من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
وَمَا الدّهر إلاّ تارتان فمنهماأَمُوت وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش أكدح
على أَن الْمَوْصُوف مَحْذُوف أَي: مِنْهُمَا تَارَة أَمُوت. هَكَذَا قدر سِيبَوَيْهٍ وَأوردهُ فِي بَاب حذف قَالَ: وَسَمعنَا بعض الْعَرَب الموثوق بهم يَقُول: مَا مِنْهُمَا مَاتَ حَتَّى رَأَيْته فِي حَال كَذَا وَإِنَّمَا يُرِيد: مَا مِنْهُمَا وَاحِد مَاتَ. انْتهى.
وَأوردهُ الْفراء أَيْضا فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمن آياتهِ يُرِيكم قَالَ:
من أظهر أَن فَهِيَ فِي مَوضِع اسْم مَرْفُوع كَمَا قَالَ: وَمن آيَاته منامكم بِاللَّيْلِ فَإِذا حذفت أَن جعلت مؤدية عَن اسْم مَتْرُوك يكون الْفِعْل صلَة لَهُ كَقَوْل الشَّاعِر: وَمَا الدَّهْر إلاّ تارتان......................... الْبَيْت كَأَنَّهُ أَرَادَ: فمنهما سَاعَة أَمُوتهَا وَسَاعَة أعيشها وَكَذَلِكَ: وَمن آيَاته آيَة للبرق وَآيَة لكذا. وَإِن شِئْت يريكم من آيَاته الْبَرْق فَلَا تضمر أَن وَلَا غَيره. انْتهى.
وَكَذَلِكَ أنْشدهُ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: مِنَ الَّذين هَادُوا يُحرِّفونَ الكلمَ أَي: قوم يحرفُونَ كَهَذا الْبَيْت.
وَالْمعْنَى مِنْهُمَا تَارَة أَمُوت فِيهَا فَحذف تَارَة وَأقَام الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ صفتهَا نائبة عَنْهَا فَصَارَ: أَمُوت فِيهَا فَحذف حرف الْجَرّ فَصَارَ التَّقْدِير: أَمُوتهَا ثمَّ حذف الضَّمِير فَصَارَ أَمُوت. وَمثله فِي الْحَذف من هَذَا الضَّرْب بل هُوَ أطول مِنْهُ:
تروّحي يَا خيرة الفسيلتروّحي أَجْدَر أَن تقيلي
أَصله: ائتي مَكَانا أَجْدَر بِأَن تقيلي فِيهِ فَحذف الْفِعْل الَّذِي هُوَ ائتي لدلَالَة تروحي عَلَيْهِ فَصَارَ مَكَانا أَجْدَر بِأَن تقيلي فِيهِ ثمَّ حذف الْمَوْصُوف الَّذِي هُوَ مَكَانا فَصَارَ تَقْدِيره أَجْدَر بِأَن تقيلي فِيهِ ثمَّ حذف الْبَاء أَيْضا تَخْفِيفًا فَصَارَ أَجْدَر أَن تقيلي فِيهِ.
فَفِيهِ إِذن خَمْسَة أَعمال وَهِي حذف الْفِعْل الناصب ثمَّ حذف الْمَوْصُوف ثمَّ
حذف الْبَاء ثمَّ حذف فِي ثمَّ حذف الْهَاء. وَهنا عمد سادس وَهُوَ أَن أَصله ائتي مَكَانا أَجْدَر بِأَن تقيلي فِيهِ من غَيره كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل أحسن من فلَان وَأَنت أكْرم عَليّ من غَيْرك. انْتهى.)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لتميم بن أبي بن مقبل وَهُوَ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَقَبله يصف الْقَحْط:
ألم تعلمي أَن لَا يذمّ فجاءتيدخيلي إِذا اغبرّ العضاه المجلّح
وَأَن لَا ألوم النّفس فِيمَا أصابنيوَأَن لَا أكاد بِالَّذِي كنت أفرح
وَمَا الْعَيْش إلاّ تارتان فمنهماأَمُوت وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش أكدح
وكلتاهما قد خطّ لي فِي صحيفةٍفَلَا الْعَيْش أَهْوى لي وَلَا الْمَوْت أروح
أَن فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَالْفِعْل بعْدهَا مَرْفُوع وفجاءتي مفعول مقدم.
والفجاءة بِضَم الْفَاء وَالْمدّ: مصدر فجأه الْأَمر كضربه وفجئه كعلمه إِذا أَتَاهُ بَغْتَة. وَيُقَال أَيْضا فاجأه المر مفاجأة وفجاءً. ودخيلي أَي: ضَيْفِي فَاعل مُؤخر والدخيل: الضَّيْف إِذا حل بالقوم فأدخلوه.
يَقُول: إِذا جَاءَنِي بَغْتَة ضيف فِي أَيَّام الْقَحْط فَلَا بُد من إطعامه وإكرامه وَلَا أَدَعهُ يذمني.
واغبر: صَار بلون الغبرة. والعضاه بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا ضاد مُعْجمَة وَآخره هَاء: شجر عَظِيم شائك تَأْكُل الْمَاشِيَة ورقه. والمجلح بِالْجِيم قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الْمَأْكُول وَمِنْه قَول ابْن مقبل: إِذا اغبرّ العضاه المجلّح وَهُوَ الَّذِي قد أكل حَتَّى لم يتْرك مِنْهُ شَيْء.
والكدح: الْكسْب وَالسَّعْي وَجُمْلَة أكدح حَال مُؤَكدَة لعاملها وَهُوَ أَبْتَغِي وَتارَة المحذوفة مُبْتَدأ وَجُمْلَة أَمُوت صفتهَا والعائد إِلَى الْمَوْصُوف مَحْذُوف أَي: فِيهَا. ومنهما خبر مقدم وَأُخْرَى صفة مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: تَارَة آخرى. وَلَيْسَ فِي هَذَا شَاهد. وَجُمْلَة أَبْتَغِي الْعَيْش خبر الْمُبْتَدَأ والعائد مَحْذُوف أَيْضا أَي: فِيهَا. يَقُول: لَا رَاحَة فِي الدُّنْيَا لِأَن وَقتهَا قِسْمَانِ: إِمَّا موت وَهُوَ مَكْرُوه عِنْد النَّفس وَإِمَّا حَيَاة وَكلهَا سعي فِي الْمَعيشَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع