرفع له ستر. إنما هو ظل ثوبٍ.
٤٢إِذا ضَرَبَتهُ الرِيحُ رَنَّقَ فَوقَنا
عَلى حَدِّ قَوسَينا كَما رَنَّقَ النَسرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "رنق فوقنا" هو أن يجيء ويذهب. يقول: الثوب الذي استظلوا على قوسين. "كما يخفق النسر". يقول: كما يتحرك النسر بجناحيه.
٤٣تُسَمَّى اِمُرؤُ القَيسِ اِبنَ سَعدٍ إِذا اِعَتزَت
وَتأَبى السِبالُ الصُهبُ وَالآنُفُ الحُمرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تسمى": تدعي إلى سعدٍ. و"اعتزت": انتسبت. "وتأبى السبال الصهب": وأخبر أن سبالهم صهبٌ لأنهم عجمٌ ليسوا بعربٍ.
٤٤نِصابُ اِمرِئِ القَيسِ العَبيدُ وَأَرضُهُم
مَجَرُّ المَساحِي لا فَلاةٌ وَلا مِصرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "النصاب": الحسب والأصل. يقول: أصلهم عبيدٌ. وأرضهم مجر "المساحي"، أي: المجارف، والواحدة مسحاةٌ. وإنما سميت لأنها تسحى بها الأرض. و"السحو": القشر. يقال: "سحا يسحو سحوًا" و"سحى يسحي سحيًا". "لا فلاةٌ"، يريد: لا بدوٌ.
٤٥تَخَطَّى إِلى الفَقرِ اِمرُؤُ القَيسِ إِنَّهُ
سَوآءٌ عَلى الضَيفِ اِمرُؤُ القَيسِ وَالفَقرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: تخط إلى القفر امرأ القيس إنه ... سواءٌ ع لى الضيف امرؤ القيس والقفر "تخط" أي: جاوز امرأ القيس إلى القفر.
٤٦تُحِبُّ اِمرُؤُ القَيسِ القِرى أَن تَنالَهُ
وَتَأَبى مَقارِيها إِذا طَلَعَ النَسرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "مقاريها": مستضافها. "إذا طلع النسر": في الشتاء. وقال أبو عمرو: النسر كوكب يطلع في الصيف.
٤٧إِذا اِنتَمَتِ الأَجدادُ يَوماً إِلى العُلى
وَشُدَّت لأَيّامِ المُحافَظَةِ الأُزرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "إذا مدت الغابات .. ". "انتمت": اعتزت. و"المحافظة" في الحرب وغير الحرب: من الحفاظ. ويقال للرجل إذا عزم على الأمر: "شد لذاك إزاره".
٤٨تَفوتُ اِمرَأَ القَيسِ المَعالي وَدونَها
إِذا اِئتَمَر الأَقوامُ يُحتَضَرُ الأَمرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: لا يشاورون في الأمور. "ائتمر": تشاور.
٤٩فَما لاِمرِئِ القَيسِ الحَصى إِن عَدَدتَهُم
وَما كَانَ يُعطيها بِأَوتارِها القَسرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الحصى": العدد الكثير. وقوله: "وما كان يعطيها بأوتارها القسر". يقول: إذا طلبت "الوتر": وهو الذحل. يقول: لم يكونوا يأخذون حقوقهم إلا بالسلطان و"الوتر": الذحل، الأمر الذي أسأت به.
٥٠أَرِحمٌ جَرَت بِالودِّ بَينَ نِسائكم
وَبَينَ اِبنِ حَوطٍ يا اِمرَأَ القَيسِ أَم صِهرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "ابن خوطٍ": رجل من بني امرئ القيس، رماه بابن خوطٍ.
٥١تَحِنُّ إِلى قَصرِ اِبن حَوطٍ نساؤُكُم
وَقَد مالَ بِالأَجيادِ وَالعُذَرِ السُّكرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: إنهن يشربن معهم. و"الأجياد": جمع جيدٍ. و"العذر": الذوائب. الواحدة عذرة. و"العنق" يذكر ويؤنث، فمن ذكره كان تصغيره: "عنيقًا"، ومن أنثه كان تصغيره: "عنيقةً".
٥٢حَنينَ اللِقاحِ الخورِ حَرَّقَ نارَهُ
بِغولانِ حَوضَى فَوقَ أَكبادِها العِشرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "اللقاح" جمع لقحةٍ. و"الخور": الغزار من الإبل، الرقاق. وإنما تكثر ألبانها لرقتها وهزالها. وإذا كانت سمينةً كان أقل للبنها. وواحد الخور خوارةٌ. و"غولان": الحمض، وهو نبتٌ. و"العشر": أن لا نشرب عشرة أيامٍ. فيقول: حنت هذه النسوة حنين اللقاح التي مكثت لم تشرب عشرًا. فحرق هذا العشر تارة، يعني: بحرارة العطش فوق أكباد هذه الإبل فاشتد عطشها. فهي تحن إلى هذا الورد. فحنت النساء إلى ابن خوطٍ كما حنت هذه الإبل إلى الماء.
٥٣وَما زالَ فِيهِم مُنذُ شَبَّت بَناتُهُم
عَوانٌ مِنَ السَوآتِ أَو سَوءَةٌ بِكرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "عوانٌ من السوءات"، أي: قد كان قبلها سوءاتٌ. و"سوأة بكرٌ"، أي: مبتدأةٌ.
٥٤وَإِنِّي لأَهجوكُم وَما لي بِسَبِّكُم
بِأَعراضِ قَومي عِندَ ذي نُهيَةٍ عُذرُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: أصلي خيرٌ من أصلكم فكيف أشتمكم. يقول: من كان له عقلٌ من قومي لم يعذرني. ديوان ذي الرُّمة
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.