من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة
قُولُوا لهَذَا الْمَرْء ذُو جَاءَ ساعياًهلمّ فإنّ المشرفيّ الْفَرَائِض
على أَن ذُو الطائية إِنَّمَا وَقعت وَصفا وَإِن كَانَت على حرفين لمشابهتها لذُو الْمَوْضُوعَة للوصف بأسماء الْأَجْنَاس.
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة لقوال الطَّائِي أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة.
والساعي: الْوَالِي على صَدَقَة الزَّكَاة. يُقَال: سعى الرجل على الصَّدَقَة يسْعَى سعياً: عمل فِي أَخذهَا من أَرْبَابهَا. وهلم: أقبل وتعال. المشرفي: بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء هُوَ السَّيْف نسب إِلَى المشارف وَهِي قرى كَانَت السيوف تصنع فِيهَا. الْفَرَائِض جمع فَرِيضَة وَهِي الْأَسْنَان الَّتِي تصلح أَن تُؤْخَذ فِي الصَّدقَات.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الْفَرِيضَة مَا فرض فِي السَّائِمَة من الصَّدَقَة يُقَال: أفرضت الْمَاشِيَة أَي: وَجَبت فِيهَا الْفَرِيضَة وَذَلِكَ إِذا بلغت نِصَابا. يَقُول: أبلغا هَذَا الرجل الَّذِي جَاءَ لأخذ الصَّدقَات تعال فَإِن لَك عندنَا السَّيْف بَدَلا من الْفَرَائِض.
قَالَ التبريزي: وَهَذَا مَأْخُوذ من الْمثل السائر: خُذ من جذع مَا أَعْطَاك. وجذع: رجل أَتَاهُ
وإنّ لنا حمضاً من الْمَوْت منقعاًوإنّك مختلّ فَهَل أَنْت حامض
أَي: وقولا لَهُ: إِن لنا حمضاً بِفَتْح الْمُهْملَة وَهُوَ من النَّبَات مَا لَهُ ملوحة ومرارة. والخلة بِضَم الْمُعْجَمَة: مَا كَانَ حلواً من النَّبَات.
تَقول الْعَرَب: الْخلَّة خبز الْإِبِل والحمض فاكهتها وَيُقَال: لَحمهَا. وَمِنْه قَوْلهم للرجل إِذا جَاءَ متهدداً: أَنْت مختل فتحمض المختل: الَّذِي يرْعَى الْخلَّة.
قَالَ التبريزي: وَمَا فِي الْبَيْت مثل يَقُول: قد مللت الْعَافِيَة والسلامة فَهَلُمَّ إِلَى الشَّرّ. والخلة مثل ضربه للحياة والحمض مثل ضربه للْمَوْت. يَقُول: إِن ضَاقَ صدرك من الْحَيَاة فَأَتَيْنَ مُصدقا فَإِنِّي أَقْتلك. والمنقع بزنة اسْم الْمَفْعُول: الثَّابِت. يُقَال: انقع لَهُ الشَّرّ حَتَّى يسأم أَي: أدمه.
أظنّك دون المَال ذُو جِئْت تبتغيستلقاك بيضٌ للنّفوس قوابض
المَال: الْمَاشِيَة وَدون مُتَعَلق بأظنك لَا بجئت وَلَا بتبتغي لِأَن مَعْمُول الصِّلَة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول وَذُو هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي للظن بِمَعْنى الَّذِي وَالْبيض: السيوف. أَرَادَ التهكم وَقد خلط)
بِهِ التوعد والاستهانة وَلذَلِك قَالَ: أَظُنك. وتبتغي جملَة حَالية ومفعوله مَحْذُوف.
وَالْمعْنَى أحسبك الَّذِي جَاءَ دون المَال تبتغي صدقاته سترى مَا أهيئ لَك من سويف تنتزع الْأَرْوَاح.
وقوال الطَّائِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْوَاو: شَاعِر إسلامي فِي آخر الدولة الأموية وَقد أدْرك الدولة العباسية.
وَقَالَ هَذِه الأبيات فِي مُصدق جَاءَ يطْلب مِنْهُم إبل الصَّدَقَة. وسببها هُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو رياش فِي شرح الحماسة.
وَقَالَ: كَانَ من خبر هَذِه الأبيات أَن معدان بن عبيد بن عدي بن عبد الله حدث أَنه تزوج امْرَأَة من بني بدر بن فَزَارَة قَالَ: وَكَانَ شباب من بني بدر يزوروننا فَأدْرك الثِّمَار فَاجْتمعُوا على نَبِيذ لَهُم مَعَ شباب منا فأسرع فيهم الشَّرَاب فَوَقع بَينهم كَلَام فَوَثَبَ غُلَام منا فَضرب شَابًّا من بني بدر فَشَجَّهُ فَمَاتَ مِنْهَا فَقلت للبدريين: لكم دِيَة صَاحبكُم.
فَأَبَوا إِلَّا أَن يدْفع الطَّائِي إِلَيْهِم وأبيت أَن أفعل فَأتوا صَاحب الْمَدِينَة فِي ذَلِك وَكُنَّا قد منعنَا الصَّدَقَة حِين وَقعت الْفِتْنَة فَكتب أُميَّة بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان ابْن عَفَّان عَامل صَدَقَة الحليفين: طَيئ وَأسد إِلَى مَرْوَان الْحمار آخر مُلُوك بني أُميَّة يُخبرهُ بمنعنا الصَّدَقَة وقتلنا الرجل فَكتب إِلَيْهِ: أَن سير إِلَيْهِم جَيْشًا. وَكتب إِلَيّ: أَن مكن الْبَدْرِيِّينَ من صَاحبهمْ وأد الصَّدَقَة وَإِلَّا فقد أمرت رَسُولي أَن يأتيني بك وَإِن أَبيت أَتَانِي برأسك ثمَّ وَالله لأبيلن الْخَيل فِي عرصاتك فَأمرت بِضَرْب عنق الرَّسُول.
فَقَالَ الرَّسُول: إِن الرَّسُول لَا يقتل وَإِنِّي لأسير فِيكُم يَا معشر طَيئ استحياء
فَقلت: قد صدقت وخليت سَبيله وَقلت لَهُ: قل لمروان: آلَيْت تبيل الْخَيل فِي عرصاتي وبيني وَبَيْنك رمل عالج وعديد طَيئ حَولي والجبلان خلف ظَهْري فاجهد جهدك فَلَا أبقى الله عَلَيْك إِن أبقيت.
وَكتب إِلَيْهِ:
أَلا من مبلغٌ مَرْوَان عنّيعلى مَا كَانَ من نأي المزار
ألم تَرَ للخلافة كَيفَ ضَاعَتإِذا كَانَت بأبناء السّراري
إِذا كَانَت بِذِي حمقٍ ترَاهُإِذا مَا نَاب أمرٌ كالحمار
)
وَكتب إِلَيْهِ غَالب بن الْحر الطَّائِي:
لقد قلت للرّكبان من آل هَاشموَمن عبد شمس والقبائل تسمع
قفوا أيّها الرّكبان حتّى تبيّنواويأتيكم الْأَمر الَّذِي لَيْسَ يدْفع
وحتّى تروا أَيْن الإِمَام وتشعبواعَصا الْملك إِذْ أَمْسَى وبالملك مضيع
أرى ضَيْعَة لِلْمَالِ أَن لَا يضمّهإمامٌ وَلَا فِي أَهله المَال يودع
فَكتب إِلَى عبد الْوَاحِد بن منيع السَّعْدِيّ من سعد بن بكر وَإِلَى أُميَّة بن عبد الله ابْن عَمْرو بن عُثْمَان: أَن سر بِأَهْل الشَّام وَأهل الْمَدِينَة وَأهل الْبَوَادِي وَقيس وَغَيرهم إِلَى معدان حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُ الصَّدَقَة وتقيدوا الْبَدْرِيِّينَ من صَاحبهمْ وأوطئوا الْخَيل بِلَاد طَيئ وائتوني بمعدان فَسَار أُميَّة فِي ثَلَاثِينَ ألفا من أهل الْمَدِينَة وَالشَّام والبوادي من قيس وَأسد وَبعث إِلَى كل صَاحب ذحل ودمنة يطْلبهَا فِي طَيئ وَقدم على مقدمته رجلا يُقَال لَهُ: الحريز بن يزِيد بن حمل من الضباب وثارت قيس تطلب الثأر من طَيئ.
قَالَ معدان: وَكنت فِي اثْنَي عشر ألفا فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى عَسْكَر أُميَّة إِذا جبال
الْحَدِيد وعسكر لَا يرى طرفاه فَرفع طَيئ النَّار على أجأ فَاجْتمعُوا فنحروا الجزر وَعمِلُوا من جلودها درقاً وطعموا من لحومها.
فَقلت: يَا بني خيبري وَيَا معشر طَيئ هُوَ وَالله يومكم لبَقَاء الدَّهْر أَو لهلاك فَإِذا وَقع النبل عنْدكُمْ فقبح الله أجزع الْفَرِيقَيْنِ فصاففناهم فرموا بِالنَّبلِ ثمَّ شددنا عَلَيْهِم شدَّة رجل وَاحِد فَمَا كَانَ إِلَّا سيف أَو سيفان حَتَّى قتل الحريز وسرحان مولى قيس.
واستحر الْقَتْل فِي قيس لأَنهم حاموا عَن الحريز وَكَانَ يَلِي الْمَعَادِن فَقتل من قيس ثلثمِائة وانهزموا أقبح هزيمَة وأسوأها فَأتيت بأمية أَسِيرًا فخليت سَبيله وأتيت بِجَارِيَة لَهُ فأحلقتها بِهِ إِلَى الْمَدِينَة وناديت أَن لَا يتبعوا مُدبرا وَلَا يجهزوا على جريح وَإِن الْكتاب الَّذِي كتبه مَرْوَان لفي أَيْدِينَا مَا نحسن أَن نقرأه وَجَدْنَاهُ فِي مَتَاعه حَتَّى قَرَأَهُ بعض فتياني فَإِذا فِيهِ: اقْتُل واسب.
وَبِاللَّهِ لَو كنت علمت مَا فِي الْكتاب مَا أفلت مِنْهُم صبي فَكتب صَاحب الْمَدِينَة إِلَى مَرْوَان يُخبرهُ بِمَا صنعت طَيئ من قتل الحريز وسرحان وَأسر أُميَّة وَقتل ابْنه وَمَا لقِيت قيس وَمن أجَاب دَعوته. فَوجه مَرْوَان من عِنْده ابْن رَبَاح الغساني فِي عشرَة آلَاف فَكتب ابْن هُبَيْرَة إِلَى مَرْوَان بقتل ابْن ضبارة وفصول قَحْطَبَةَ مُتَوَجها من الرّيّ.)
فَقَالَ: مَا تصنع بشغل عشرَة آلَاف فِي قتال أَعْرَاب طَيئ فصرفهم إِلَى ابْن هُبَيْرَة.
قَالَ معدان: وكتبت إِلَى قَحْطَبَةَ وَبعثت رَسُولا فوافقه بهمذان والجيش بنهاوند فَكتب إِلَيّ يسدد رايي ويصوب أَمْرِي ويخبر أَنه لَو قدم الْكُوفَة بعث إِلَيّ جنداً.
ثمَّ كَانَ من أَمر قَحْطَبَةَ مَا كَانَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس السفاح فَقدمت إِلَيْهِ فِي مِائَتي
رجل من طَيئ فَأمر لي بِعشْرين ألف دِرْهَم وخلعة وَأمر لِأَصْحَابِي بثلاثمائة ثَلَاثمِائَة وَخص قوما نَحوا من ثَلَاثِينَ رجلا بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم لكل رجل ولعشرة مِنْهُم بِأَلف لكل رجل فوَاللَّه مَا رزأنا مَرْوَان وَلَا جنده وَلَا عماله شَاة وَلَا بَعِيرًا وَإِنَّا لأوّل من نقم عَلَيْهِ وَنصر آل مُحَمَّد حَتَّى انْتهى إِلَيْنَا صاحبنا قَحْطَبَةَ بن شبيب بن خَالِد بن معدان ولجأ إِلَيّ يَوْمئِذٍ فِرَارًا من الْحَرْب عبد الْعَزِيز بن أبي دهبل الْجَعْفَرِي وَكُنَّا أَخْوَاله فَقَالَ عبد الْعَزِيز يمدح معدان فِي قِطْعَة: وقيلت أشعاراً كَثِيرَة فِي تِلْكَ الْوَقْعَة أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع