من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة:
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة:
أَلا أيّها الطّير المربّة بالضّحىعلى خَالِد لقد وَقعت على لحم
على أَن الصّفة رُبمَا تنوى وَلم تذكر للْعلم بهَا كَمَا هُنَا. فَإِن التَّقْدِير على لحم أَي: لحم.
وَأوردهُ فِي بَاب اسْم الْفِعْل أَيْضا على أَن التنكير فِي لحم للابهام أَن التفخيم.
وَكَذَا أوردهُ فِي التفسيرين عِنْد قَوْله تَعَالَى: أولئكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهم على تنكير هدى للتعظيم أَي: هدى عَظِيم كتنكير لحم فِي هَذَا الْبَيْت أَي: لحم عَظِيم.
وَالْفرق بَينهمَا أَن الأول مَفْهُوم من اللَّفْظ الْمَحْذُوف وَالثَّانِي من الفحوى والمحوج إِلَى هَذَا استقامة الْمَعْنى ولولاه لَكَانَ لَغوا لَا يُفِيد شَيْئا وَلِهَذَا اعْتبر سَوَاء كَانَ بِالطَّرِيقِ الأولى أم الثَّانِيَة.
ولجوازهما قدر الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا الْوَصْف واعتبره هُنَاكَ من التنكير لما فِيهِ من الْإِبْهَام الْمُقْتَضى للتفخيم والتعظيم.
وَنقل عَن الزَّمَخْشَرِيّ أَنه كَانَ إِذا أنْشد هَذَا الْبَيْت يَقُول: مَا أفصحك من بَيت وَصدر الْبَيْت لم أره كَذَا إِلَّا فِي رِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق. وَالْبَيْت من شعر مَذْكُور فِي أشعار هُذَيْل ذكر فِي موضِعين مِنْهَا ذكر فِي الْموضع الأول سِتَّة أَبْيَات وَفِي الْموضع الثَّانِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ بَيْتا. أما الرِّوَايَة الأولى وَالشعر مَنْسُوب لأبي خرَاش فَهِيَ هَذِه:
إنّك لَو أَبْصرت مصبر خالدٍبِجنب السّتار بَين أظلم فالحزم
لأيقنت أنّ الْبكر لَيْسَ رزيّةًوالنّاب لااضطمّت يداك على غنم
تذكّرت شجواً ضافني بعد هجعةٍعلى خالدٍ فالعين دائمة السّجم
لعمر أبي الطّير المربّة بالضّحىعلى خَالِد لقد وَقعت على لحم
كليه وربّي لَا تجيئين مثلهغَدَاة أَصَابَته المنيّة بالرّدم
وَلَا وَأبي لَا تَأْكُل الطير مثلهطَوِيل النّجاد غير هار وَلَا هشم
قَوْله: إِنَّك لَو أَبْصرت هَذَا خطاب لعشيقة خَالِد بن زُهَيْر الْهُذلِيّ قتل بِسَبَبِهَا كَمَا يَأْتِي بَيَان قَتله. وخَالِد هُوَ ابْن أُخْت أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ. والستار بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة فوقية وَآخره رَاء مُهْملَة قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ جبل مَعْرُوف بالحجاز. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.)
وأظلم على وزن أفعل التَّفْضِيل من الظُّلم قَالَ الْبكْرِيّ: هُوَ مَوضِع قريب من الستار. والحزم بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي الْمُعْجَمَة هُوَ مَوضِع يُقَال لَهُ: حزم بني عَوَالٍ. وَوُقُوع هَذِه الْفَاء بعد بَين قد شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْفَاء العاطفة.
وَقَوله: لأيقنت أَن الْبكر هُوَ بِالْفَتْح الْجمل الشَّاب. والناب: النَّاقة المسنة. يَقُول: لَو رَأَيْت هَلَاك خَالِد لعَلِمت أَن ذهَاب الْبكر والناب ليسَا بمصيبة واستخففت مصابهما.
وَقَوله: لَا اضطمت الخ هُوَ دُعَاء عَلَيْهَا وَهُوَ افتعلت من الضَّم أَي: لَا غنمت يداك بل خيبك الله إِذْ صرت تحزنين على هَذَا الْبكر.
وَقَوله: تذكرت شجواً هُوَ بِضَم التَّاء. والشجو: الْحزن. وضافني: نزل بِي كالضيف. والهجعة: النومة. والسجم: السكب.
وَقَوله: لعمر أبي الطير قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل: قَوْله لقد وَقعت على لحم: كَانَ مَمْنُوعًا. وَالطير مضبوط بالكسرة فِي نُسْخَتي وَهَذِه نُسْخَة قديمَة صَحِيحَة تَارِيخ كتَابَتهَا فِي سنة مِائَتَيْنِ بعد الْهِجْرَة وَعَلَيْهَا خطوط الْعلمَاء مِنْهُم ابْن فَارس صَاحب الْمُجْمل فِي اللُّغَة كتب
لعمر مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: قسمي وَقَوله: لقد وَقعت جَوَاب الْقسم وَهُوَ خطاب للطير على الِالْتِفَات.
وروى لقد عكفن بدله من العكوف بالغيبة وَالنُّون ضمير الطير وَعَلِيهِ لَا الْتِفَات.
وَأَرَادَ بِأبي الطير الْوَاقِعَة على لَحْمه واستعظمها بالقسم بهَا لاستعظام لحم خَالِد الْعَظِيم فَفِيهِ تَعْظِيم للإقسام عَلَيْهِ بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ أَبُو تَمام: وثناياك إنّها إغريض والمربة: اسْم فَاعل صفة للطير من أرب بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ. وَرُوِيَ فِي التفسيرين: فَلَا وَأبي الطير المربة بالضحى فَلَا رد لما يتَوَهَّم من تحقيره بِأَكْل الطير لَهُ وَقيل زَائِدَة. وَزعم بَعضهم أَن أبي بياء الْمُتَكَلّم وَالطير بِالرَّفْع. وَبَعض آخر لِأَن أبي أَصله أبين بِالْجمعِ حذفت نونه للإضافة. وَلَا يخفى ركاكته.
وَقَالَ السعد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف: وَرُوِيَ بِرَفْع الطير على أَنه فَاعل فعل يفسره لقد عكفن.
وَقَوله: كليه وربي أَمر للطير بِالْأَكْلِ يرغبها فِي أكلهَا إِيَّاه فَإِنَّهَا لَا تَجِيء إِلَى مثله وَلَا تظفر بِهِ.
وَقَوله: وَلَا وَأبي لَا تَأْكُل الطير الخ هار أَصله هائر أَي: ضَعِيف سَاقِط فَقلب وَحذف)
بالإعلال مثل شاكي السِّلَاح أَصله شائك. والهشم:
الرخو الضَّعِيف.
وَأما الرِّوَايَة الثَّانِيَة بعد ثَمَانِي أوراق بعد هَذَا ونسبها الْأَخْفَش لخراش بن الْمَذْكُور.
وَالْقَصِيدَة هَذِه:
أرقت لهمّ ضافني بعد هجعةٍعلى خالدٍ فالعين دائمة السّجم
إِذا ذكرته الْعين أغرفها البكاوتشرق من تهمالها الْعين بالدمّ
فباتت تراعي النّجم عين مريضةٌلما عالها واعتادها الْحزن بالسّقم
عالها: أثقلها وشق عَلَيْهَا.
وَمَا بعد أَن قد هدّني الْحزن هدّةًتضال لَهَا جسم ورقّ لَهَا عظمي
وَأَن قد أصَاب الْعظم منّي مخامرٌمن الدّاء داءٌ مستكنٌّ على كلم
تضال بِمَعْنى صغر وَضعف وَأَصله بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف فحذفها للضَّرُورَة. ومخامر: مخالط وملازم. والكلم بِالْفَتْح: الْجرْح.
وَأَن قد بدا منّي لما قد أصابنيمن الْحزن أنّي ساهم الْوَجْه ذُو همّ
شَدِيد الأسى بَادِي الشّحوب كأنّنيأَخُو جنّةٍ يعتاده الخبل فِي الْجِسْم
الساهم: الْمُتَغَيّر. الأسى: الْحزن. والشحوب: التَّغَيُّر. وجنة بِالْجِيم هُوَ الْجِنّ.
وَرُوِيَ حَيَّة بِمُهْملَة ومثناة تحتية يَعْنِي ملسوعاً. والخبل بِفَتْح الْمُعْجَمَة: فَسَاد الْجِسْم وَالْعقل.
يعود على ذِي الْجَهْل بالحلم والنّهىوَلم يَك فحّاشاً على الْجَار ذَا عذم
لَا يجتوي بِالْجِيم أَي: لَا يكره. والعذم بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة. العض والوقيعة.
وَلم يَك فظّاً قَاطعا لقرابةٍوَلَكِن وصُولا لِلْقَرَابَةِ ذَا رحم
وَكنت إِذا ساجرت مِنْهُم مساجراًصفحت بفضلٍ فِي الْمُرُوءَة وَالْعلم
هَذَا خطاب لخَالِد. وساجرت بِالْجِيم بِمَعْنى عاشرت. والسجير: العشير والصاحب.
وَكنت إِذا مَا قلت شَيْئا فعلتهوفتّ بِذَاكَ النّاس مُجْتَمع الحزم
وَإِن تَكُ غالتك المنايا وصرفهافقد عِشْت مَحْمُود الْخَلَائق والحلم
كريم سجيّات الْأُمُور محبّباًكثير فضول الكفّ لَيْسَ بِذِي وصم
أشمّ كنصل السّيف يرتاح للنّدىبَعيدا من الْآفَات والخلق الوّخم
)
جمعت أموراً ينفذ الْمَرْء بَعْضهَامن الْحلم وَالْمَعْرُوف وَالْحسن الضّخم
الْمَرْء: مفعول ينفذ وَبَعضهَا فَاعله.
يَقُول: بعض هَذِه الْأُمُور الَّتِي فِيك تجْعَل الْمَرْء نَافِذا فائقاً لَا يقدر على كسبها
فَكيف كلهَا وَقد اجْتمعت فِيك. والمرء بِكَسْر الْمِيم فِي لُغَة هُذَيْل.
رِوَايَة هَذَا الْبَيْت هُنَا كَذَا وَقعت وَقَالَ السكرِي هُنَا: أَرَادَ التَّعَجُّب أَي: أَي لحم وَقعت عَلَيْهِ.
ويروى:
لقد قلت للطّير المربّة غدْوَةعلى خالدٍ لقد وَقعت على لحم
والمربة: المقيمة. انْتهى.
وَلحم امرئٍ لم تطعم الطّير مثلهعَشِيَّة أَمْسَى لَا يبين من الْبكم
أَرَادَ الْبكم بِفتْحَتَيْنِ فَخفف.
فكلاّ وربّي لَا تعودي لمثلهعَشِيَّة لاقته المنيّة بالرّدم
فَلَا وَأبي لَا تَأْكُل الطّير مثلهطَوِيل النّجاد غير هارٍ وَلَا هشم
أبعدك أَرْجُو هَالكا لِحَيَاتِهِلقد كنت أرجوه وَمَا عِشْت بالرّغم
فوا الله لَا أنساك مَا عِشْت لَيْلَةضفيٌّ من الإخوان وَالْولد الحتم
الضفي: فعول من ضفا يضفو إِذا كثر. والحتم: الْحق.
تطيف عَلَيْهِ الطّير وَهُوَ ملحّبٌخلاف الْبيُوت وَهُوَ مُحْتَمل الصّرم
الملحب: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: المقطع. والصرم بِالْكَسْرِ: الْحَيّ.
لأيقنت أنّ النّاب لَيست رزيّةًوَلَا الْبكر لَا التفتّ يداك على غنم
هَذَا خطاب مَعَ الْمَرْأَة يَقُول: إِن الْمُصِيبَة قتل ذَاك لَيْسَ الْمُصِيبَة ناباً تصابين بهَا.
ثمَّ دَعَا عَلَيْهَا: لَا رزق الله يَديك خيرا تلتلف عَلَيْهِ.
وأيقنت أنّ الْجُود مِنْهُ سجيّةٌوَمَا عِشْت عَيْشًا مثل عيشك بِالْكَرمِ
أَتَتْهُ المنايا وَهُوَ غضٌّ شبابهوَمَا للمنايا عَن حمى النّفس من عزم
مَا: نَافِيَة. وَالْكَرم بِالضَّمِّ: الْعِزَّة. والعزم هُنَا: الصَّبْر.
وكل امرئٍ يَوْمًا إِلَى الْمَوْت صائرٌقضاءٌ إِذا مَا حَان يُؤْخَذ بالكظم
)
وَمَا أحدٌ حيٌّ تأخّر يَوْمهبأخلد ممّن صَار قبل إِلَى الرّجم
والكظم بِالْفَتْح: الْحلق وَقيل الْفَم وَقيل مخرج النَّفس وَأَصله بِفتْحَتَيْنِ فسكن ضَرُورَة. وَالرَّجم بِالْفَتْح: الْقَبْر وَأَصله أَيْضا بِفَتْح الْجِيم فسكن.
سَيَأْتِي على البَاقِينَ يومٌ كَمَا أَتَىعلى من مضى حتمٌ عَلَيْهِ من الحتم
جزى الله خيرا خَالِدا من مكافئٍعلى كلّ حالٍ من رخاءٍ وَمن أزم
فلست بناسيه وَإِن طَال عَهدهوَمَا بعده للعيش عِنْدِي من طعم
وَهَذَا آخر القصيدة. والأزم: الشدَّة. وَإِنَّمَا سقتها بِتَمَامِهَا لحسنها وانسجامها وَلِأَن شرَّاح وروى قصَّة قَتله قَالَ: زَعَمُوا أَن رجلا من هُذَيْل كَانَ يُقَال لَهُ: وهب بن جَابر هوي امْرَأَة من هُذَيْل كَانَ يُقَال لَهَا أم عَمْرو فاصطاد يَوْمًا ظَبْيَة فَقَالَ يخاطبها:
فَمَا لَك يَا شَبيهَة أمّ عَمْروإِذا عاينتنا لَا تأمنينا
فعينك عينهَا إِذْ قُمْت وسنىوجيدك جيدها لَو تنطقينا
وساقك حمشةٌ ولأمّ عَمْروخدلّجةٌ تضيق بهَا البرينا
ورأسك أزعرٌ ولأمّ عَمْروغدائر ينعفرن وينثنينا
تضيق من الْإِضَافَة. والبرين: جمع برة وَهِي الخلخال.
ثمَّ خلى سبيهَا فَبلغ ذَلِك أم عَمْرو فعطفت عَلَيْهِ فاستمكن مِنْهَا وَكَانَ رسولها إِلَيْهِ أَبَا ذُؤَيْب الشَّاعِر فَلَمَّا أَيفع أَبُو ذُؤَيْب وَكَانَ جميلاً رغبت فِيهِ واطرحت وهباً فَفَشَا أَمرهمَا فِي هُذَيْل وَقصر عَن بعض زيارتها وأخفى أمرهَا خشيَة أَن يرصد فيغتال.
فَانْطَلق إِلَى ابْن أُخْت لَهُ يُقَال لَهُ: خَالِد بن زُهَيْر فَأخْبرهُ بِأَمْر أم عَمْرو وَقَالَ لَهُ: هَل لَك أَن تكون رَسُولي إِلَيْهَا وتعاهدني على أَن لَا تغدرني. فَأعْطَاهُ خالدٌ مواثيقه وَاخْتلف بَينهمَا فَلم تلبث أَن عشقت خَالِدا وَتركت أَبَا ذُؤَيْب.
وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب يُرْسل خَالِدا إِلَيْهَا فَينْطَلق فيتحدث إِلَيْهَا بِحَدِيث نَفسه فَإِذا انْصَرف قَالَ لأبي ذُؤَيْب: لم ألج إِلَيْهَا الخبا وَجدتهَا وسنى وَكَانَ ينْصَرف عَنْهَا مُلَطَّخًا بالطيب فارتاب أَبُو ذُؤَيْب من ذَلِك وَجعل يمس خَدّه ويشم ثَوْبه فيجد مِنْهُ ريح الطّيب وَأنكر ذَلِك خالدٌ من خَاله فَقَالَ خَالِد لأمه وَهِي أُخْت أبي ذُؤَيْب:
يَا قوم من لي وَأَبا ذُؤَيْبكنت إِذا أتوته من غيب
)
يشمّ خدّي ويشدّ ثوبيكأنّني أربته بريب
من أجل أَن يرميني بِغَيْب فَقَالَ لَهُ أَبُو ذُؤَيْب يَوْمًا: انْطلق إِلَيْهَا يَا خَالِد فَإِنِّي أُرِيد أَن آتيها السَّاعَة. فَانْطَلق خَالِد إِلَيْهَا فعانقها وَقضى مَا أَرَادَ من لهوه وضاجعها وَذهب بهما النّوم فجَاء أَبُو ذُؤَيْب بعد ذَلِك فَأخذ سَهْمَيْنِ من سهامه فوضعهما عِنْد رؤوسهما وأرجلهما ثمَّ انْصَرف فَلَمَّا انتبه خَالِد عرف السهمين فَأَعْرض عَن أبي ذُؤَيْب إِذْ عرف أَنه قد أَيقَن بغدره.
وَأَقْبل أَبُو ذُؤَيْب على أم عَمْرو فَقَالَ:
تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداًوَهل يجمع السّيفان وَيحك فِي غمد
فَأَجَابَهُ خَالِد من شعر:
فَلَا تسخطن من سنّة أَنْت سرتهافأوّل راضٍ سيرةً من يسيرها
وَجرى بَينهمَا أشعار مَذْكُورَة فِي أشعار الهذليين. فَلَمَّا رأى وهب بن جَابر فَسَاد مَا بَينهمَا بعث ابْنه عَمْرو بن وهب فبذل لأم عَمْرو ذَات يَده فعطفها على نَفسه بالطمع وَكَانَ عَمْرو من أعظم شباب هُذَيْل واستمسكت بِخَالِد لعشقها إِيَّاه فَكَانَ لخَالِد سرها ولعمرو علانيتها.
فَبينا عَمْرو عِنْدهَا ذَات يَوْم إِذْ أَتَاهَا خَالِد وَهِي وَهُوَ على شرابهما فَقَامَ مستبطناً سَيْفه فولج عَلَيْهِمَا فَضرب رَأس عَمْرو ثمَّ خرج هَارِبا فَمر بِأبي ذُؤَيْب وَأبي خرَاش وَرَبِيعَة بن جحدر وهم يتصيدون فَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب: مَا وَرَاءَك يَا خَالِد فَقَالَ: قتلت عمرا. قَالَ: قد أوقعتني فِي شَرّ طَوِيل عَلَيْك بالحزم فَبلغ الْخَبَر وهب بن جَابر فَركب وَركب مَعَه جَبَّار بن جَابر فِي رهطهما فَمروا بِأبي ذُؤَيْب وَأبي خرَاش وَرَبِيعَة بن جحدر فَسَأَلَهُمْ عَنهُ فَقَالُوا: لم نعلمهُ وَلَكِن هَل لَك فِي شِيَاه من الأروى قَالَ: مَا لي بِهن من حَاجَة ومضوا فِي طلب خَالِد حَتَّى لحقوه بجبل يُقَال لَهُ: أظلم فَقَتَلُوهُ فَبلغ ذَلِك أَبَا ذُؤَيْب وخراشاً وَرَبِيعَة ابْن جحدر فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ ربيعَة من شعر:
فو الله لَا ألْقى كيومٍ لخالدٍحَياتِي حتّى يَعْلُو الرّأس رامس
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب يرثي خَالِدا:
لعمر أبي الطّير المربّة فِي الضّحىعلى خالدٍ لقد وَقعت على لحم
ثمَّ جمع أَبُو ذُؤَيْب رهطه فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل عُرْوَة بن جحدر وَنَجَا خرَاش بن أبي)
جحدر فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ أَبُو جحدر:
حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجاخراشٌ وَبَعض الشّرّ أَهْون من بعض
ثمَّ إِن الْقَوْم تحاجزوا والقتلى فِي أَصْحَاب أبي ذُؤَيْب أَكثر فطلبوا خويلداً وَهُوَ أَبُو خرَاش ابْن وائلة الْهُذلِيّ وَهُوَ فِي الحزم وَمَعَهُ امْرَأَته فَلَمَّا علم بأمرهم أَمر امْرَأَته أَن تسير أَمَامه وتقيم بمَكَان وَصفه لَهَا فَأَخْبرهَا أَن قومه يطلبونه بذحل فَإِن أَبْطَأت عَلَيْك فانعيني لقَوْمك.
فقصدوا خويلداً حَتَّى خرج عَلَيْهِم فتنكروا لَهُ ورحبوا بِهِ فَفطن لَهُم وَانْصَرف رَاجعا فَاتَّبعُوهُ فسبقهم ورموه بأسهم فَلم تصبه.
فَهُوَ حَيْثُ يَقُول:
رفوني وَقَالُوا يَا خويلد لَا ترعفَقلت وَأنْكرت الْوُجُوه: هم هم
هَذَا مَا أوردهُ السكرِي فِي آخر أشعار الهذليين.
وأوردنا الْقِصَّة هُنَا لِأَن فِيهَا أشعاراً فِيهَا شَوَاهِد إِذا جَاءَت فِيمَا سَيَأْتِي نحيل عَلَيْهَا.
وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة قبل إِسْلَام أبي ذُؤَيْب وَأبي خرَاش. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
فإيّاكم وحيّة بطن وادٍهموز النّاب لَيْسَ لكم بسيّ
على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ بِهِ على جر الْجوَار ردا على الْخَلِيل فِي زَعمه أَنه لَا يجوز إِلَّا إِذا اتّفق الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فِي أُمُور ذكرهَا الشَّارِح الْمُحَقق: مِنْهَا اتِّفَاقهمَا فِي
التَّذْكِير والتأنيث وَهَذَا الْبَيْت يرد عَلَيْهِ فَإِن هموز نعت الْحَيَّة المنصوبة. وجر لمجاورته لأحد المجرورين وَهُوَ بطن أَو وَاد.
وعينه ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني فَقَالَ: جر هموز لمجاورته لواد مَعَ اخْتِلَاف الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ تذكيراً وتأنيثاً فَإِن حَيَّة مؤنث وَمَا بعْدهَا مُذَكّر. وَفِيه أَن كلا من الْحَيَّة وَمَا بعْدهَا مُذَكّر.
أما الْحَيَّة فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الْحَيَّة للذّكر وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا دخله الْهَاء لِأَنَّهُ وَاحِد من جنس كبطة ودجاجة. وَفُلَان حَيَّة ذكر. على أَنه قد رُوِيَ عَن الْعَرَب: رَأَيْت حَيا على حَيَّة أَي: ذكرا على أُنْثَى. انْتهى.)
أما الْبَطن فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح أَيْضا: الْبَطن خلاف الظّهْر وَهُوَ مُذَكّر وَحكى أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَن تأنيثه لُغَة. انْتهى.
وَأما الْوَادي فَهُوَ مُذَكّر لَا غير فَيجوز للخليل أَن يَدعِي توَافق الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ تذكيراً بِجعْل الْحَيَّة للْوَاحِد الْمُذكر من الْجِنْس وَكَذَلِكَ هموز فَإِنَّهُ فعول يُوصف بِهِ الْمُذكر والمؤنث اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَكْتَفِي س للتخالف بالتأنيث والتذكير اللفظيين. وَهَذَا سِيبَوَيْهٍ لم يستشهد بِهَذَا الْبَيْت وَإِنَّمَا اسْتشْهد بقول العجاج: كأنّ نسج العنكبوت المرمل وَوجه الِاسْتِدْلَال مِنْهُ أَن العنكبوت مؤنث والمرمل مُذَكّر لِأَنَّهُ وصف للنسج فقد اخْتلفَا تأنيثاً وتذكيراً. وللخليل أَن يمْنَع هَذَا أَيْضا فَإِن العنكبوت قد جَاءَ مذكراً أَيْضا نقل ذَلِك عَن الْعَرَب.
وأنشدوا:
على هطّالهم مِنْهُم بيوتٌكأنّ العنكبوت هُوَ ابتناها
وعَلى تَسْلِيم أَنَّهَا فِي الْبَيْت مُؤَنّثَة فَإِنَّهُ تَأْنِيث لَيْسَ بعلامة إِذْ لَيْسَ مؤنثاً بِالتَّاءِ وَلَا بِإِحْدَى الْأَلفَيْنِ الْمَقْصُورَة والممدودة فَأشبه التَّذْكِير إِذْ لم يظْهر فِيهِ من التنافر مَا يظْهر فِي التَّثْنِيَة.
وَقد اسْتدلَّ لسيبويه بَعضهم بِقِرَاءَة يحيى بن وثاب والأمش: إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين بجر المتين ورد هَذَا أَيْضا بِاحْتِمَال أَن يكون المتين صفة للقوة لِأَنَّهَا فِي معنى السَّبَب فَذكر على الْمَعْنى فَلَا يكون من بَاب الْخَفْض على الْجوَار.
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب النَّعْت: وَقَالَ الْخَلِيل ﵀ لَا يَقُولُونَ إِلَّا: هَذَانِ جحرا ضَب خربَان من قبل أَن الضَّب وَاحِد والجحر جحران وَإِنَّمَا يغلطون إِذا كَانَ الآخر بعدة الأول وَكَانَ مذكراً مثله أَو مؤنثاً.
وَقَالُوا: هَذِه جحرة ضباب خربة لِأَن الضباب مُؤَنّثَة وَلِأَن الجحرة مُؤَنّثَة وَالْعدة وَاحِدَة فغلطوا. وَهَذَا قَول الْخَلِيل ﵀. وَلَا نرى هَذَا وَالْأول إِلَّا سَوَاء لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: هَذَا جُحر ضَب متهدم فَفِيهِ من الْبَيَان أَنه لَيْسَ بالضب مثل مَا فِي التَّثْنِيَة من الْبَيَان أَنه لَيْسَ بالضب.
قَالَ العجاج: كأنّ نسج العنكبوت المرمل والمرمل مُذَكّر وَالْعَنْكَبُوت مؤنث. هَذَا كَلَام سِيبَوَيْهٍ.)
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَقَالَ بعض الْبَصرِيين: إِن التَّقْدِير: هَذَا جُحر ضَب خرب جُحْره الخ هَذَا تَخْرِيج ابْن جني فِي الخصائص قَالَ فِيهِ: الأَصْل هَذَا جُحر ضَب خرب جُحْره حذف الْجُحر الْمُضَاف إِلَى الْهَاء وأقيمت الْهَاء مقَامه فارتفعت لِأَن الْمُضَاف الْمَحْذُوف كَانَ مَرْفُوعا فَلَمَّا ارْتَفَعت استتر الضَّمِير
الْمَرْفُوع فِي نفس خرب فَجرى وَصفا على ضَب وَإِن كَانَ الخراب للجحر لَا للضب على تَقْدِير.
وَقَالَ السيرافي: وَرَأَيْت بعض نَحْويي الْبَصرِيين قَالَ فِي هَذَا جُحر ضَب خرب قولا شرحته وقويته بِمَا احتمله من التقوية.
وَالَّذِي قَالَه هَذَا النَّحْوِيّ أَن مَعْنَاهُ هَذَا جُحر ضَب خرب الْجُحر وَالَّذِي يقويه أَنا إِذا قُلْنَا خرب الْجُحر فَهُوَ من بَاب حسن الْوَجْه وَفِي خرب ضمير الْجُحر مَرْفُوع لِأَن التَّقْدِير كَانَ خرب جُحْره.
وَمثله مِمَّا قَالَه النحويون: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْأَبَوَيْنِ لَا قبيحين وَالتَّقْدِير لَا قَبِيح الْأَبَوَيْنِ وَأَصله لَا قَبِيح أَبَوَاهُ ثمَّ جعل فِي قَبِيح ضمير الْأَبَوَيْنِ فَثنى لذَلِك وأجرى على الأول فخفض وَاكْتفى بضمير الْأَبَوَيْنِ وَلم يعد ظاهرهما لما تقدم من الذّكر. انْتهى.
قَالَ أَبُو حَيَّان بعد أَن نقل قَوْلهمَا: ومذهبهما خطأ من غير مَا وَجه لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون الْجُحر مُخَصّصا بالضب والضب مُخَصص بخراب الْجُحر الْمُخَصّص بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّب فتخصيص كل مِنْهُمَا مُتَوَقف على صَاحبه وَهُوَ فَاسد للدور وَلَا يُوجد ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب أَعنِي لَا يُوجد مَرَرْت بِوَجْه رجل حسن الْوَجْه وَلَا حسن وَجهه وَلِأَنَّهُ من حَيْثُ أجْرى الخرب صفة على الضَّب لزم إبراز الضَّمِير لِئَلَّا يلبس وَقد فرق سِيبَوَيْهٍ بَين حسن الْوَجْه وَحسن.
وَلِأَن مَعْمُول هَذِه الصّفة لَا يتَصَرَّف فِيهِ بالحذف لضعف عَملهَا. فَأَما قَول الشَّاعِر:
ويضحك عرفان الدّروع جلودناإِذا جَاءَ يومٌ مظلم الشّمس كاسف
فَلَا يُرِيد كاسف الشَّمْس فَيكون قد حذف مَعْمُول الصّفة وَإِن كَانَ قد ذهب إِلَيْهِ بَعضهم وَإِنَّمَا هُوَ عندنَا صفة لليوم نَفسه لِأَن الْكُسُوف يكون فِيهِ فَيكون نَحْو قَوْلهم: نهارك صَائِم وليلك قَائِم.
وَلِأَن هَذِه الصّفة لَا يجوز نقل الضَّمِير إِلَيْهَا حَتَّى يَصح نسبتها إِلَى الْمَوْصُوف على طَرِيق الْحَقِيقَة. أَلا ترى أَنه لَا يَصح عندنَا مَرَرْت بِرَجُل حَائِض الْبِنْت لِأَن الْحيض لَا
يكون للرجل.
وَكَذَلِكَ الخرب لَا يكون للضب والمرمل لَا يكون للعنكبوت. وَكَذَلِكَ همز الناب لَا يكون)
للوادي. وَالَّذِي يقطع بِبُطْلَان مَا ذَهَبا إِلَيْهِ قَول الشَّاعِر:
يَا صَاح بلّغ ذَوي الْحَاجَات كلّهمأَن لَيْسَ وصلٌ إِذا انحلّت عرى الذّنب
وَقَول أبي ثروان فِي الْمفضل كَانَ وَالله من رجال الْعَرَب الْمَعْرُوف لَهُ ذَلِك بخفض الْمَعْرُوف على الْمُجَاورَة. وَفِي كَلَام أبي ثروان وَهُوَ مِمَّن تُؤْخَذ عَنهُ اللُّغَة والعربية رد على من يَقُول بِأَن الْجوَار لَا يكون إِلَّا مَعَ النكرَة فَإِن كلا من الْبَيْت وَمن كَلَام أبي ثروان لَا يُمكن فِيهِ أَن يكون تَابعا للمجرور الَّذِي قبله بِحَال.
وتشبيه السيرافي الْمَسْأَلَة بِنَحْوِ قَول النَّحْوِيين: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبَوَاهُ لَا قَاعِدين تَشْبِيه غير صَحِيح. انْتهى كَلَام أبي حَيَّان.
وَبَينه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بعد نقل كَلَامهمَا بِأَنَّهُ يلْزم استتار الضَّمِير مَعَ جَرَيَان الصّفة على غير من هِيَ لَهُ وَذَلِكَ لَا يجوز عِنْد الْبَصرِيين وَإِن أَمن اللّبْس. وَقَول السيرافي إِن هَذَا مثل: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبَوَاهُ لَا قَاعِدين مَرْدُود لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يجوز فِي الْوَصْف الثَّانِي دون الأول. انْتهى.
وَقَوله: وَلِأَن هَذِه الصّفة لَا يجوز نقل الضَّمِير إِلَيْهَا حَتَّى يَصح نسبتها إِلَى الْمَوْصُوف إِلَى آخِره هَذَا كَلَام السيرافي وَهُوَ معترف بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ: وَلَا يشبه عِنْدِي: وحية بطن وَاد هموز الناب على هَذِه الْعلَّة لإنا إِذا خفضنا هموز الناب فَهُوَ مَحْمُول على وَاد أَو على بطن وَاد وَلَيْسَ هموز بمضاف إِلَى شَيْء إِضَافَته إِلَيْهِ تصححه فِي التَّقْدِير كَمَا كَانَ تَقْدِير إِضَافَة خرب الْجُحر توجب تَصْحِيح الْخَفْض. انْتهى.
وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق إِضَافَة هموز إِلَى مَا يصحح إِضَافَته فِي التَّقْدِير وَشَرحه
بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ قصد بِهَذَا الْبَيَان الرَّد على السيرافي.
وَاعْلَم أَن قَوْلهم: جُحر ضَب خرب مسموع فِيهِ الْجَرّ وَالرَّفْع وَالرَّفْع فِي كَلَامهم أَكثر.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: يَنْبَغِي أَن لَا تجوز مَسْأَلَة التَّثْنِيَة وَالْجمع لِأَن جر الْجوَار لم يسمع إِلَّا فِي الْمُفْرد خَاصَّة فَلَا يتَعَدَّى فِيهِ السماع.
وَقد قَالَ الْفراء وَغَيره: لَا يخْفض بالجوار إِلَّا مَا استعملته الْعَرَب كَذَلِك والمسموع مِنْهُ مَا تقدم
فَجئْت إِلَيْهِ والرّماح تنوشهكوقع الصّياصي فِي النّسيج الممدّد
فدافعت عَنهُ الْخَيل حتّى تبدّدتوحتّى علاني حالك اللّون أسود
وأسود نعت لحالك وجر لمجاورته الْمَجْرُور.)
وَقَول آخر:
كأنّك ضربت قدّام أعينهاقطناً بمستحصد الأوتار محلوج
ومحلوج نعت لقَوْله قطناً لكنه جر بالمجاورة.
وَقَول ذِي الرمة:
تريك سنّة وجهٍ غير مقرفةٍملساء لَيْسَ بهَا خالٌ وَلَا ندب
وَغير: نعت لسنة المنصوبة وجر للمجاورة. وَرُوِيَ بِالنّصب أَيْضا.
قَالَ الْفراء: قلت لأبي ثروان وَقد أَنْشدني هَذَا الْبَيْت بخفض غير: كَيفَ تَقول: تريك سنّة وَجه غير مقرفةٍ قَالَ: تريك سنّة وجهٍ غير مقرفةٍ بِنصب غير. قلت لَهُ: فَأَنْشد بخفض غير فخفض غير فَأَعَدْت عَلَيْهِ القَوْل فَقَالَ: الَّذِي تَقول قيل: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: اشتدَّتْ بِهِ الريحُ فِي يومٍ عاصفٍ لِأَن عاصف من صفة الرّيح لَا من صِفَات الْيَوْم. وَهَذَا القَوْل للفراء. قَالَ: لما جَاءَ العاصف بعد الْيَوْم أتبعته إِعْرَاب الْيَوْم وَذَلِكَ من كَلَام الْعَرَب أَن يتبعوا الْخَفْض الْخَفْض إِذا أشبهه.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: قد أولت هَذِه الْآيَة. أَقُول: أَولهَا الْفراء بتأويلين: أَولهمَا وَهُوَ جيد.
قَالَ: جعل العصوف تَابعا لليوم فِي إعرابه وَإِنَّمَا العصوف للريح. وَذَلِكَ جَائِز على جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن العصوف وَإِن كَانَ للريح فَإِن الْيَوْم يُوصف بِهِ لِأَن الرّيح فِيهِ تكون فَجَاز أَن تَقول يَوْم عاصف كَمَا تَقول: يَوْم بَارِد وَيَوْم حَار.
وَقد أَنْشدني بَعضهم: يَوْمَيْنِ غيمين وَيَوْما شمساً
فوصف الْيَوْمَيْنِ بالغيمين وَإِنَّمَا يكون الْغَيْم فيهمَا.
وَالْوَجْه الآخر: أَن تُرِيدُ فِي يَوْم عاصف الرّيح فتحذف الرّيح لِأَنَّهَا قد ذكرت فِي أول الْكَلِمَة كَقَوْلِه: إِذا جَاءَ يَوْم مظلم الشّمس كاسف يُرِيد كاسف الشَّمْس. انْتهى.)
وجر الْجوَار لم يسمع إِلَّا فِي النَّعْت على الْقلَّة. وَقد جَاءَ فِي التَّأْكِيد فِي بَيت على سَبِيل الندرة.
قَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: أَنْشدني أَبُو الْجراح الْعقيلِيّ:
يَا صَاح بلّغ ذَوي الزّوجات كلّهمأَن لَيْسَ وصلٌ إِذا انْحَلَّت عرى الذّنب
فَاتبع كل خفض الزَّوْجَات وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ توكيد لِذَوي. انْتهى.
وَزعم أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن الْفراء سَأَلَ أَبَا الْجراح فَقَالَ: أَلَيْسَ الْمَعْنى ذَوي الزَّوْجَات كلهم فَقَالَ: بلَى الَّذِي تَقوله خير من الَّذِي نقُول. ثمَّ استنشده الْبَيْت فأنشده بخفض كلهم. انْتهى.
وَالْفراء إِنَّمَا نقل هَذِه الْحِكَايَة فِي بَيت ذِي الرمة السَّابِق.
وَهَذَا الْبَيْت لأبي الْغَرِيب. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: هُوَ أَعْرَابِي لَهُ شعر قَلِيل أدْرك الدولة الهاشمية.
قَالَ أَبُو زِيَاد الْكلابِي: كَانَ أَبُو الْغَرِيب عندنَا شَيخا قد تزوج فَلم يولم فَاجْتَمَعْنَا على بَاب خبائه وصحنا:
أولم وَلَو بيربوعأَو لَو بقردٍ مجدوع
قتلتنا من الْجُوع
يَا لَيْت شعري عَن أبي الْغَرِيبإِذْ بَات فِي مجاسدٍ وَطيب
معانقاً للرّشأ الرّبيبأأحمد المحفار فِي القليب
أم كَانَ رخواً يَابِس الْقَضِيب فصاح إِلَيْنَا: يَابِس الْقَضِيب وَالله يَابِس الْقَضِيب وَأَنْشَأَ يَقُول:
سقيا لعهد خليلٍ كَانَ يأدم ليزادي وَيذْهب عَن زوجاتي الغضبا
كَانَ الْخَلِيل فأضحى قد تخوّنههَذَا الزّمان وتطعاني بِهِ الثّقبا
وَقَالَ:
يَا صَاح بلّغ ذَوي الزّوجات كلّهمأَن لَيْسَ وصلٌ إِذا استرخت عرى الّنب
انْتهى.
وَأَرَادَ باسترخاء عرى الذَّنب استرخاء الذّكر.
وَأما جر الْجوَار فِي الْعَطف فقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: لم يَأْتِ فِي كَلَامهم وَلذَلِك ضعف)
جدا قَول من حمل قَوْله تَعَالَى: وامْسَحُوا برؤُوسِكُمْ وأرجِلكم فِي قِرَاءَة من خفض على الْجوَار.
وَالْفرق بَينه وَبَين النَّعْت كَون الِاسْم فِي بَاب النَّعْت تَابعا لما قبله من غير وساطة شَيْء فَهُوَ أَشد لَهُ مجاورة بِخِلَاف الْعَطف إِذْ قد فصل بَين الاسمين حرف الْعَطف وَجَاز إِظْهَار الْعَامِل فِي بعض الْمَوَاضِع فبعدت الْمُجَاورَة.
وَذهب بعض المتفقهة من أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْإِعْرَاب على الْمُجَاورَة لُغَة ظَاهِرَة وَحمل على ذَلِك فِي الْعَطف الْآيَة الْكَرِيمَة وَقَوله تَعَالَى لم يَكُنِ الذينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكتاب والمُشْرِكينَ مُنْفَكِّين قَالَ: فخفض الْمُشْركين لمجاورة أهل الْكتاب. وَمَا ذهب إِلَيْهِ يُمكن تَأْوِيله على وَجه أحسن فَلَا حجَّة فِيهِ. انْتهى.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَقيل بِهِ فِي وحورٍ عين فِيمَن جرهما فَإِن الْعَطف على ولدانٌ مخلدون لَا على أكوابٍ وأباريق إِذْ لَيْسَ الْمَعْنى أَن الْولدَان يطوفون عَلَيْهِم بالحور.
وَقيل الْعَطف على جنَّات وَكَأَنَّهُ قيل: المقربون فِي جنَّات وَفَاكِهَة وَلحم طير وحور. وَقيل على أكواب بِاعْتِبَار الْمَعْنى إِذْ معنى يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب. انْتهى.
وَأما قَوْله فِي الْبَدَل فقد قَالَ أَبُو حَيَّان أَيْضا: لم يحفظ ذَلِك فِي كَلَامهم وَلَا خرج عَلَيْهِ أحد من عُلَمَائِنَا شَيْئا فِيمَا نعلم.
وَسبب ذَلِك وَالله أعلم أَنه مَعْمُول لعامل آخر لَا لِلْعَامِلِ الأول على أصح المذهبين وَلذَلِك يجوز ذكره إِذا كَانَ حرف جر بِإِجْمَاع وَرُبمَا وَجب إِذا كَانَ الْعَامِل رَافعا أَو ناصباً.
فَفِي جَوَاز إِظْهَاره خلاف فبعدت إِذْ ذَاك مُرَاعَاة الْمُجَاورَة وَنزل الْمُقدر الْمُمكن إِظْهَاره منزلَة الْمَوْجُود فَصَارَ من جملَة أُخْرَى. انْتهى.
وَقد آن لنا أَن نرْجِع إِلَى الْبَيْت الشَّاهِد فَنَقُول: هُوَ من أَبْيَات للحطيئة وَقد
تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة مدح بهَا عدي بن فَزَارَة وعيينة بن حصن وَحُذَيْفَة بن بدر فَقَالَ بعد تِسْعَة أَبْيَات من الْغَزل:
فأبلغ عَامِرًا عنّي رَسُولارِسَالَة ناصحٍ بكم حفيّ
فإيّاكم وحيّة بطن وادٍحَدِيد النّاب لَيْسَ لكم بسيّ
فحلّوا بطن عقمة واتّقوناإِلَى نَجْرَان فِي بلدٍ رخيّ
)
فكم من دَار حيٍّ قد أَبَاحَتْلقومهم رماح بني عديّ
فَمَا إِن كَانَ عَن ودٍّ وَلَكِنأباحوها بصمّ السّمهريّ
وَبعد هَذَا خَمْسَة أَبْيَات أخر.
وَقَوله: فأبلغ عَامِرًا الخ قَالَ أَبُو عَمْرو: يَعْنِي عَامر بن صعصعة وَهُوَ أَبُو قَبيلَة. وَالرَّسُول: الرسَالَة. انْتهى.
فَيكون على هَذَا قَوْله رِسَالَة نَاصح بَدَلا من رَسُولا وأجود مِنْهُ أَن يكون رَسُولا حَالا من وَقَوله: فإياكم وحية الخ. إيَّاكُمْ محذر وحية محذر مِنْهُ وهما منصوبان بفعلين أَي: أبعدوا أَنفسكُم واحذروا الْحَيَّة. وَأَرَادَ الحطيئة بالحية نَفسه يَعْنِي أَنه يحمي ناحيته ويتقى مِنْهُ كَمَا يتقى من الْحَيَّة الحامية لبطن واديها الْمَانِعَة مِنْهُ. والوادي: المطمئن من الأَرْض.
وَقَوله: حَدِيد الناب هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ديوانه وَهَذَا لَا يدل على أَن المُرَاد بالحية الذّكر لِأَن حديداً فِي الأَصْل مُسْند إِلَى الناب أَي: حَدِيد نابه. والناب من الْأَسْنَان مُذَكّر مَا دَامَ لَهُ هَذَا الِاسْم وَالْجمع أَنْيَاب وَهُوَ الَّذِي يَلِي الرباعيات.
قَالَ ابْن سينا: وَلَا يجْتَمع فِي حَيَوَان نَاب وَقرن. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَالْحَدِيد: الْقَاطِع وَرُوِيَ بِالنّصب إتباعاً للفظ الْحَيَّة وَالْمَشْهُور فِي رِوَايَة النَّحْوِيين هموز الناب بِالْجَرِّ على الْمُجَاورَة كَمَا تقدم. والهموز: فعول من الْهَمْز بِمَعْنى الغمز الضغط.
وَقَوله: لَيْسَ لكم بسي هَذَا يدل على تذكير الْحَيَّة فَإِن ضمير لَيْسَ عَائِد إِلَى الْحَيَّة وَلَو أَرَادَ الْمُؤَنَّث لقَالَ لَيست. والسي بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: الْمثل أَي: لَا تستوون مَعَه بل هُوَ أشرف مِنْكُم.
وَقَوله: فحلوا بطن عقمة الخ حلوا أَمر من الْحُلُول بِمَعْنى النُّزُول. وعقمة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي المعجم: هُوَ مَوضِع مَا بَين ديار بني جَعْفَر بن كلاب وَبَين نَجْرَان.
وَالْمعْنَى: اتقونا من هَا هُنَا إِلَى نَجْرَان. ونجران: مَدِينَة بالحجاز من شقّ الْيمن. ورخي: بعيد وَقيل وَاسع مخصب.
وَقَوله: فكَمْ من دارِ حَيٍّ الخ حَيّ هُنَا بِمَعْنى الْقَبِيلَة. وأباحت: بِمَعْنى جعلته مُبَاحا.
وَقَوله: فَمَا إنْ كَانَ عَن ودٍّ الخ يَقُول: لم ينزلُوا هَذِه الْمنَازل عَن مَوَدَّة بَينهم وَبَين هَؤُلَاءِ وَلَكِن أباحتها لَهُم رماحهم وَسُيُوفهمْ.)
وَأما بَيت سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع