١مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الْمَاءُ يَنْسَكِبُ
كَأَنَّهُ مِن كُلىً مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قال: قال "عمارة بن عقيل بن بلال بن جريرٍ: قال ذو الرمة: "إذا قلت: كأن، فلم أجد وأحسن فقطع الله لساني". ويروى: "سربُ" رفعت "الماء" بما في "ينسكب"، أراد: ما لعينك الماء ينسكب منها. و"منها" صلة "ينسكب". وأهل البصرة يخالفوننا، يقولون: رفعنا "الماء" بالابتداء، وخبره "ينسكب". "الكلى"، الواحدة كُلية: وهي رُقعة ترقع على أصل عروة المزادة. و"مفرية": مخروزة. يقال: "فريت المزادة فريًا" أي: خرزتها. و"سرب": أراد المصدر، وجعله اسمًا للماء الذي خرج من عيون الخرز، وذلك إذا كانت المزادة جديدًا. يقال: "سرِّب قربتك"، أي: اجعل فيها الماء لتنتفخ عيون الخرز وتبتل السيور. قال جرير: * كما عينت بالسرب الطبابا* قال أبو نصر: قال الأصمعي: "الفريُ: القطع، و"الفري": الخرز. و"فريته": أصلحتهُ، و"أفريته": أفسدته. وكل ما كان فريًا في شيءٍ قطع في فسادٍ فهو: "أفريتُ". و"السرب": الماء السائلُ. و"السرب": الماء بعينه.
٢وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا
مشلشلٌ ضيَّعتهُ بينها الكتبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "وفراء": واسعةٌ. و"غرفيةٌ": دُبغت بـ"الغرف": وهو شجر. ويقال: هي التي تدبغ بغير القرظ، تُدبغ بالتمر والأرطى والملح. قال الأصمعي: ما دُبغ بالبحرين فهو غرفي. وقوله: "أثأى خوارزها"، قال الأصمعي: "الثأي": أن تلتقي الخرزتان فتصيرا واحدة. وقال أعرابي من فصحاء الناس للفراء - وسأله ن هذا البيت - قال: "الثأي": أن تغلظ الإسفي، ويدق السير الذي يُخرز به، فهذا فساد. قيل له: "فما تسمى الخرزتان إذا صارا واحدة" قال: "ذلك الأتم. ومن ذلك سميت المرأة: "أنومأ"، وذلك إذا أتاها الرجل فصير المسلكين واحدًا. ورد "مشلشلًا" على "سربٍ" فرفعه. ويروى: "مشلشلًا" بالنصب، يوقع عليه الفعل. و"المشلشل": الذي يكاد يتصل قطره. و"الكتب". الخرز، الواحدة كتبة. وكلما جمعت شيئًا إلى شيء فقد "كتبته". وسميت "الكتيبة": كتيبة لأنها تكتبت واجتمعت. ومنه: كتبت الكتاب، إذا جمعت حروفًا إلى حروف. وقوله: "ضيعته" يريد: الكتب، أي: الخرز ضيعت الماء فيما بينها، فهو يُشل.
٣أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أَشْيَاعِهِمْ خَبَراً
أَمْ رَاجَعَ الْقَلْبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: استفهم فلذلك نصب ألف "أستحدث" وقطعها. يقول: أهذا الحزنُ من خبرٍ جاءكم أم هاجكم شوقٌ فحزنتم. و"الطرب": خفةٌ تأخذ الرجل من الحزن والفزع، كأنه مشدوهٌ، أي: ذاهب العقل. والطربُ في الفرح والحزن جميعًا. قال النابغةُ الجعدي: وأراني طربًا في إثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل و"الركب": قوم ركوبٌ، وهم أصحابه الذين معه، واحدهم راكب، مثلُ: شاربٍ وشرْبٍ، وصاحبٍ وصحبٍ. و"الواله": التي قد اشتد حزنها على ولدها. و"الأشياع": الأصحاب. قال أبو العباس: "لا يقال: ركبٌ إلا للجماعة على الإبل. ويروى: هل أحدث الركب".
٤مِنْ دِمْنَةٍ نَسَفَتْ عَنْهَا الصَّبَا سُفعاً
كما تُنشَّرُ بعدَ الطِّيَّةِ الكتُبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "من دمنةٍ"، وهو متعلق بقوله: "ما بال عينك منها الماء ينسكب" من أجل دمنة. أراد: أستحدث الركبُ خبرًا أم دمنةٌ هاجت حزنهم حين وقفوا عليها و"الدمنة" واحدة الدمن: وهو ما سوّدوا بالرماد وغير ذلك. وقوله: "نسفت عنها الصبا سفعًا"، أراد: نسفت عن الدمنة الصبا سفعًا. وتلك "السفع": "سيلًا من الدعص". يريد: رملًا سال من الدعص فترجم بـ"سيلٍ" عن "السُّفَعِ". و"السُّفَعُ": طرائق سودٌ تضرب إلى الحمرة. فيقول: الصبا نسقت السُّفعَ فاستبانت الأرضُ كما تُنشر الكتب بعد أن كانت مطوية. يقال: "ما أحسن طيته وجلسته! " يريد: الحال التي يجلس عليها. وقال بعضهم: "نصب: سفعًا، على الحال، وأوقع فعل الصبا على السيل، وأراد: أم دمنةٌ نسفت عنها الصبا سيلًا في حالِ سفعتها". قال أبو العباس: "السفعة: ما خالف لون الأرض، وهو يضرب إلى السواد". المهلبي: كما تقول: "غسلتُ عن ثوبه مدادًا نفطًا"، فقدم "السفع" ثم بين عن السفع فقال: "سيلًا ... ".
٥سَيْلاً مِنَ الدِّعْصِ أغْشتْهُ مَعَارِفَهَا
نَكْبَاءُ تَسْحَبُ أَعْلاَهُ فَيَنْسَحِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "سيلًا من الدعص"، يعني: الرمل. و"الدعص": الرملة الصغيرة. يقول النكباء أغشت معارف الدمنة السيل من الدعص فجاءت الصبا، وهي التي تقابل الدبور فنسفته عنها. و"معارفها": ما عُرف منها. وتسحب أعلى هذا السيل من الدعص، أي: تجر فينجر. و"النكباء": ريح تجيء منحرفة بين ريحين. قال أبو العباس: قال ابن الأعرابي: "الإيرُ من ارياح: بين الصبا والشمال، وهي أخبث النكب. وقال: الريح النكباء تهلك المال وتحسس القطر". والأصمعي يجعلها الرياح.
٦لاَ بَلْ هُوَ الشَّوْقُ مِنْ دَارٍ تَخَوَّنهَا
مَرّاً سَحَابٌ وَمَرّاً بَارِحٌ تَرِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "ببرقة الثور من دارٍ تخونها ... مرأ سحاب ومرأ بارح ترب" يقول: هذه الدمنة "ببرقة الثور": وهو موضع. وفي الرواية الأخرى. يقول: هذا الحزن ليس هو من خبر جاء، ولا من أثر الدار، لا بل هو شوقٌ هيج حزنكم من دار "تخونها": تنقصها، ويقال: تعهدها. "ضربُ السحاب" وهو المطر الخفيف. و"البارح": الريح تهب في الصيف. "تربٌ": معها تراب، أي: هي بارحٌ تربٌ. ويقال: "البارح": الريح الشديدة الهبوب. ويقال: "البارح": الريح التي تأتي عن يسار القبلة. قال أبو عبيدة: "سأل يونس رؤبة - وأنا شاهد- عن السانح والبارح. فقال: "السانح: ما ولاَّك ميامنه. والبارح: ما ولاَّك مياسرة". ومن روى: "مرأ سحاب ومرأ بارحٌ"، أراد: مرةً كذا ومرةً كذا".
٧يبدو لعينيكَ منها وهيَ مزمنةٌ
نُؤْيٌ وَمُسْتَوْقَدٌ بَالٍ وَمُحْتَطَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "يبدو": يظهر لعينيك "نؤي": وهو الحاجز حول بيوت الأعراب من المطر، يحفر جدول فيصيرُ التراب حول الجدول لئلا يدخل الماء. و"مستوقد": موضع وقود. و"محتطب": موضع حطب. و"مزمنة": أتى عليها زمن. و"الوقود": الحطب. وقال الأصمعي: التراب نفسه: "نؤي". وقول النابعة يدل على أنه التراب، وهو: " .. فهو أثلم خاشع"، يعني: النؤي. والحفرة لا تكون خاشعة، وإنما التراب "خاشعٌ"، أي: استوى مع الأرض. ويروى: "مستوقد باقٍ ومحتطب" يقول: هو بالحجارة فليس يذهب.
٨إلى لوائحَ من أطلالِ أحويةٍ
كَأَنَّهَا خِللٌ مَوْشِيَّةٌ قُشُبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: مع "لوائح": وهو ما لاح من الأطلال. و"الأحوية": أبياتٌ مجتمعةٌ، الواحد حواء. و"الخلل" بطائن أجفان السيوف الموساة. يشبه آثار الدبار بالخلل. "قشب": جددٌ. "موشية": من الوشي.
٩بجانبِ الزُّرقِ لمْ تطمسْ معالمها
دوارجُ المورِ والأمطارُ والحقبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الزرق": أكثبة رمالٍ بالدهناء. "لم تطمس": لم تمحُ معالمها. "دوارج المور" و"الدوارج": مآخير الرياح. و"المور": دقاقُ التراب، وهو ما رمت به الريح وذهب وجاء. و"الحقب": السنون. يقول: هذه اللوائح من أطلال أحوية بجانب "الزرق": وهو موضع. "معالمها": ما عُلم منها.
١٠دِيَارُ مَيَّةَ إِذْ مَيٌّ تُساَعِفُنَا
ولا يرى مثلها عُجمٌ ولا عربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "دارُ لمية" .. إذ هذه الدار لمية. يقول: ... ما وصفت "ديار مية إذ ميّ تساعفنا" أي: تواتينا وتطاوعنا. "ولا يرى مثلها عجمٌ ولا عربُ". وواحد "عجمٍ": "أعجم": وذلك إذا كان في لسانه، ثم تنسب إليه فتقول: "أعجميٌّ". وأما "العجم": قاسم قبيلة أهل العجمة، مثل قولك: "عجمٌ وعربٌ" فتنسب إليهما فتقول: "عجمي" بغير ألفٍ و"عربي". وتقول: "استعجيم على فلانٍ"، إذا لم يقدر على الكلام. ويقال: أعجم فلان دوني الخبر، إذا لم يبينه. المهلبي: قال المبرد: "أكثر ما تنشد العرب: ديار مية .. بالنصب، لأنه لما ذكر ما يجن إليه، ويصبو إلى قربه أشاد بذكر ما قد كان يلقى.
١١برّاقةُ الجيدِ واللَبّاتِ واضحةٌ
كأنَّها ظبيةٌ أفضى بها لببُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "واللبات واضحةٌ" بالرفع أيضًا. و"الجيد": العتق. و"اللبات" أراد: اللبة وما حولتها، فجمعها لذلك. "واضحةٌ": بيضاء. "أفضى بها لسبب"، أي: بهذه الظبية. و"أفضى بها"، أي: صيّرها في "فضاء"، أي: في سعة واستواء. و"اللبب": ما استرق من الرمل و"لببٌ" متعلق بالبيت الذي بعده.
١٢بين النَّهارِ وبينَ اللّيلِ من عقدٍ
عَلَى جَوَانِبِهِ الأْسْبَاطُ وَالْهَدَبْ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "من عقدٍ" بفتح القاف أيضًا. يريد: وأفضى بالظبية لببٌ من عقد. و"العقد": ما تعقد من الرمل وكثر. "بين النهار والليل"، يريد: أنها رعت نهارها، فلما انقضى النهار صارت ممتلئة الجلد براقة قد صقلها الرعيُ. وبين ذلك قوله: "على جوانبه الأسباط والهدب" فهي ترعى فيهما. و"السبط": نبتٌ. "الهدبُ": هدبُ الأرطى. وكل ورق ليس يعرض فهو: "هدبٌ" مثل ورق الطرفاء والأثل والأرطى والأثأب. يقول: لما رعت يومها امتلأت فهي أحسن ما تكون آخر النهار، لا ترى فيها ضمورًا، قد املاست وذهب تثني جلدها من الضمر والجوع.
١٣عَجْزَآءُ مَمْكُورَةٌ خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ
عَنْهَا الْوِشَاحُ وَتَمَّ الْجسْمُ وَالْقَصَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الممكورة": الحسنة طي الخلق. و"خمصانة": ضامرة البطن، و"قلقٌ عنها الوشاح". وإنما يقلق من ضمر البطن. و"القصب"، كل عظم فيه مخ فهو: قصبة، والجميع قصب.
١٤زينُ الثّيابِ وإنْ أثوابُها استُلبتْ
فوقَ الحشيَّةِ يوماً زانها السَّلبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "فوق الحشية منها زانها السلب". يقول: إذا لبست الثياب زانتها، وإن استلبت أثوابها وهي على الحشية "زانها السلب"، أي: خلقها حسنٌ.
١٥تريكَ سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مقرفةٍ
مَلْسَاءَ لَيْس بِهَا خَالٌ وَلاَ نَدَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "السنة": الصورة. وقوله: "غير مقرفة"، أي: ليست بهجينةٍ، هي عتيقةٌ كريمة. و"الندب: آثار الجراح. فيقول: ليس فيها خال ولا آثار. ويقال: "فرس مقرف" للذي دانى الهجنة. ويقال: "أخشى عليك القرف" أي: مداناة المرض. والعرب تقول في كلامها: "ما أبصرت عيني ولا أقرفت يدي"، أي: ولا دانت. ويقال لقشر الرمانة ولكل قشرٍ: "قرفٌ". ويقال: "اصبغ ثوبك بقرف السدر أي: بقشره. ومنه: "قرف فلان فلانًا"، وذلك إذا وقع فيه، وذكره بسوء، فكأنه قشره. ويقال: "فلان يقترف لعياله"، أي: يكسب لهم من هاهنا وهاهنا.
١٦إذا أخو لذَّةِ الدَّنيا تبطَّنها
والبيتُ فوقهما باللَّيلِ محتجبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تبطنها"، أي: علا فوقها، جعلها بطانة" له. ويروى: "إذا أخر نعمة الدنيا". ويروى: "إذا فتى لذة الدنيا تعطفها"، أي: جعلها كالرداء له. و"محتجب": مستتر.
١٧سافتْ بطيِّبةِ العرنينِ مارنُها
بِالْمِسْكِ والْعَنْبرِ الْهِنْدِيّ مُخْتَضِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "سافت": شمَّت، وهي تسوف سوفًا، يريد بأرنبةٍ طيبة العرنين. و"العرنين": الأ، ف كله. و"المارن": مالان من عظم الأنف. قال الأصمعي: وكل شي انصبغ فقد "اختضب".
١٨تَزْدَادُ لِلْعَيْنِ إِبْهَاجاً إِذَا سَفَرَتْ
وتحرج العينُ فيها حينَ تنتقبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: أرتني ما أبهج به. و"البهجة": النور والهيئة. وتحرج العين فيها حين تنتقب أي: تحير وتضيق عن النظر. ومنه قول الله تعالى: "يجعل صدره ضيقًا حرجًا". ومنه: "الحرجة": وهو كل ما التف من الشجر ولزم بعضه بعضًا. ومنه: "حرج عليَّ ظلمك" أي: حرم عليَّ، وغذا حرم فقد ضاق. يقول: إنها صارت إلى أمر تضيق عنه العين وتبهت، فلا تقدر أن تنظر إلى غيرها.
١٩لمياءُ في شفتيها حوَّةٌ لعسٌ
وفي اللِّثاتِ وفي أنيابِها شنبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "اللّمى": سمرة في الشفتين، وكذلك "الحوة": شبيهة باللمى تضرب إلى السواد، وكذلك "اللعس": يكون بالشفتين واللثة. ومنه يقال "شجرة لمياء الظل" أي: سوداء الظل. وذلك إذا كثر ورقها واسود ظلها و"الشنب": قال الأصمعي: بردٌ وعذوبةٌ في الأسنان. وغيره يقول: تحديد الأنياب ودقتها، والأول أجود.
٢٠كَحْلآءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَآءُ فِي نَعَجٍ
كأنَّها فضَّةٌ قدْ مسَّها ذهبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "البرج" سعة العين. يقال: "امرأة برجاء". و"النعج": البياض. يقال: "وهي نعجةٌ"، أي: بيضاء. و"النواعج": الإبل البيضُ. وقوله: "في نعج" أي: مع بياض الجسم. ويقال: "رجل أنجل" و"امرأة نجلاء" في معنى البرج. و"الكحلاء" التي تراها مكحولة، وإن لم تكحل. ويروى: "قد شابها ذهب".
٢١وَالْقُرْطُ فِي حُرَّةِ الذّفْرَى مُعَلَّقَةٌ
تباعدَ الحبلُ منهُ فهوَ يضطربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: والقرط في اذن "حرة الذفرى"، أي: كريمة الذفرى، عتيقتها أي: القرط في أذنٍ ذفراها حرة. وقوله: "تباعد الحبلُ منه"، يريد: حبل العاتق، تباعد من القرط فهو يضطرب. يقول: هي طويلة العنق، ليست بوقصاء. والقرط معلقه في حرة الذفرى. و"الذفريان": ما عن يمين النقرة وشماله. واستعار الذفرى- هاهنا- وإنما هي للإبل.
٢٢تلك الفتاةُ التي علِّقتُها عرضاً
إنّ الكريمَ وذا الإسلامِ يُختلَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "عُلقتها عرضًا"، أي: شيء اعترضه ولم يعلم به. إن الكريم "يختلب"، أي: يُخدع عن عقله.
٢٣لَيَالِيَ اللَّهْوُ يَطْبِينِي فَأَتْبَعُهُ
كَأَنَّنِي ضَارِبٌ فِي غَمْرَةٍ لَعِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "كأنني ضاربٌ في غمرةٍ"، أي: سابحٌ. و"الغمرةُ": الماء الكثير. والمعنى: كأني في غفلةٍ وبلهنية أسبح في الماء. و"لعيبٌ" و"لاعبٌ": سواء. و"يطبيني": يدعوني ويميل بي، فهذا مثل.
٢٤لاَ أَحْسِبُ الدَّهْرَ يُبلِي جِدَّةً أَبَداً
وَلاَ تُقَسِّمُ شَعْباً واحِداً شُعَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: لم أكن أحسب أنه يكون بالإنسان هرمٌ ولا بالثوب إخلاقٌ، كنت أرى أن كل شيء جديدٌ من غرَّني وغفلني. ولم أحسب أن شعبًا تأتي شعبًا واحدًا فتفرقه. ويعنى بـ"الشعب": القبائل. وذلك أنهم كانوا مجتمعين في مكان واحد في الربيع، فلما ذهب الربيع تحمل الشعب الذين كانوا في موضع واحد، فذهبت قطعةٌ إلى هؤلاء وقطعة إلى هؤلاء. فهذه الشعب التي في مواضع شتى، وكانت في موضع واحد، ثم تفرقوا بعد إلى مواضعهم. و"الشعب": هي الفاعلة.
٢٥مُعَرِّساً فِي الصُّبْحِ وَقْعًتُهُ
وسائرُ السَّيرِ إلاّ ذاكَ منجذبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "التعريس": الوقعة عند السحر. فيقول: وقعته التي ينام فيها عند الصبح. وقوله: "وسائر السير منجذب إلا ذاك التعريس". ومعنى: "منجذبٌ": ماضٍ سريعٌ. ورد "معرسًا" على "هاجعٍ".
٢٦أخا تنائفَ أغفى عندَ ساهمةٍ
بأخلقِ الدَّفِّ منْ تصديرها جلبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "أخا تناثف"، أي: زار الخيال أخا تناثف. وعنى ذو الرمة نفسه، أنه لزم التنوفة. و"أغفى": تام "عند ساهمة". و"الساهمة": الناقة الضامرة المتغيرة. وقوله: "بأخلق الدف"، أراد: بأخلق الدف جلبٌ من تصديرها. و"التصدير": حزام للرحل. و"الأخلق": الأملس الذي ذهب وبره. و"الجلبة": الجرح الذي قد جف وعليه جلدة غليظة عند البرء. ومعنى: "بأخلق الدف"، يريد: بالموضع الأخلق من الدف. "الدف: "الجنب".
٢٧تشكو الخشاشَ ومجرى النِّسعتينِ كما
أنَّ المريضُ إلى عوّادهِ الوصبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: الناقة "تشكو الخشاش". و"الخشاش": هو الذي يُجعل في أنف البعير. و"العِران": أن يجعل في "الوترة": وهو ما بين المنخرين. و"البرة": التي تجعل في جانبي أحد المنخرين، وهي من صفرٍ، وربما كانت من شعر. وتشكو "مجرى النسعتين": وهو موضع التصدير والحقب. والحقب: النسعة تكون أسفل بطن البعير على الحقر. و"التصدير": حزام الرحل، يشد على صدره. وقوله: "كما أن المريض" فهو من الأنين. و"الوصب": الوجع. يقال: "فلان يتوصب"، أي: يجد وصبًا، يريد: وجعًا.
٢٨كَأّنَّهَا جَمَلٌ وَهْمٌ وَمَا بَقِيَتْ
إِلاَّ النَّحِيَزةُ وَالأَلْواحُ وَالْعَصَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: الجمل "الوهم": الضخم. و"النحيزة": الطبيعة. و"ألواحها": عظامها. يقول: هذه الناقة مذكرةٌ، خلقتها خلقةُ جملٍ، وما بقيت منها بقيةٌ، أي: فنيت من السير والتعب.
٢٩لا تشتكى سقطةٌ منها وقدْ رقصتْ
بِهَا الْمَفَاوِزُ حتَّى ظَهْرُهَا حَدِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "لا تشتكي سقطة منها". يقول: لا يقال فيها ما يُكره، أي: لا يقال فيها كذا وكذا. و"السقطة": العثرة والفترة. "وقد رقصت بها المفاوز"، يقول: هي تقمص ليست على طمأنينة. و"حتى ظهرها حدبُ"، أي: قد حدب من الهزال و"المفاوز" واحدها: مفازة. وكان ينبغي أن تسمى مهلكة لأنه لا ماء فيها، وإنما كرهوا أن يقولوا: "مهلكةٌ" تطيرًا، فقالوا: "مفازةٌ" أي: منجاةٌ. يقال: "فاز الرجلُ"، إذا نجا. كما يقال للملدوغ: "سليمٌ". ولم يقولوا: "ملدوغ" تطيرًا منها، فقالوا: "سليمٌ"، أي سيسلم.
٣٠كأنّ راكبَها يهوي بمنخرقٍ
مِنَ الْجَنُوبِ إذَا مَا رَكْبُها نَصِبُوا
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "بمنخرق من الجنوب"، يريد: ممر الجنوب. و"منخرق الجنوب": حيث تنخرق وتمر. و"نصبوا"، أي: أخذوا في السير. ويقال: "نصب القوم بومهم"، وهو أن يدوم سيرهم، وليس سيرهم بعدوٍ ولا مشي، وهو ألين من ذلك. ويروى: "نصبوا" بكسر الصاد، أي: تعبوا.
٣١تخدي بمنخرقِ السِّربالِ منصلتٍ
مثلِ الحُسامِ إذا أصحابهُ شحبوا
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: تخدي هذه الناقة بمنخرق السربال، وذلك أنه مسافر قد تشققت ثيابه من طول السفر. و"السربال": القميص. "منصلت": منجردٌ ماضٍ. "مثل الحسام"، يريد: هو في مُضيّه مثلُ السيف، لا يصيبه ما أصاب أصحابه. و"شحبوا": تغيروا من طول السفر. و"الخديان": ضربٌ من السير ويقال: "حسمته"، إذا استأصلته وقطعته. ويقال: "شحب يشحب شحوبًا في لونه".
٣٢وَالعِيسُ مِنْ عَاسِجٍ أَوْ وَاسِجٍ خَبَباً
ينحزنَ من جانبيها وهي تنسلبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "العيس": البيض من الإبل تعلوها حمرة. و"العسجُ": ضرب من المشي، وهو فوق الزميل. و"الوسج": شبيهٌ به. و"ينحزن من جانبيها"، يقول: يستحثثن ويضربن بالأعقاب. وأصلُ "النحز": الدق، ومن ثم قيل الهاون: "منحازٌ". و"تنسلب": تنسل. ويقال: "بعير أعيس وناقة عيساء".
٣٣تُصْغِي إِذَا شَدَّهَا بِالْكورِ جَانِحَةً
حتى إذا ما استوى في غرزها تثبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الكور": الرحل. يقول: إذا شدت بالكور "أصغت" ومالت كما يميل الإنسان للاستماع. و"جانحة": لاصقة بالأرض، دانية منها. و"الجانح" أيضًا: المائل إلى الشيء. ومنه: "جنحت السفينة"، إذا لَصِقت بالأرض ودنت. و"جنحت الشمس"، إذا دنت للغيوب. وقال الذبياني: يقولون: حِصنٌ، ثمَّ تأبى نفوسهم ... وكيف بحصنٍ والجبال جنوح يقول: هي ثابتة لم تَمِلْ ولم تسقط، كالسفينة التي لصقت بالأرض، يقول: لو مات لسقطت الجبال لموته. و"الغرز": ركاب الناقة. قال الأصمعي: قد أساء في هذا البيت، كان ينبغي أن يستوي ثم تثب ناقته. وقال: بيت الراعي أجود منه: ولا تعجل المرء قبل الورو ... ك وهي بركبته أبصر وهي إذا قام في غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر فقيل له: "ألا قلت مثل قول الراعي؟! ... ". قال: ففكر ساعة ثم احتال، فقال: "الراعي وصف ناقة الملوك، وأنا وصفت ناقة السوقة". و"الغرز": سير كالركاب يكون في جانب التصدير، يضع الرجل رجله إذا أراد الركوب عليه.
٣٤وَثْبَ الْمُسَحَّج مِنْ عَانَاتِ مَعْقُلَةٍ
كأنّه مستبانُ الشَّكِّ أو جنبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "المسحج": الحمار المكدح المعضض. و"معقلةُ": موضع بالدهناء. و"الشك": الظلع، يقال: "هو يشك". فيقول: الحمار كأن به ظلعًا وليس به ذلك، كذلك خلقته أول ما يعدو من نشاطه. و"عاناتٌ" جمعُ "عانة": وهي الجماعة من الحمير. و"الجنب": الذي لصقت رئته بجنبه من العطش. و"الجنب" أيضًا: الذي يشتكي جنبه، فهو على شقٍ من النشاط.
٣٥يحدو نحائصَ أشباهاً محملجةً
ورقَ السَّرابيلِ في ألوانها خطبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "في أحشائها قببُ". ويروى: "قودًا سماحيج في ألوانها خطب". ويروى: "يقلو نحائص" أي يطرد. و"يحدو": يسوق هذا الحمار "نحائص"، الواحدة "نحوصٌ": وهي الأتان التي لم تحمل سنتها. و"أشباهًا": مشتبهات. و"محملجة" شديدة الفتل والإدراج. "ورق السرابيل"، يقول شعرها يضرب إلى السواد. يقال: "بعير أورقُ" و"ناقة ورقاء". وقوله: "خطبُ"، يريد: الخضرة. و"الخضرة"- عند العرب-: السواد. قال الشاعر: أخضرُ اللون من سوادٍ أراه ... إنما خضرةُ الثياب سواد
٣٦لَهُ عَلَيْهِنَّ بِالْخَلْصَآءِ مرتعةٍ
فَالْفَودَجَانِ فَجنْبَيْ وَاحِفٍ صَخَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: للحمار على أُتنه "صخبٌ"، أي: نهيقٌ وصياحٌ في "مرتعه"، يريد: حيث يرتع، وفي" "الفودجات" وفي "جنبي واحف": وهذه مواضعُ. فلذلك نصب "مرتعه" على الظرف، أي: في مرتعه.
٣٧حتى إذا معمعانُ الصَّيفِ هبَّ له
بأجَّةٍ نشَّ عنها الماءُ والرُّطبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "معمعان الصيف": سدةُ الحر والنهابة. و"هب له": استيقظ له، أي: الحمارُ "بأجة". و"الأجة": التوهج. و"نش عنها الماء والرطب"، يريد: نشَّ عن "الأجة"، أي: من أجلها، وهي السموم. و"الرطب": رطب الكلأ، وهو ما رطب منه.
٣٨وصوَّحَ البقل نأاج تجيءُ بهِ
هَيْفٌ يَمَانِيَةٌ فِي مَرِهَا نَكَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "صوح البقل ناج"، أي: سقفه ويبسه. ومنه: "انصاحت العصا"، إذا انشقت. و"الناج": وقتٌ تنأج فيه الريح، أي: تشتد وتسرع المر. و"الهيف": الريح الحارة. يقال: "نأجت". والمعنى: وصوح البقل وقتٌ نجيء بمجيئه "هيفٌ يمانيةٌ في مرها نكب"، أي: اعتراض وتحرف. يقول: هذا الريح تجيء بدفعة من ريح أخرى أشد منها. و"اليمانية": الجنوب.
٣٩وأدركَ المتبقَّى من ثميلتهِ
ومن ثمائلها واستشئَ الغربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "وأدرك المتبقى"، يريد: أن الحر أدرك ما بقي في جوفه من علفه، و"المتبقى": ما في بطونها من العلف، أدركه الحر فأذهبه، وهو: الشميلة. "واستنشئ الغرب"، أي: شم. ومنه: "شممت من نشوة طيبة". و"الغرب": ما سال بين البر والحوض من الماء. وإنما استنشئ من العطش وطلب الماء.
٤٠تَنَصَّبَتْ حَوْلَهُ يَوْماً تُراقِبُهُ
صُحْر سَمَاحِيجُ فِي أَحْشَائِهَا قَبَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تنصبت" الأُتن حول الفحل، أي: هي قيامٌ حوله تنظر ما يفعل في وروده. و"الصحرة": بياض في عفرةٍ. ويقال: "أصحرُ": يضرب إلى الحمرة. ويروى: "قود سماحيج في ألوانها خطب". "قود": طوال الأعناق. وقال: الأصمعي: "الخطبة": الخضرة. و"قب": ضمرٌ. "سماحيج"، الواحد "سمحج": وهي الطوالُ على وجهِ الأرض، ليست طويلةً إلى السماء. ويقال: إن الحمار لا يوردها الماء إلا ليلًا مخافة الرماة.
٤١حتى إذا اصفرَّ قرنُ الشَّمسِ أو كربتْ
أمسى وقدْ جدَّ في حوبائهِ القربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "قرن الشمس": حاجبها، أي: ناحيةٌ من نواحيها. وقوله: "أو كربت"، يريد: دنت. و"الحوباء": النفس. و"القرب": يقرب إلى الماء. و"القرب": سيرُ الليل لورود الغد. قال أبو العباس: "والطلق": أن يدرك الماء في يومه. أمسى الفحل وقد جد. ويروى: "حتى إذا الشمس في جلبابها احتجبت"، مالت للغروب.
٤٢فَرَاحَ مُنْصَلِتاً يَحْدُو حَلاَئِلَهُ
أَدْنَى تَقَاذُفِهِ التَّقْرِيبُ وَالْخَبَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: فراح الفحل "منصلتًا"، أي: منجردًا ماضيًا مسرعًا. "يحدو حلائله": يسوق أتنه. "أدنى": أقربُ. تقاذفه": عدوه، أي: أهونُ سيره التقريب والخبب. و"التقاذف": أن يرمي بيديه في السير.
٤٣يعلو الحزونَ بها طوراً ليتعبها
شِبْهُ الْضِّرَارِ فَما يُزْرِي بِهَا التَّعَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: الفحل يعلو بالأتن "الحزن": وهو ما غلظ من الأرض وارتفع أو لم يرتفع. وقوله: "شبه الضرار" أي: كأن الحمار يضارها "فما يزري بها"، أي: ما يقصر بها التعب.
٤٤كأنَّه معولٌ يشكو بلابلهُ
إذا تنكَّبَ من أجوازها نكبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "كأنه معولٌ" أي: كأن الحمار "معول": وهو الباكي. يشكو "بلابله"، أي: همومه. إذا "تنكب": تنحى ومال. من "أجوازها": أوساطها. يقول: إذا مال عنه منها شيء نهق عليها حتى يردها، وكأن نهاقه صياح رجلٍ معولٍ. قال أبو العباس: "بلابله": ما في صدره. و"تنكب" تحرف.
٤٥كَأَنَّهُ كُلَّمَا ارْفَضَّتْ حَزِيقَتُهَا
بالصُّلْبِ مِنْ نَهْشِهِ أَكْفَالَهَا كَلِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "كأنه": كأن الفحل. ارفضت "حزيقتها" جماعتها. يقال: "هي الحزيقة والفرقة والرجلة والعصبة" للجماعة. "بالصلب": فوق كاظمة. "من نهشه": من عضه "أكفال" الحمر: وهي أعجزاها. "كَلِبٌ": هو الذي اشتد غضبه فكأنه مجنون. يقول: "هذا الحمار إذا انتشرت عليه اتنه ولم تتسق كدمها وأهانها.
٤٦كأنَّها إبلٌ ينجو بها نفرٌ
من آخرينَ أغاروا غارةً جلبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: كأن الأتن إبل "جلبٌ" ينجو بها نفر من قوم آخرين أغاروا غارةً. فشبه الأتن والفحلُ يسوقها بإبل "جلبٍ" تجلب: تطرد وتساق. وكذلك يقال للإبل، إذا جُلبت لبيعٍ: "جلبٌ" ويروى: "جُلبٌ"، يريد: جلبوها للبيع. المهلبي: قال الأصمعي: ليس يعني بها أغاروا غارة جلبوها، لأن العرب لا تكاد تقول: ذهب ضربه زيدًا، إنما تقول: ذهب فضربه زيدًا. ولكن سماه بالمصدر.
٤٧والهمُّ عينُ أثالٍ ما ينازعهُ
منْ نفسهِ لسواها مورداً أربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: ليس للفحل هم غير عين أثال. ما ينازعه "أربٌ"، أي: حاجةٌ. "لسواها"، يريد: إلى سواها. يريد: سوى عين أثال. الألف والهاء في "سواها" كنايةٌ عن العين. و"أُثالُ": موضع، و"المنازعة": المجاذبة. ويروى: "موردًا أربُ" بالرفع، يريد الأرب على الموضع ما ناله.
٤٨عيناً مطحلبةَ الأرجاء طاميةً
فيها الضَّفادعُ -والحيتانُ- تصطخبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أراد: فغلست "عينًا"، يريد: عينًا من الماء عليها "الطحلب": وهو خضرةٌ على رأس الماء. و"طامية": قد طمى ماؤها وارتفع، يقال: طمى الماء يطمي ويطمو". و"الأرجاء": نواحي العين، الواحد "رجأ" مقصورٌ. "فيها الضفادع تصطخب": تصيح، وفيها الحيتان أيضًا.
٤٩يستلُّها جدولٌ كالسَّيفِ منصلتٌ
بينَ الأشاءِ تسامى حولهُ العُسُبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "يستلها"، يعني: العين. أي: ينزع ماءها نهر آخر يذهب به. "منصلت": كالسيف في مضائه، يعني: الجدول. "بين الأشاء"، و"الأشاء": النخل الصغار، الواحدة أشاءةٌ. "تسامى": تطاول "العسب" فوق الأشاء. وهو جمع عسيب. و"عسيبُ" النخل: سعفه. المهلبي: يقول: قد طالت العسب فصار النهر تحت الظل.
٥٠وبالشَّمائلِ منْ جلاّنَ مقتنصٌ
فَأَصْبَحَ الْبَكْرُ فَرْداً مِنْ خَلآئِلِهِ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: وبالشمائل من جلان مقتنصٌ ... رذل الثياب خفيُّ الشخص منزرب "وبالشمائل"، يريد: ذات الشمال. "مقتنص": صائد. وإنما صار في ذات الشمال لأنه يريد أن يرمي الأفئدة من الحمر، وهو مقتلٌ لأن الصائد يرمي الجانب الأيسر من الحمار لأنه ناحية القلب. أ/ وقال بعضهم: أراد بـ"الشمائل" القتر. و"القترة": بيت الصائد. قال الأصمعي: لا أعرف هذا التفسير. و"جيلان": قبيلة من عنزة. و"خفي الشخص" صغير الخلق. "منزربٌ": داخلٌ في قُترته، يعني: الصائد. و"الزرب": حفيرةٌ يجعل فيها الراعي الجداء. فجعل حفيرةالصياد التي يختفي فيها للوحش زربًا. و"ردلُ الثياب": خلقُ الثياب.
٥١معدُّ زرقٍ هدتْ قضباً مصدَّرةً
مُلْسَ الْبُطُونِ حَدَاهَا الرِيشُ وَالْعَقَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "يسعى بزرق": والصائد معيدُّ "زرق": وهي النصال: هدت "قضبًا" أي: الزرقُ صارت أوائل القضبِ. و"القضبُ": السهام، الواحدة: قضيب. و"مصدرة": شديدة الصدور. وقد قيل: "معقبة الصدور". "حداها": ساقها الريش والعقب.
٥٢كانتْ إذا ودقت أمثالهنَّ لهُ
فبعضهنَّ عنِ الأُلاّفِ مشتعبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "كانت"، يريد: الحمر. "إذا ودقت": إذا دنت. "أمثالهن": أمثال هذه الحمر لهذا الصائد. فبعضهن يشتعبه سهم عن ألافه فيجتذبه ويخترمه ويختلجه، واحدٌ. ومنه: "اختلج فلان من بيننا واستعب واجتذب"، ومنه سُمي الخليج: "خليجًا" لأنه يجتذب مما هو أكبر منه. ويقال: "مشعبٌ"، أي: مقتول. وهو مأخوذ من "شعوب": وهي المنيةُ. قال أبو العباس: "الآلاف" جمع إلف، مثلُ حملٍ وأحمال. و"ألاف" جمع آلفٍ، مثلُ: كاتبٍ وكتّاب.
٥٣حتَّى إذا الوحشُ في أهضامِ موردِها
تغيَّبتْ رابها من خيفةٍ ريبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: والمعنى: لم تزل القصة كذا وكذا حتى كان هذا. و"الأهضام": ما انخفض من الأرض. والواحد هِضمٌ. "تغيبت" يريد: تغيبت في الأهضام. وقوله: "رابها من خيفة ريبُ"، يقول: سمعت حسًا من الرامي فرابها، فهو مما يريبها وتنكره. ويروى: "رابها من ريبة ريب".
٥٤فعرَّضتْ طلقاً أعناقها فرقاً
ثمَّ اطَّباها خريرُ الماءِ ينسكبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "عرضت": مالت أعناقها فرقًا من الصائد. والطلق": الشوط. "ثم اطباها"، أي: دعاها. يعني: خرير الماء، أي: صوته. سمعته الحمير فأتته، فكأن الخرير دعاها. و"ينسكب" موضعه نصبٌ. أراد: الحال. يقول: لما خافت التفتت تسمع مقدار ما تجري طلقًا، ثم دعاها خرير الماء فأقبلت عليه. ولو كانت جرت طلقًا ما سمعت الخرير.
٥٥فأَقْبَلَ الْحُقْبُ وَالأكْبَادُ نَاشِزَةٌ
فوقَ الشَّراسيفِ منْ أحشائها تجبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الحقب"، يرد: الحمر، الواحد: أحقب، والحقباء: الأنثى. وسميت: "حقباء" لبياض في موضع الحقيبة. وقوله: "والأكباد ناشزة"، يقول: شخصت أكبادهن من الفرقِ. و"الشراسيف": مقط الأضلاع وأطرافها التي تُشرف على البطن واحدها شرسوف. و"تجب": تخفق.
٥٦حَتَّى إِذَا زَلَجَتْ عَنْ كُلِّ حَنْجَرَةٍ
إلى الغليلِ ولم يقصعنهُ نُغبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يعني: حتى إذا زلجت "نغبٌ"، أي: جرعٌ، الواحدة نغبةٌ. "عن كل حنجرة إلى الغليل"، أي: زلقت إلى "الغليل": وهو حرارةُ العطش. "ولم يقصعنه"، أي: ولم يقتلن عطشهن. أي: لم يروبن. و"القصع": قتلُ العطش. يقال: "قصع صارة عطشه"، أي: قتل شدة عطشه. و"الحنجرة": بين اللهوات وبين المريء. و"المريء": مجرى الطعام في الحلق. قال المهلبي: قال الأصمعي: "ليس هذا من جيّد الوصف لأنها إذا شربت ثقلت وإن كانت لم ترو".
٥٧رمى فأخطأَ والأقدارُ غالبةٌ
إِلاَّ النَّحِيَزةُ وَالأَلْواحُ وَالْعَصَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: رمى فأخطأ، والأقدار غالبةٌ ... فانصعن، والويل هجيراه والحرب رمى الصائد فأخطأ وأقدارُ الله غالبة، "فانصعن": أي: اشتققن أخذن في شقٍ و ناحية. "والويل هجيراه"، لما أخطأ الصائد أقبل يهجر بما يجيء على فمه، لا يدري ما هو، ويقال: "هجيراه": دأبه. فيقول: الويل دأبه والحرب لما أخطأ. ويقال: "ما كان له هجيري إلا كذا وكذا"، يعني: الكلمة التي أولع بها.
٥٨يقعنَ بالسَّفحِ ممّا قدْ رأينَ بهِ
وقعاً يكادُ حصى المعزاءُ يلتهبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "وقعًا يكاد من الإلهاب يلتهب". ويروى "من الإجهاد"، أي: الحمر "يقعن بالسفح"، أي: يضربن بحوافرهن سفح الجبل من شدة العدو. ومنه: "وقعت النصل". ويقال للمطرقة: "ميقعةٌ"، لأنه يقع بها الحداد، أي: يضرب بها. و"مما قد رأين به"، يريد: سفح الجبل، لأن بيت الصائد بالسفح. وقيل: "الهاء التي بها تعود على الصائد، أي: مما قد رأين بالصائد من تلهفه. و"المعزاء": أرض كثيرة الحصى. ويكاد حصى المعزاء يلتهب من شدة عدوهن ووقع حوافرهن. ويقال: "نصلٌ وقيعٌ" و"أنا أقعه وقعًا". ويقال: "قع نصلك". و"سفح الجبل": ما ارتفع عن مسيل الوادي، وارتفع عن الجر، و"الجر": أصل الجبل.
٥٩أَذَاكَ أَمْ نَمِشٌ بِالْوَشْي أَكْرُعُهُ
وَلاَ تُقَسِّمُ شَعْباً واحِداً شُعَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أذاك أم نمشٌ بالوشم أكرعه ... مسفعُ الخد غادٍ ناشطٌ شبب ويروى: "أم نمشٌ بالوشي"، يريد: أذاك الحمارُ يشبه ناقتي أم ثور "نمشٌ بالوشم أكرُعه". و"النمش": نُقطٌ سود بقوائمه. ويقال: "وشمته": نقطته. و"مسفع الخد": أسود. "ناشط" يخرج من أرض إلى أرض. و"شببٌ": مسن و"الأكرع" واحدها "كراع": وهو الوظيفُ. و"الوظيف": ما بين الركبة إلى الرسغ، وفي الرجل: ما بين العرقوب إلى الرسغ.
٦٠تقيَّظَ الرَّملَ حتَّى هزَّ خلفتهُ
تَرَوُّحُ الْبَرْدِ مَا فِي عَيشِهِ رَتَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تقيظ الرمل" يعني: الثور، أقام قيظه "حتى هز خلفته تروح البرد". و"الخلفة": ما نبت بعد نبتٍ أول إذا برد الليل و"هز": نبت فاهتز من النعمة. و"تروح البرد"، يريد: التروح الذي يكون في البرد. والشجر إذا أصابه البرد فتفطر بالورق، قيل: "تروح". فيقول: الثور في عيش أملس، ليس في غلظٍ. و"الخلفة": نبتٌ. يجيء بعد نبت في أدبار القيظ. و"الرتب": الغلظ. وأصل "الرتبِ": ما أشرف من الأرض. وواحدهُ رتبةٌ. وكذلك عتبة الباب، جماعها عتبٌ. و"الخلقةُ" أيضًا: ما نبت أيضًا في الشتاء قبل المطر. قال: ويروى: "ما في عيشه عتبُ" أي: لا يتعتبُ على شيء من عيشه فيتمنى غيره. والأصل: "عتبٌ" مخففٌ فثقل للضرورة.
٦١ربلاً وأرطى نفتْ عنهُ ذوائبهُ
كواكبَ الحرِّ حتى ماتتِ الشُّهبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "كواكب القيظ". و"الربل" من النبت: الذي يتربل في آخر الصيف، فيصيبه بردُ الليل فينبت بلا مطرٍ. و"ذوائبه": أغصانه. و"كواكب الحر": معظمه وشدته. و"الشهب"، "شهاب الحر": شدته، وأصل "الشهاب": النار. و"الأرطى": شجر. وكان الأصمعي ينصبُ "الذوائب"، ويرفع "الكواكب". فـ من نصب "الذوائب" قال: كواكب الحر ألقت ورق الأرطى وأغصانه. ومن رفع "الذوائب" يقول: أغصان الأرطى نفث عن الثور "كواكب الحر": وهي معظمه وشدته "حتى ماتت الشهب"، واحد "الشهب"، شهاب. و"ربلا" منصوب، أي: هو خلقته ربلًا.
٦٢أَمْسَى بِوَهْبِينَ مُجْتَازاً لِمَرْتَعِهِ
من ذي الفوارسِ يدعو أنفهُ الرِّببُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "مختارًا"، أي: أمسى الثور مجتازًا لمرتعه، أي: اجتاز ليطلب مرتعه. و"ذو الفوارس": موضعُ رمل. و"الربة": نبتٌ. وقوله: "يدعو أنفه الربب"، كأن الربب تدعو الثور إليها، والربب لا تدعوه، وإنما هذا مثلٌ. يقول: لما شم الثور الربب أتاها، وكأنها دعته إلى نفسها "بوهبين": وهو موضع.
٦٣حتَّى إذا جعلتهُ بينَ أظهرها
من عجمةِ الرَّملِ أثباجٌ لها خببُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: إذا جعلت "الأثباج" من الرمل- يريد: الأوساط- الثور بين أظهرها، أي: صار الثور في وسط الأثباج من الرمل. و"عجمة الرمل": معظمه. و"الأثباج": هي من عجمة الرمل. و"لها خبب"، أي: للأثباج طرائق، الواحدة خبة. قال الشيخ أبو يعقوب: قال الخليل: "الخبةُ" والجمع الخباب: وهو شبه الطية من الثوب، مستطيلة كأنها طرة، وقد يوصف بها طريق من الرمل.
٦٤ضَمَّ الظَّلاَمُ عَلَى الْوَحْشِيِّ شَمْلَتَهُ
وَرَائِحٌ مِنْ نَشَاصِ الدَّلْو مُنْسَكِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الوحشي": الثور. والظلام ضم عليه "شملته" أي: لباسه. صير ظلمة الليل لباسه. و"رائح"، يريد: الغيث راح رواحًا. "من نشاصِ الدلو": وهو ما تراكب من السحاب وارتفع. و"منسكب": منصبٌ. و"الدلو": دلو النجم، يقول: هذا عند سقوط الدلو. و"الشملة": ما اشتمل به. و"الشملة": الهيئة، مثل القعدة والجلسة، و"شملته": ظلمته.
٦٥فَبَاتَ ضَيفاً إِلَى أَرْطَاة مُرْتَكِمٍ
منَ الكثيبِ لها دفءٌ ومحتجبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: جاء الليل دخل في كناسه في أصل الشجرة، استتر بها من البرد و المطر. و"مرتكم": ما تراكم من الكثيب. فأضاف الأرطى إلى "مرتكم"، أراد: إلى رملٍ مرتكمٍ. "لها دفء"، أراد: الأرطى. يقول: الرملُ حول تلك الأرطاة. و"الدفء": ما يكنه ويدفئه". و"محتجب": ما يستره ويحجبه.
٦٦ميلاءَ من معدنِ الصِّيرانِ قاصيةٍ
أبعارُهنَّ على أهدافها كثبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "ميلاء": يريد أن أغصان الأرطى مائلة مسترسلة على كناسه، فهي تستره، وهو قوله: "لها دفء ومحتجب" و"كثبٌ": ودُفع من البعر. وإذا ملأت كفك من شيء فهو: "كثبة". وقوله: "من معدن الصيران": مما عاودته. وقوله: "قاصيةً"، يقول: هذه الأرطاة منفردةٌ من الشجر فلا يسترها شيء مما يخافه، فإذا كانت بين الشجر تخوفت أن يكمن لها كامنٌ فلذلك تفردت. قال الراعي في مثله: فبات في دفء أرطاةٍ أضر بها ... بعد النقا وزهاها منبتٌ جردُ يقول: الأرطاة في موضع ليس فيه خمرٌ ولا شجر، فهي منفردة لا تخاف وقوله: "زهاها"، أي: رفع الأرطاة. "منبثٌ": موضعُ نبتٍ. وقال: "جردٌ، أي: ليس فيه شجر، و"الأرطاة" مشرفة منفردة. وقوله: "على أهدافها كثب". و"أهداف" الأرطاة من الكثيب، وهو جمع "هدفٍ" و"الهدف": ما أشرف.
٦٧وحائلٌ من سفيرِ الحولِ جائلهُ
حولَ الجراثيمِ في ألوانهِ شهبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "وحائلٍ" والرفع أجود. و"الحائل": ورقٌ قد تغير إلى البياض. و"السفير": كل ورق سفرته الريح فألقته، ومعنى "سفرته": نسفته، ومنه يقال: "انسفر مقدم رأسه من الشعر". و"المسفرة": المكنسة. و"جائله": ما جال منه. و"الجراثيم": التراب يجتمعُ إلى أصول الشجر، الواحدة جرثومة. وقوله: "في ألوانه شهب"، يريد: في ألوان هذا الورق "شهبٌ"، أي: ابيض لما يبس. ويقال: شبه الذي يسقط على الكناس في حمرته وصفرته.
٦٨إِذَا اسْتَهَلَّتْ عَلَيْهِ غَبْيَةٌ أَرِجَتْ
مرابضُ العينِ حتى يأرجَ الخشبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: إذا استهلت على هذا الكناس. "والاستهلال": صوت وقع المطر. ومنه يقال: "استهل الصبي"، وهو صياحه حين يسقط من بطن أمه. و"الغبية": المطرة الشديدة. وقوله: "أرجت مرابض العين"، يريد: توهجت بالطيب، يريد: مرابض بقر الوحش، أي: لما أصابها المطر فاحت بريح طيبة حتى يأرج أيضًا خشب الكناس. أراد: خشب الأرطى.
٦٩تجلو البوارقُ عن مجرمِّزٍ لهقٍ
كأنَّه متقبّي يلمقٍ عزبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "البوارق": السحابات فيها برق، وسحابة "بارقة". وقوله: "عن مجرمز"، يريد: عن ثور قد انقبض واجتمع بعضه إلى بعض مما أصابه من المطر والبرد. و"لهقٌ": أبيضُ. فأراد: إذا برقت البرقة انجلى الثور، أي: أضاء واستبان، كأنه "متقبي": لابسُ قباءٍ، لأن الثور أبيضُ وفي وجهه سفعةٌ وخطوطُ سوادٍ في قوائمه، وسائرُ ذلك أبيضُ، فشبه بياضه بالقباء الأبيض، وإنما هو "يلمه" بالفارسية: القباء المحشو، ثم عرَّبه فقال: "يلمق". و"عزبٌ": وحده، أي: كأن الثور رجل وحده، عليه قباءٌ.
٧٠كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ
منْ هائلِ الرَّملِ منقاضٌ ومنكثبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يغشى الكناس بروقيه ويهدمه ... من هائل الرمل منقاضٌ ومنكثب يقول: الثور يحمل روقيه، يريد: قرنيه على كناسه، فيهذم الكناس. "منقاض" من الرمل: وهو ما انهال من الرمل وتناثر وسقط. و"منكثب": ما سال وسقط من الرمل. "هائل" و"هائر" واحد.
٧١إِذَا أَرَادَ انْكِرَاساً فِيهِ عَنَّ لَهُ
دونَ الأرومةِ من أطنابها طنبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: إذا أراد الثور "انكناسًا"، يريد: اندخالًا في كناسه. "عن": عرض له "دون الأرومة"، يريد العروق، شبهها بالأطناب حين منعته. ولا يكون الكناس إلا تحت شجرة.
٧٢تُرِيك سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ
بنبأةِ الصَّوتِ ما في سمعهِ كذبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: وقد توجس ركزًا مقفرٌ تدس ... بنبأة الصوت ما في سمعه كذب الثور "توجس ركزًا"، أي: تسمع صوتًا خفيًا. و"مقفر": أخو قفرة، يريد: الثور. قال الأصمعي: "المقفر" أيضًا، الذي لا يأكل اللحم من حينٍ، يعني: الصائد. "ندس": فبطن. و"النبأة": الصوت الخفي. ويروى: "من نبأة الصوت". وقوله: "ما في سمعه كذب"، يقول: إذا سمع شيئًا كان كما سمع، لم يكذبه سمعه.
٧٣فباتَ يشئزهُ ثأدٌ ويسهرهُ
بَرَّاقَةُ الْجِيدِ وَاللَّبَّات وَاضِحَةٌ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: فبات يُشئزه ثأد ويُسهره ... تذاؤب الريح والوسواس والهضب يريد: بات الثور "يشئزه ثأد"، أي: يقلقه ويشخصه، ليس هو على طمأنينة. و"الثأد": الندى. وهو الذي يُشئزه ويسهره لأنه لا يقدر أن يربض، يبقى قائمًا. "تذاؤب الريح": وهو أن تأتيه الريح من كل وجهٍ. و"الوسواس": أن يسمع وساوس، أي: الثور لا يأمن ناحيةً من النواحي. و"الهضب": المطر. يقال: "هضبتهم السماء": وهي دُفعات من المطر، أي: حلبة بعد حلبة. و"هضبٌ" - بفتحالهاء- مثلُ حلقةٍ وحلقٍ. ويروى: "هضبٌ": وهي جمع هضبةٍ، مثل بدرةٍ وبدرٍ.
٧٤حتَّى إذا ما جلا عن وجههِ فلقٌ
هاديهِ في أخرياتِ اللَّيلِ منتصبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "حتى إذا انشق عن أنسائه فلقٌ". ويروى: "إنسانه". و"الفلق": الصبح، جلا عن وجه الثور. ثم قال: "هادي" الفلق، أي: أوله، منتصب في أخريات الليل، يريد: الفجر الأول. ويروى: "فرق"، وهو بمعنى: فلقٍ.
٧٥أَغْبَاشَ لَيْلٍ تِمَامٍ كَانَ طَارَقَهُ
تطخطُخُ الغيمِ حتى ما لهُ جوبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: الصبح، جلا عن وجه الثور "أغباش ليل"، يريد: بقايا من سواد الليل. والواحد غبشٌ. و"تمامٌ": طوالٌ. "كان طارقه تطخطخ الغيم"، أي: لباس الغيم. و"المطارقة"، أراد: أن سواد الليل بعضه فوق بعض. قوله: "حتى ماله جوب": وهن الفرج. قال الأصمعي: "حتى ماله جوب": وهي القطع من السماء تظهر، وينجاب عنها السحاب. وقيل: إنه نصب "أغباش ليل" أراد: فبات يشئزه في أغباش ليل.
٧٦غدا كأنَّ بهِ جنّاً تذاءبُهُ
مِنْ كُلِّ أَقْطَارِهِ يَخْشَى وَيَرْتَقِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: غدا الثور كأن به "جنأ"، أي: جنونًا. يقال: "به جن، أو جنون". و"تذاءبه" تأتيه من كل وجه. وقوله: "من كل أقطاره"، يريد: من كل نواحيه. "يخشى ويرتقب" من كل أقطاره. ويقال: "جاء فلان على رقبةٍ"، أي: على خوفٍ.
٧٧حتّى إذا ما لها في الجدرِ واتَّخذتْ
شمسُ النَّهارِ شعاعاً بينهُ طببُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "شمس الذرور": وهو الطلوع. "حتى إذا ما لها" الثور: من اللهو. "في الجدر": وهو نبتٌ، أي: يلهو في هذا النبت ويرعى فيه. وقوله: "واتخذت شمسُ النهار شعاعًا"، أي: حين طلعت. "بينه طبب"، يريد: بين الشعاع "طبب"، أي: طرائق الشمس، والواحدة طبةٌ وطبابةٌ وطبائب.
٧٨ولاحَ أزهرُ مشهورٌ بنقبتهِ
كَأَنَّهُ حِينَ يَعْلُو عَاقِراً لَهَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "ولاح أزهرُ مشهورًا". "لاح": ظهر. "أزهر"، يعني: الثور في بياضه. و"نُقبته" يعني: لرنه. "كأنه"، يريد: الثور "لهبٌ": شعلة نار. وشبهه بالنار في بياضه وإضاءته حين يعلو عاقرًا. و"العاقر" من الرمل المشرف الذي لا ينبت أعلاه. و"لاح أزهر مشهورًا"، يعني الفجر.
٧٩هَاجَتْ لَهُ جُوَّعٌ زُرْقٌ مُخَصَّرَةٌ
شوازبٌ لاحها التَّغريثُ والجنبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: هاجت للثور كلاب جوعٌ مخصرة و"شوازب": يبس. "لاحتها": أضمرها الجوع. و"الجنب": يقاد للصيد، و"الجنب": الذي لصقت رئته بجنبه. و"الغرثان": الجائع.
٨٠غُضفٌ مهرَّتةُ الأشداقِ ضاريةٌ
مِثْلُ السَّرَاحِينِ فِي أَعْنَاقِها الْعَذَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "غضفٌ"، يعني: الكلاب التي تنقلب آذانها على مؤخرها. و"مهرتة الأشداق"، يريد: واسعة الأشداق. وأصل "الهوت": الشق. فيقول: كأن أشداقها شقت من سعتها. ويقال منه: "هرد ثوبه وهرته وهرطه"، إذا شقه. و"ضارية": قد ضريت. يريد: الكلاب. "مثل السراحين"، يريد: مثل الذئاب. "في أعناقها": في أعناق الكلاب. "العذب": قد يتخذ من بقية النعلِ فيصير في أعناق الكلاب. وإنما يريد: القلائد التي في أعناقها من السيور. وروى أبو عمرو: "وجرير مهرتة ... ".
٨١وَمُطْعَمُ الصَّيْدِ هَبَّالٌ لبُغْيَتِهِ
ألفى أباهُ بذاكَ الكسبِ يكتسبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "ومطعم الصيد". يريد: الصائد، يرزق الصيد. و"هبال": محتال. "لبغيته": لطلبه، وهو الصيد. ويقال: "قد اهتبل كذا وكذا" إذا افترصه. وجد أباه يكسب بذاك الكسب. ويروى: "وأطلس اللون": وهو الذي يضرب إلى السواد.
٨٢مقزَّعٌ أطلسُ الأطمارِ ليسَ لهُ
إلا الضّراءَ وإلاّ صيدَها نشبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "سملُ الأطمار". "مقزع"، يريد: الصائد، مخفف الشعر، في رأسه بقايا شعر و"أطلس الأطمار"، "أطماره": أخلاقه و"أطلس"، يقول: أطماره فيها "غبسة"، أي: هي وسخة ليست بواضحةٍ تضرب إلى السواد. وقوله: "ليس له نشب"، أي: متاح. "إلا الضراء"، يريد: الكلاب وصيدها يقال: "ما عليه طمرٌ ولا هدمٌ"، و"الأهدام" الجمع. وواحد "الضراء" ضروٌ، وضروة.
٨٣فانصاعَ جانبهُ الوحشيَّ وانكدرتْ
يَلْحَبْنَ لاَ يَأْتَلِي الْمَطْلُوبُ وَالطَّلَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "فانصاع" الثور: مضى على أحد شقيه. و"جانبه الوحشي": جانبه الأيمن. و"انكدرت الكلاب": انقضت. "يلحبن": يمررن مستقيماتٍ. وقوله: "لا يأتلي المطلوب والطلب"، أي: لا يألو "المطلوب": وهو الثور. و"الطلب": وهو الكلاب، الواحد طالب، والجمع طلبٌ، مثل حارسٍ وحرسٍ، وخادمٍ وخدمٍ. ويكون "الطلب" أيضًا: فعل الكلاب، والأول أجود.
٨٤حَتَّى إِذَا دَوَّمَتْ فِي الأرضِ رَاجَعَهُ
كبرٌ ولو شاءَ نجَّى نفسهُ الهربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: إذا "دومت الكلاب في الأرض"، وذلك إذا رأيت الشيء من بعيد كأنه يدور، فذلك "التدويم". وقال الأصمعي: "ولم يضع ذو الرمة هذا الحرف في موضعه". وقال: إنما التدويم في السماء. يقال للطائر إذا دار و ارتفع: قد دوَّم: ويروى: "راجعهٌ كبرٌ، أي: راجع الثور كبرٌ، فرجع إلى الكلاب.
٨٥خَزَايَةً أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ
منْ جانبِ الحبلِ مخلوطاً به غضبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "خزاية"، أي: أدركه خزيٌ عند الفرار، أي: استحيا. ونصبه لمعنى قولك: "فعل ذلك خزايةً" كقولك في الكلام: حبًا وتكرمًا". وهذه الخزاية أدركته عند جولته من جانب "الحبل". و"الحبلُ": الكثيب. وإنما رجع الثور حين كان قريبًا من الرمل لأن الثور في الرمل أسرعُ وأجودُ عدوًا، فهو إن غلب داخل الرمل. و"مخلوطًا بها غضب"، أي: استحيا ثم غضب. قال أبو نصر: سمعتُ الأصمعي يقول: "هذا كلبٌ تكوَّع في الرمل، أي: يعدو على كوعه. يقال للرجل إذا استحيا: خزي يخزى خزاية، وفي الهلاك: خزي يخزى خزيًا. وخزاه يخزوه خزوًا، إذا ساسه وقهره".
٨٦فَكَفَّ مِنْ غَرْبِهِ وَالْغُضْفُ يَسْمَعُهَا
خَلْفَ السَّبِيْبِ مِن الإِجْهَادِ تَنْتَحِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: كف الثور من "غربه"، يريد: من حده و نشاطه. و"الغضف": الكلاب المسترخيات الآذان، وهو جمع أغضف وغضفاء. يسمعها الثور "تنتحب"، أي: لها نفس شديد خلف "السبيب"، أي خلف ذنب الثور. و"غرب" كل شيء: حده. ويقال: "جهده وأجهده".
٨٧حَتَّى إِذَا أَمْكَنَتْهُ وَهْوَ مُنْحَرِفٌ
أَوْ كَادَ يُمْكِنُهَا الْعُرْقُوبُ وَالذَّنَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: الكلابُ أمكنت الثور أن يطعنها. و"العرقوب": عرقوب الثور يقول: كاد يمكن الكلاب الثور من العرقوب والذنب.
٨٨بلَّتْ بهِ غيرَ طيّاشٍ ولا رعشٍ
إذ جلنَ في معركٍ يُخشى بهِ العطبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "أدركنه غير طياشٍ" وقوله: "بلت به"، أي: صادفته غير طياش. و"الطياش": الذي لا يقصد وجهًا واحدًا. و"المعرك": حيث تعترك، أي: حيث تقتل. والعطب: الهلاك. ويقال "طاش السهم" إذا لم يقصد. وقوله: "لا رعشٌ"، أي: ليس بجبانٍ، وهذا مثلٌ.
٨٩فكرَّ يمشقُ طعناً في جواشنها
وُرْقَ السَّرَابِيلِ في أَلْوَانِهَا خَطَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: فكر يمشق طعنًا في جواشنها ... كأنه الأجر في الإقبال يحتسب قوله: "فكر"، يريد: الثور "يمشق طعنًا": و"المشق": طعنٌ خفيف، كأنه - حين أقبل يقاتل - يطلب الأجر في إقباله. و"الجواشن": الصدور، الواحدة جوشنٌ. ويروى: "في الأقتال": وهم الأعداء، واحدهم قتلٌ.
٩٠فَتَارَةً يَخِضُ الأَعْنَاقَ عَنْ عُرُضٍ
جَمَاجِمٌ يُبَّسٌ أَوْ حَنْظَلٌ خَرِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: فتارةً يخض الأعناق من عُرضٍ ... وخضًا، وتنتظم الأسحار والحجب قوله: "يخض"، "الوحض": طعنٌ لا ينفذ. و"الصرد": طعن ينفذ، و"الوخض": اختلاسٌ، و"الشزر": عن شمال و"اليسر": قبالتك، و"النجل": أن تزج به زجًا. وقوله: "عن عرضٍ "، أي: يعترض الثور مادتا منه. يقال: "هو يضرب الناس عن عرضٍ". و"ينتظم الأسحار" و"الانتظام": أن يطعن حتى يبقي في الطعن كالنظام. و"السحر": الرئة، والجمع أسحار. و"الحجب": بين الكرش وبين موضع الفؤاد. و"تارة"، أي: مرة، والكلاب لا كروش لها، إنما ثم جلدةٌ قد حجبت ما بين الفؤاد وسواد البطن.
٩١يُنْحِي لَهَا حَدَّ مَدْرِيٍّ يَجُوفُ بِهِ
حالاً ويصردُ حالاً لهذمٌ سلبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقال: "أنحى له بالسلاح"، إذا اعتمده وقصده بذلك. وأراد: أن الثور يقصد الكلاب. و"المدري": القرن. و"يصرد": ينفذ. و"اللهذم": الحديد الماضي. و"السلب": الطويل هاهنا. و"نحاله": تحرف. وقوله: "يجوف به": يطعن به حتى يصل إلى الجوف. ويقال: "صرد السهم يصرد صردًا" و"أصردته إصرادًا"، إذا أنفذته.
٩٢حتّى إذا كُنَّ محجوزاً بنافذةٍ
وَزَاهِقاً وَكِلاَ رَوْقَيْهِ مُخْتَضِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "حتى إذا كُن محجوزًا بنافذة"، يقول: أصابته الطعنة في موضع محتجزه ومؤتزره. ويقال للرجل إذا شد وسطه: "قد احتجز بجبل أو بإزار" و"الزاهق": الذي قد مات. وأراد: أن الكلب أصابته الطعنة في وسطه، في الموضع الذي يحتجز فيه الرجل. والاسم: "الحجزة". ومنه قيل: "حجزة السراويل".
٩٣ولَّى يَهُزُّ انْهِزَاماً وَسْطَهَا زَعِلاً
جذلانَ قد أفرختْ عن روعهِ الكُربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ولى الثور "يهذ". و"الهذ": المر السريع، وأصله: القطع. و"زعلا" نشيطًا. و"جذلان": فرحٌ. يقال: "جذل بذلك جذلًا". "قد أفرخت الكرب عن روعه"، أي: ذهبت، ليس به بأس. ويقال للرجل: "قد أفرخ روعك"، إذا ذهب وفتر. و"الكرب"، الواحدة "كربة": وهو الغم.
٩٤كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ فِي إِثْرِ عفْرِيَةٍ
مُسَوَّمٌ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: كأن الثور كوكب في سرعته في إثر شيطان. "مسوَّم"، يريد: الكوكب معلمٌ، مسوم بالبياض في سواد الليل. ويكون: "مسوم": مخلى عنه. و"منقضب": منقض. وأصل "الانقضاب": القطع. فيقول: انقطع الكوكب عن موضعه فانقض. وقد ذكره القطامي فقال: فغدا صبيحة صوبها متوجسًا ... شئز القيام يقضب الأغصانا ويقال للشيطان: "عفريةٌ": وهو المريد.
٩٥وهنَّ من واطئٍ ثنييْ حويَّتهِ
وَنَاشِجٍ وَعَوَاصِي الْجَوْفِ تَنْشَخِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الناشج": الذي ينشجُ بنفسه للموت كما ينشج الصبي إذا بكى. و"عواصي الجوف": عروق لا ترقأ. و"حريته": بنات اللبن. و"الحوايا": ما استدار في البطن، واحدتها حاويةٌ وحويةٌ، ويعني - هاهنا-: أمعاءه. و"تنشخب": تسيل مثل "شخبِ اللبن" وهو خروجه. و"هن"، يعني: الكلاب، منها ما يطأ على أمعائه، ومنها ما ينشج للموت. "ثنيي": ما انثنى من الأمعاء.
٩٦مُعَرِّساً فِي الصُّبْحِ وَقْعًتُهُ
أبو ثلاثينَ أمسى فهو منقلبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أذاك أم خاضبٌ بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى فهو منقلب ويروى: "أذاك أم رائح"، يريد: أذاك الثور شبه ناقتي في سرعتها أم ظليمٌ. و"الخاضب": الظليم الذي أكل الربيع فاحمرت ساقاه وأطراف ريشه و"أبو ثلاثين"، يريد: الظليم، لأنه أبو ثلاثين فرخًا. "فهو منقلب" إلى أفراخه. و"السي": ما استوى من الأرض.
٩٧شَخْتُ الْجُزَارَةِ مِثْلُ الْبَيْتِ سَائِرُهُ
من المسوحِ خدبٌّ شوقبٌ خشبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أ/ "شخت الجزارة"، يريد: دقيق القوائم والرأس، يريد: الظليم مثل البيت. وشبه سائر الظليم ببيت شعر. ثم قال: "من المسوح" صلة البيت. بين عن البيت أنه من "المسوح"، أي: من شعر. و"خدب": ضخمٌ. و"شوقبٌ": طويل. و"خشبٌ": غليظ جافٍ. وأراد: أن سائر النعامة مثل البيت. وأصل "الجزارة": ما يأخذ الجزار، وهي القوائم والرأس.
٩٨كَأَنَّ رِجْلَيْهِ مِسْمَاكَانِ مِنْ عُشَرٍ
صَقْبَانِ لَمْ يَتَقَشَّرْ عَنْهمَا النَّجَبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: شبه رجلي الظليم بـ"المسماكين": وهما عودان يسمك بهما البيت. و"العشر" شجر، فهما أشبه شيء به. و"صقبان": طويلان. و"النجب": لحاء الشجر. فأراد: أن العودين عليهما القشرُ، فهو أشبه شيء بلون رجلي النعامة. وساقُ النعامة متشعثٌ خشنٌ.
٩٩أَلْهَاهُ آءٌ وَتَنُّومٌ وَعُقْبَتُهُ
زَارَ الْخَيَالُ لِمَيٍّ هَاجِعاً لَعِبَتْ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: زار الخيال لميِّ هاجعًا لعبت ... به التنائف والمهريةُ النجب ويروى: "لعبت به المفاوز". و"الهاجع": النائم، وهو ذو الرمة. فخيالُ مي زاره. وقوله: لعبت به التناثف"، أي: طوَّحته تنوفة إلى تنوفة. "والتنوفة: القفر من الأرض. و"النجب" الواحد "نجيب": وهو العتيق الكريم. و"المهرية": إبل "مهرة": وهم حيٌ من اليمن.
١٠٠يظلُّ مختضعاً يبدو فتُنكرهُ
حالاً ويسطعُ أحياناً فينتسبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويروى: "فظل". يقول: الظليم إذا رعى طأطأ رأسه. و"يسطع"، أي: يرفع رأسه أحيانًا، فيبين لك أنه ظليم، فذلك: "انتسابه". وقوله: "يبدو"، يريد: يظل مختضعًا في حال بدوه، أي: ظهوره.
١٠١كَأَنَّهُ حَبَشِيٌّ يَبْتَغِي أَثَراً
أو منْ معاشرَ في آذانها الخُربُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: كان الظليم- حين خضع يأكل- "حبشي يبتغي أثرًا". أو كأنه سندي من السند "في آذانها الخرب"، أي: الثقب، وكذلك معاشر الهند، الواحدة خُربة.
١٠٢هَجَنَّعٌ رَاحَ فِي سَوْدَآءَ مُخْمَلَةٍ
منَ القطائفِ أعلى ثوبهِ الهدبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "هجنع"، يعني: الجشمي الذي شبه بالظليم. وكل طويل "هجنع". "في سوداء مخملة"، يريد: الحبشي، كأن عليه قطيفةً. "أعلى ثوبه الهدبُ"، يريد: أعلى ثوب الحبشي هدب القطيفة. يقول: الحبشي كأنه لبس القطيفة وهدبها ظاهرٌ. فشبهها بريش الظليم. و"هدب" القطيفة: خملها.
١٠٣أو مقحمٌ أضعفَ الإبطانَ حادجهُ
بالأمسِ فاستأخرَ العدلانِ والقتبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "المقحم": الذي يتقحم من سنٍ إلى سنٍ، أي: يستقبل السن الأخرى وهو أن يُثنى ويربع في سنة، أو يسدس ويبزل في سنة واحدة. "أضعف الإبطان حادجه"، يريد: أو كأن الظليم جملٌ لم يبطنه حادجه إبطانًا جيدًا "فاستأخر العدلان والقتب". فشبه استرخاء جناحي الظليم بعد لين قد استرخيا لأنهما لم يشدا شدًا جيدًا. و"الإبطان" مصدر، تقول: "أبطنته إبطانًا"، إذا شددته بـ"البطان": وهو الحبل الذي يُشد به قتب البعير. و"الحدج": مركب من مراكب النساء.
١٠٤أضلَّهُ راعيا كلبيَّةٍ صدرا
عَنْ مُطْلِبٍ وَطُلَى الأَعْنَاقِ تَضْطَرِبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يريد: أن الراعيين أضلًا هذا "المقحم". ونسبه إلى كلبٍ لأنه شبه الظليم بجمل "مقحمٍ" لأنه أسود، وكذلك هذا الجمل من جمال "كلبٍ" وجمالهم سودٌ. فلذلك قال: "كلبيةٍ صدرا"، يريد: الراعبين. "عن مطلب"، يريد: ماءً "مطلبًا"، أي: بعيدًا لا يدرك إلا بطلب. أي يكلف صاحبه أن يطلبه. يقال: "أضللت الشيء"، إذا ضيعته، و"ضللت الشيء"، إذا لم تدر أين هو. وكذلك: "أضللت خاتمي"، إذا أسقطته وضيعته، ولا تكون ضللته. و"ضللت بعيري"، إذا كان في موضع ونسيت أين هو. وكذلك "ضللت المسجد"، إذا لم تدر أين هو، ولا تكون أضللته. و"طلى الأعناق تضطرب" من النعاس، وواحد الطلى "طلية": وهو عُرص العنق. ويروى: "عن مطلب قاربٍ وراده عصب". و"القارب": الذي يطلب الماء. و"القرب": الليلة التي تصبح فيها الماء. و"الطلق": حيث يوجه بها إلى الماء.
١٠٥يَرْتَادُ أَحْلِيَةً أَعْجَازُهَا شَذَبُ
عليه زادٌ وأهدامٌ وأخفيةٌ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: فأصبح البكر فردًا من صواحبه ... يرتاد أحلية، أعجازها شذب "فأصبح البكر"، يريد: المقحم. وقوله: "يرتاد"، أي: يطلب "أحلية" جمع حليٍ: وهو نبتٌ، ورطبه يسمى: "ألنصي". "أعجازها شذب"، يريد: أصول الحلي "شذبٌ": قد "تشذبت". و"الشذب": الشيء المتفرق.
١٠٦قَد كَادَ يَسْتَلُّهَا عَنْ ظَهْرِهِ الْحَقَبُ
كلٌّ منَ المنظرِ الأعلى له شبهٌ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقول: كلٌّ من المنظر الأعلى للظليم شبهٌ. ثم بين ذلك فقال: "هذا"، يريد: المقحم. و"هذان"، يريد: الحبشي والسندي. وقوله: "قدُّ الجسم". يقال: "هو على قده"، أي: على خلقته. و"النقب"، يعني: اللون، الواحدة نقبةٌ. ورفع: "قدُّ" رده على: "شبهٌ"، يريد: شبه قد.
١٠٧هذَا وَهذَانِ قَدُّ الْجِسْمِ وَالنُّقَبُ
حتى إذا الهيقُ أمسى شامَ أفرُخهُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ... وهن لا مؤيس نأيًا ولا كثب "الهيق": الظليم. "شام أفرخه". أي: نظر إلى ناحية فراخه. و"هن"، يريد: فراخه. "لامؤيس"، يريد: وهن لا شيء "مؤيس نأيًا ولا كثب". و"الكثب": القريب. يقول: موضعهن منه ليس بالبعيد الذي يؤيه من أن يطلب فراخه، ولا بالقريب فيفتر، أي: موضعهن بين ذلك.
١٠٨حفيفُ نافجةٍ عثنونُها حصبُ
تَبْرِي لَهُ صَعْلَةٌ خَرْجَآءُ خَاضِعَةٌ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: تبري له صعلةٌ خرجاء خاضعةٌ ... فالخرق دون بنات البيض منتهب "تبري له": تعرضُ للظليم. "صعلةٌ"، أي: نعامة صغيرة الرأس دقيقة العنق. وقوله: "خاضعةٌ"، أي: فيها طمأنينة. و"خرجاء": فيها سواد وبياض. وقوله: "فالخرق دون بنات البيض". "الخرق": الأرض البعيدة الواسعة التي تنخرق فتمضي في الفلاة. "دون بنات البيض منتهب"، يقول: الظليم وأشاه يعدوان عدوًا كأنهما ينتهبان الأرض انتهابًا، كأنهما يأكلان الأرض. وإنما يعدوان حين عاينا الغيم والبرق، فيبادران إلى بنات البيض، أي: إلى فراخهما.
١٠٩حتَّى إذا ما رآها خانها الكربُ
وَيْلُمّهَا رَوْحَةً وَالرّيحُ مُعْصِفَةٌ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: كأنها دلو بئرٍ جد ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكرب "كأنها"، يعني: الصعلة، دلو بئر في عدوها، حتى إذا ما رأى الدلو الماتسح "خانها الكرب"، أي: انقطعت من قبل الكرب. و"الكرب": عقدُ طرف الحبل على العراقي. و"الماتح": الذي "يمتح": يستقي. و"العراقوتان": الخشبتان كالصليب على الدلو.
١١٠وَالْغَيْثُ مُرْتَجِزٌ وَاللَّيْلُ مُقْتَرِبُ
لا يذخرانِ من الإيغالِ باقيةً
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: ويلمها روحةً، والريح معصفةٌ ... والغيث مرتجزٌ، والليل مقترب يريد: ويل أم النعامة من "روحةٍ". و"الريح معصفةٌ"، أي: شديدة. يقال: "أعصفت وعصفت". و"الغيث مرتجزٌ"، يريد بـ"الغيث" -هاهنا-: الغيم، وإن جاء في موضع مطر فهو مطرٌ. و"مرتجز": فيه صوت الرعد. والليل قريب. ونصب "روحةً" على الخروج من الهاء، كأنه قال: من روحةٍ.
١١١حَتَّى تَكَادُ تَفَرَّى عَنْهُمَا الأُهُبُ
فكلُّ ما هبطا في شأوِ شوطهما
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: لا يذخران من الإيغال باقيةً ... حتى تكاد تفرى عنهما الأهب ب/ قوله: "لا يذخران من الإيغال باقيةً"، أي: لا يدعان. و"الإيغال": المضي. يقال: أوغل في الأرض، إذا مضى وأبعد. "باقية". أي: أمرًا يبقى من عدوه. "حتى تكاد تفرى"، أي: تنقد عنها "الأهب"، أي: جلودها، من شدة العدو. وواحد الأهب: "إهابٌ".
١١٢إِنْ أَظْلَمَا دُونَ أَطْفَالٍ لَهَا لَجَبُ
لَهُ عَلَيْهِنَّ بِالْخَلْصَآءِ مرتعةٍ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: لا يأمنان سباع الأرض أو بردًا ... إن أظلما دون أطفالٍ لها لجب "اللجب": الصوت. و"أطفالهما": أولادهما. ويخافان البرد إن أظلما دون فراخهما لأن البرد إذا أصاب البيض كسره، ويخافان السباع أيضًا على الفراخ.
١١٣إِلاَّ الدَّهَاسُ وَأُمٌّ بَرَّةٌ وَأَبُ
كأنَّما فُلِّقتْ عنها ببلقعةٍ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: جاءت من البيض زعرًا لا تباس لها ... إلا الدهاس وأم برة وأب يريد: جاءت الفراخ من البيض "زعرًا"، أي لا ريش عليها، لا لباس لها إلا "الدهاس"، يريد: الرمل اللين السهل، و"أم وأب" تران بهن.
١١٤جماجمٌ يُبَّسُ أنو حنظلٌ خربُ
ممّا تقيَّضَ عنْ عوجٍ معطَّفةٍ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: كأنما فلقت عنها ببلقعةٍ ... جماجمٌ يبس أو حنظلٌ خرب كأنما فلقت عن الفراخ "جماجم"، أي: رؤوسٌ. شبه تفلق البيض عن الفراخ بجماجم أو حنظلٍ "خربٍ"، أي: يابسٍ قد أخرج ما فيه.
١١٥كأنَّها شاملٌ أبشارها جربُ
أشداقها كصدوعِ النَّبعِ في قللٍ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: مما تقيَّضَ عن عوجٍ معطفةٍ ... كأنها شاملٌ أبشارها جرب قوله: "مما تقيض"، يريد: البيض. "مما تقيض"، أي: تكسر "عن عوج معطفة"، أي: عن فراخ عوجٍ لم تستقم قوائمها، فشبهها بالقسي في اعوجاجها. وهي: "المعطفة". وقوله: "كأنها شامل أبشارها جرب"، أي: كان جربًا غطى أبشارها، أي: جلودها، لأنهن "زعرٌ": لا ريش عليهن، فكأنما شملهن جربٌ. يقال: "شملهم خيرك"، أي: عمهم.
١١٦مثلِ الدَّحاريجِ لم ينبُتْ بها الزَّغبُ
كَأَنَّ أَعْنَاقَهَا كُرَّاثُ سَآئِفَةٍ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أشداقها كصدوع النبع في قللٍ ... مثل الدحاريج لم ينبت بها الزغب يقول: كأن أفواهها شقوقٌ في خشب نبعٍ. وإنما اختار النبع من بين الخشب لصفرته. و"الدحاريج": رؤوسها. وكل ما تدحرج من شيء فهو: "دحروجه".
١١٧كأنَّ أعناقَها كُرّاثُ سائفةٍ
طارتْ لفائفهُ أو هيشرٌ سلُبُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: كأن أعناقها كُراث سائفةٍ ... طارت لفائفه أو هيشرٌ سلب "السائفة" من الرمل: ما استرق منه. و"الكراث": نبتٌ ينبتُ بالسائفة حتى يكون قدر ذراعٍ، في رأسه مثل البندقة. و"الهيشر": شجرة خشنة تسمق، لها ثمرة فيها شوكٌ. و"سلبٌ"، يعني: الورق الذي أسفل من رأسها. فشبه أعناق أولاد النعام بهذا الكراث، والرأس كالبندقة. أو "هيشر" قد انحت الورق عنه، وهو قوله: "سلب". يتًا
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.