من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مُخَارق يهاجم إِسْحَاق الْمَوْصِلِيّ فيدافع هَذَا عَنْ نَفسه
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم المَوْصِليّ، قَالَ: قَالَ لي عَلِيّ بْن هِشَام: قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الصَّبُوح فاغْدُ عَليّ، فعانقني عائق عَنِ البكور إِلَيْهِ، فجئتُ فِي وَقت الظّهْر وَعِنْده مُخَارِق، فَقَالَ لي: يَا أَبَا إِسْحَاق أَيْنَ كُنْت؟ فَقلت: شغلني - أعز اللَّه الْأَمِير - مَا لَمْ أجد من الْقيام بِهِ أبدا، ثُمّ دَعَا بِطَعَام وَجَلَسْنَا عَلَى شرابنا فغنى مُخارق صَوتا من الطَّوِيل شعر المؤقل، والغناء لأبي سَعِيد مَوْلَى فَايِد وَهُوَ:
وَقَدْ لامني فِي حب مَكْنُونَةَ الَّتِيأهيمُ بهَا أهلُ الصَّفَاءِ فأكثرُوا
يَقُولُونَ لي مَهْلا وصبرًا فَلم أجدْجَوَابًا سوى أَن قُلْتُ كَيفَ التصبر
أأصبرُ عَنْ نَفسِي وَقَدْ حيل دُونهاووافقني مِنْهَا الَّذِي كُنْت أحذرُ
فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقلت: أَخْطَأت وَيلك! ثُمّ غنَّى صَوتا من الْبَسِيط شعره لحميد بْن ثَوْر، والغناء للهُذَلي وَهُوَ:
يَا مُوقِد النَّار بالعلياء من إضمٍقد هجت لي سُقُمًا يَا مُوقِد النَّارِ
يَا رُبَّ نارٍ هدتني وَهِي مُوقَدَةبالنِّدِّ والعَنْبر الْهِنديِّ والغَارِ
تَشُبُّها إِذْ خَبَتْ أيدٍ مخضبةٌمن ثيباتٍ مصوناتٍ وأبْكارِ
قلوبُهن وَلَم يَبْرَحْن شاخصةٌينظرن من أَيْنَ يَأْتِي الطَّارِقُ السَّاري
فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقلت: أَخْطَأت وَيلك! ثُمّ تغنى صَوتا ثَالِثا من الْكَامِل، شعره لكُثَيّر، والغناء لمعْبَد:
إِنِّي لأسْتَحِي أَن أبُوح بحاجتيفَإِذا قَرَأت صحيفتي فتهمني
وَعَلَيْك عهدُ اللَّه إِن أنبأتِهِأحدا وَلا أظهرتِه بتَكَلُّمِ
فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقلت: أَخْطَأت وَيلك! فَغَضب، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق يَأْمُرك الْأَمِير بالبكور فتأتي ظهرا، وتغنيت أصواتًا كُلَّها يُحبها ويطرب إِلَيْهَا فخطأتني فِيهَا، وتزعم أنَّكَ لَا تضرب بِالْعودِ إِلا بَيْنَ يَدَي خليفةٍ أَوْ ولِيِّ عهد، وَلَو قَالَ لَك بعضُ البرامكة مثل هَذَا لبكَّرْتَ وضَرَبْتَ وغَنّيت، فَقلت: مَا ظننتُ أَن هَذَا يَجْري، وواللَّه مَا أُبْديه انتقاصًا لمجلس الْأَمِير أعثره اللَّه، وَلَكِن اسْمَع يَا جَاهِل، ثُمّ أَقبلت عَلَى ابْن هِشَام، فَقلت: دَعَاني - أصلح اللَّه الْأَمِير - يَحْيَى بْن خَالِد يَوْمًا، وَقَالَ لي: بكر فَإِنِّي علىالصبوح، وَقَدْ كُنْت يَوْمئِذٍ فِي دارٍ بأُجْرة، فَجَاءَنِي من اللَّيْل صاحبُ الدَّار فأزعجني إزعاجًا شَدِيدا. فَجرتْ مني يمينٌ غَلِيظَة أَنِّي لَا أُصْبح حَتَّى أتحوَّل، فَلَمَّا أصبحتُ خرجت أَنا وغلماني حَتَّى اكتريتُ منزلا وتحولتُ ثُمّ صرتُ إِلَى يَحْيَى وَقت الظّهْر، فَقَالَ لي: أَيْنَ كُنْت إِلَى السَّاعَة؟ فحدثُته بقصَّتي
وقعدنا عَلَى شربنا وأخذنا فِي غنائنا، فَلم ألبث أَن دَعَا يحيى بداوة وَقِرْطَاس فَوَقع شيءاً لَمْ أدْرِ مَا هُوَ، ثُمّ دفع الرُّقْعة إِلَى جَعْفَر فَوَقع فِيهَا شَيْئا وَدفعهَا إليّ، وَإِذَا يَحْيَى قَدْ كتب: يُدفع إِلَى إِسْحَاق ألف ألفٍ يبتاعُ بهَا منزلا، وَإِذَا جَعْفَر قَدْ كتب يُدفع إِلَى إِسْحَاق ألف ألف يَصْرفها فِي نفقاته ومُرُوءته، فَقلت فِي نَفسِي هَذَا حُلم، فَلم ألبث أَن جَاءَ خَادِم أَخذهَا من يَدي، فَلَمَّا كَانَ فِي وَقت الِانْصِرَاف استأذنتُ وَخرجت، فَإِذا أَنَا واللَّه بِالْمَالِ وَإِذَا الوكلاء ينتظروني حَتَّى أقبضهُ مِنْهُم فعلام يَلُومُنِي هَذَا الْجَاهِل؟ ثُمّ قُلْتُ لمخارق: هَات الْعود فَأَخَذته ورددت الْأَصْوَات الَّتِي أَخطَأ فِيهَا، وغنيت صَوتا من الطَّوِيل بِشعر لِابْن ياسين، والغناء فِيهِ لي وَهُوَ:
إلهي مَنَحْتَ الْوُدَّ مِنِّي بخيلةًوَأَنت على تَغْيِير ذَاك قَدِيرُ
شفاءُ الْهوى بَثُّ الجوى واشتكاؤهوَإِن امْرأ أخْفَى الْهوى لصَبُورُ
فطرب لذَلِك طَربا شَدِيدا ثُمّ قَالَ: حُقَّ لَك، ثُمّ أقبل عَلَى مُخَارق، فَقَالَ: يَا فَاسق! مَا أَنْت وَالْكَلَام، وَأمر لي بِمِائَة ألف دِرْهَم وخِلعة، وَأمر لِمُخَارق بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَبلغ ذَلِكَ إِسْحَاق بْن خَلَف فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِن جئتَ ساحته تبغي سماحتهتَلْقَاكَ رَاحَتُهُ بالوَبْلِ والدِّيَمِ
مَا ضرَّ زَائِره الرَّاجي لنائلهإِن كَانَ ذَا رحمٍ أَوْ غَيْر ذِي رحِمِ
فَعَالُه كرمٌ وَقَوله نغمٌبقوله نعمٌ قَدْ لجَّ فِي نِعَم
قَالَ القَاضِي: قَول حُمَيد بْن ثَوْر: النِّدُّ والعنبر الْهِنْدِيّ، زعم بعضُ عُلَمَاء اللُّغَة أَن النِّد أعجمي، وَهَذَا حُمَيد بْن ثَوْر أَتَى بِهِ فِي شعره، وَقَدْ رُوِيَ شعرٌ فِي خبر لمُعَاوِيَة نِسْبَة بعضُ الرُّواةِ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَّان، وَبَعْضهمْ إِلَى أَبِي دهبل، فَذكر بعض من رَوَاهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ:
تجْعَل النِّدَّ والألوة والمسك صَلالَها عَلَى الكانون
وقَالَ العَرْجيُّ:
تَشُبُّ مُتُون الْحُمْر بالنِّد تَارَةًوبالعنبر الْهِنْدِيّ وَالْعرْف سَاطِع
وَقَالَ الأحْوَص:
إِذا خَبَتْ أُوقِدَتْ بالنِّدِّ واشْتَعَلتْوَلَم يكنْ عِطْرُها مسكٌ وأظْفَارُ
وَقَوله: تَشُبُّها إِذا خَبَت، معنى تشبها: تُلْهِبُها وتُضْرِمُها، قَالَ الأحْوَص بْن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ:
أمِن خليدَة وَهْنًا شَبَّتِ النَّارُودُوننا من ظلام اللَّيْل أسْتَارُ
باتَتْ تُشَبُّ وبتنا الليلَ نَرْقبهاتَعْنِي قلوبٌ بهَا مَرْضى وأبْصَارُ
يُقَالُ: شبت النَّار والرحب شَبَّهُما الإِنْسَان يَشُبُّهَا شبوبًا وشَبًا، وشبَّ الصبيُّ يَشِبُّ
شَبَابًا وشَبِيبةً، وشَبَّ الفرسُ يَشِبُّ شِبَابًا وشُبُوبًا، وَقَوله: إِذا خبت يَعْنِي إِذا خمدت، يُقَال: خبت النَّار تخبو خَبُوًا إِذا سكنت، قَالَ الشَّاعِر:
وَمنا ضِرَار وابنماه وحاجبٌمُؤَجِّجُ نيرانِ المكارمِ لَا الْمُخْبِي
وقَالَ آخر:
أَمن زَيْنب ذِي النَّارُقُبَيْلَ الصُّبْحِ مَا تَخْبُو
إِذا مَا خَمدَت يَلْقَىعلينا المندَلُ الرَّطْبُ
وقَالَ الْقطَامِي:
وَكُنَّا كالحريقِ أصَاب غابافيخبُو تَارةً ويَهِبُّ سَاعَا
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: " كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا " أَقْوَال، قِيلَ: إِن الْمَعْنى كلما سكنت، وَقيل الْمَعْنى كلما التهبت وتوقَّدت، وَجعلُوا هَذِهِ الْكَلِمَة من الأضداد، وَقيل: بل الْمَعْنى بِهَذِهِ الْجُلُود، والتأويل كلما خَبَت جُلُودهمْ.
وَشرح هَذَا يَأْتِي فِي كتَابنَا الْمُسَمّى " الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز " إِن شَاءَ الله.
وَقَول: كُثَيِّر: إِنِّي أسْتَحيك، اللُّغَة الفصيحة إِنِّي أستحييك، قَالَ: قَالَ تَعَالَى: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يضْرب مثلا "، وقَالَ عز ذكره: " إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ " وللعرب فِيهِ لُغَة أُخْرَى بعد هَذَا وَهِي اسْتَحى يستحي كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أَلا يَسْتَحي منَّا رجالٌ وتَتَّقِيمحارمَنَا لَا يَبُوءُ الدَّمُ بالدَّمِ
وَنسب إسحاقُ الشّعْر الَّذِي ختم مَجْلِسه بِالْغنَاءِ فِيهِ إِلَى أَنَّهُ من الطَّوِيل، وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يبين أَيّ نوع من الطَّوِيل هُوَ، فَرَأَيْت أَن أبيِّنَه وَأَقُول: إنَّه النَّوْع الثَّالِث مِنْهُ، وَهُوَ مَقْبُوض العَرُوض مَحْذُوف الضَّرْب مَا كَانَ مُطلقًا، وَمِنْه:
أقيمُوا بَنِي النُّعْمَانِ عنَّا صُدُورَكُمْوإِلا تُقِيمُوا صاغرين الرؤسا
فَإِذا صُرِّع أَلْحقْتَ عَرُوضَه بضَرْبِه، فَصَارَت محذوفة بِمَنْزِلَتِهِ وَكَانَت فِي الْإِطْلَاق أتم وأطول مِنْهُ، فَمنْ مصرع هَذَا النَّوْع قَول امرىء الْقَيْس:
لمن طللٌ أبْقرتُهُ فَشَجانيكخط الزَّبُورِ فِي عسيبٍ يَمَانِ
وقَالَ أَيْضا:
أجَارَتَنَا إِن الْخُطُوبَ تَنُوبُوَإِنِّي مقيمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبُ
وَقبض فَعُولن الَّذِي قبل الضَّرْب من هَذَا الشّعْر، عَذْبٌ فِي الأسْمَاع من إِيرَاده سالما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع