تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

ابْن بيض يتَحَقَّق لَهُ حلمه

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن بنان، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو الْكُوفِي، قَالَ: دخل حَمْزَة بْن بَيْض عَلَى يَزِيد بْن الْمُهَلّب يوْم جُمُعَة وَهُوَ يتأهَّبُ للمضيِّ إِلَى

الْمَسْجِد، وجاريةٌ تُعَمِّمُهُ فَضَحِك، فَقَالَ: لَهُ يَزِيد: ممَّ تَضْحك، فَقَالَ: للَّه رُؤْيَا رأيتُها إِن أذن لي الأميرُ قَصَصْتُها، قَالَ: قل، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

رأيتُك فِي الْمَنَام سَنَنْتَ خزًّاعَلَيَّ بَنَفسَجًا وقَضَيْتَ دَيْنِي
فَصَدِّقْ مَا هُدِيتَ الْيَوْم رُؤْيارأتها فِي الْمَنَام كَذَاك عَيْنِي

قَالَ: كم دينُك؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ ألفا، قَالَ: قَدْ أمرتُ لَك بهَا وبمثلها، ثمَّ قَالَ: يَا غلْمَان! فتشوا الخزائن فجيؤه مِنْهَا بِكُل خَزٍّ بنفسجٍ تَجدُونها، فَجَاءُوا بِثَلَاثِينَ جُبَّة، فَنظر إِلَيْهِ يُلَاحظ الْجَارِيَة، فَقَالَ: يَا جَارِيَة عاوني عَمَّك عَلَى قَبْض الْجِبَاب، فَإِذا وصلت إِلَى منزله فَأَنت لَهُ، فَأَخذهَا والجباب وَالْمَال وَانْصَرف.

قَالَ: سننت خَزًّا أَيّ أَلقيته وصَبَبْتَهُ عَليّ، يُقَالُ صَبَّ عَلَيْه ثَوْبه كَمَا قَالَ أَبُو نواس:

صببت على الْأَمِير ثيابَ مَدْحِيفَقَالَ الناسُ أحسنَ بل أَجَاد

ويُقَالُ: سننتُ عَليَّ قَمِيصِي، وسننتُ المَاء عَلَى وَجْهي بِالسِّين الْمُهْملَة، وشننت عَليّ المَاء إِذا أفَضْتَه على جسدك، بالشين النعجمة، وَكَذَلِكَ شَنَّ عَلَيْه الدِّرْع، وشنَّ عَلَيْهِم الْغَارة، وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: " من حمأٍ مسنون " أَيّ مَصْبوب عَلَى قصد، وَقيل: متغير الرَّائِحَة، وَهَذَا مسنون وسَنِين، وَلِهَذَا الْبَاب مَوضِع هُوَ مُسْتَقْصى فِيهِ، وَالسّنة مُشْتَقَّة من خذا الأَصْل لِأَنَّهَا شيءٌ جَار عَلَى وَجهه، وَمِنْه سُنَّةُ الطَّرِيق وسَنَنُه، قَالَ لبيد:

من معشر سننت لَهُم آباؤهموَلكُل قوم سنةٌ وإمامُها

وسُنَّة الْوَجْه كأَنَّها الشيءُ المصبوبُ الْجَارِي عَلَى طَريقَة مَقْصُودَة: كَمَا قَالَ ذُو الرمة:

تُرِيكَ سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مقرفةٍمَلْساء لَيْسَ بهَا خالٌ وَلا نَدَبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الْمَاءُ يَنْسَكِبُ»

يروي غَيْر مقرفة وَغير بِالنّصب والجر، فَمن رَوَاهُ نصبا فَهُوَ الْوَجْه الظَّاهِر فِي الصِّحَّة الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ وَلا مَرِيَّة إِذْ هُوَ صفةٌ لمنصوب، وَهُوَ السّنة المنصوبة بالفهل وَهُوَ تريك، وَمن رَوَاهُ جَرًّا فَإنَّهُ أتبعه إِعْرَاب وجْه المخفوض يالإضافة، عَلَى الطَّرِيقَة الَّتِي يجيزُها من يجيزُها للمجاورة، ويجعلها بِمَنْزِلَة قَوْلهم " حُجْرُ ضَبٍّ خربٍ "، وَهَذَا وَجه ضَعِيف مَرْغُوب عَنهُ، وكثيرمن النَّحْوِيين لَا يُجِيزهُ، وَمن محقيقيهم من يُلَحِّن الْمُتَكَلّم بِهِ، وينسب مجيزه من النُّحَاة إِلَى الْخَطَأ والمتكلم بِهِ من العَرَبِ وَإِن كَانَ قدوة حجَّة فِي اللُّغَة إِلَى الْغَلَط، وَهَذَا يَتَّسِع القولُ فِيهِ، وَقَد استقصينا بَيَانه فِي كتَابنَا " الشافي فِي طَهَارَة الرجلَيْن " وَغَيره من كُتبنا ومسائلنا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الأربَعُونْ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.