تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ١٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أنْشد فِيهِ: وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من أَبْيَات إِيضَاح أبي عَليّ الْفَارِسِي:

ربّاء شمّاء لَا يأوي لقلّتهاإلاّ السّحاب وإلاّ الأوب والسّبل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

على أَن الْمَوْصُوف قد يحذف فِي الْأَغْلَب مَعَ قرينَة دَالَّة عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْت. وَالتَّقْدِير: هُوَ رجل رباء هضبة شماء. فَحذف الْمَوْصُوف وأقيم الْوَصْف مقَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِن رباء فعال وَهُوَ وصف مُبَالغَة من قَوْلهم: هُوَ رباء لأَصْحَابه بِالْهَمْز ربأ يربأ من بَاب منع إِذا صَار ربيئة لَهُم أَي: ديدباناً.

فِي الصِّحَاح: المربأة: المرقبة وَكَذَلِكَ المربأ والمرتبأ. وربأت الْقَوْم ربئاً وارتبأتهم أَي: رقبتهم وَذَلِكَ إِذا كنت لَهُم طَلِيعَة فَوق شرف أَي: مَوضِع

مُرْتَفع. يُقَال: ربأ لنا فلَان وارتبأ إِذا وَهُوَ فعيل وفعيلة. فالرباء وصف مُبَالغَة وَالْوَصْف لَا بُد لَهُ من مَوْصُوف. وَمن الْمَعْلُوم أَن الَّذِي يرقب الْأَعْدَاء لأَصْحَابه إِنَّمَا هُوَ الرجل فِي الْغَالِب.

وَقيل: إِنَّه من ربأت الْجَبَل إِذا صعدته وعلوته فَيكون رباء شماء كَقَوْلِهِم: طلاع أنجد. وَهُوَ مُضَاف إِلَى شماء والشماء مجرور بالفتحة وَهُوَ مؤنث أَشمّ من الشمم وَهُوَ الِارْتفَاع. أَرَادَ هضبة شماء فَحذف الْمَوْصُوف بِدَلِيل الْقلَّة وَهِي رَأس الْجَبَل. والهضبة: الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض.

وَمن الْمَعْلُوم أَيْضا أَن الَّتِي لَا يأوي إِلَى قلتهَا إِلَّا السَّحَاب والمطر لَا تكون إِلَّا هضبة. وَإِضَافَة رباء إِلَى شماء لفظية.

وَقَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل: إِن رباء من ربأت الْجَبَل إِذا صعدته وعلوته فَيكون مثل قَوْلهم: طلاع أنجد لمن هُوَ ركاب للصعاب من الْأُمُور.

وَقَالَ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل: الشَّاهِد فِي قَوْله رباء شماء وَالْمرَاد رجل رباء ربوة شماء أَو رابية شماء. وَهُوَ فعال من قَوْلك: ربوت الرابية إِذا علوتها. وَضعف الْعين للتكثير. والهمزة فِي)

آخِره بدل من وَاو هِيَ لَام الْكَلِمَة كهمزة كسَاء وَلم ينونه لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى شماء. وشماء فعلاء من الشمم يُقَال: جبل أَشمّ ورابية شماء أَي: مُرْتَفعَة.

أَقُول: لَيْسَ فِي هَذَا كثير فَائِدَة وَهُوَ مَعَ تكلفه يَدْفَعهُ قَوْله: لَا يأوي لقلتهَا إِلَّا السَّحَاب إِلَخ.

فَتَأَمّله.

وَحكى الأندلسي فِي شرح الْمفصل عَن الْخَوَارِزْمِيّ: قلَّة رباء وهضبة شماء لِأَن الرباء هِيَ الْعَالِيَة واشتقاقها من الرب لعلوه على المربوب.

أَقُول: لَا وَجه لما ذهب إِلَيْهِ الْخَوَارِزْمِيّ فَإِن رباء من وصف الربيء لَا الْقلَّة كَمَا يَأْتِي وَهُوَ فعال لَا فعلاء.

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح لأبي عَليّ: أنث رباء لما أَرَادَ بِهِ الربيئة وَهُوَ الْحَافِظ لأَصْحَابه فِي الْأَمْكِنَة الْعَالِيَة.

أَقُول: هَذَا خطأ فَإِن رباء فعال لَا فعلاء.

وَرَوَاهُ بَعضهم: زناء شماء بالزاي الْمُعْجَمَة وَالنُّون من زنأ فِي الْجَبَل يزناً زنئاً وزنوءاً بِمَعْنى صعد. وَهُوَ مَهْمُوز.

وَقَالَ بَعضهم: إِن شماء اسْم هضبة وَهُوَ مَنْقُول من الصّفة إِلَى العلمية مثل حسن فَلَا شَاهد فِيهِ.

أَقُول: كَون شماء اسْم هضبة ذكره أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم قَالَ: شماء على لفظ

بعد عهدٍ لنا ببرقة شمّاء فأدنى ديارها الخلصاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «معلقة الحارث بن حلزة اليشكري»

لَكِن الظَّاهِر هُنَا أَن المُرَاد بشماء اسْم جنس بِدَلِيل وَصفه بقوله: لَا يأوي لقلتهَا الخ.

فَإِن قلت: أجعَل الْجُمْلَة حَالا من شماء لتعريفها.

قلت: صَاحب الْبَيْت هذلي وشماء الهضبة الْمَعْرُوفَة فِي بِلَاد بني يشْكر مَعَ أَن مقَام الْمَدْح يَقْتَضِي أَنه يربأ كل جبل مَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف وَلَيْسَ فِي جعلهَا علما كثير مدح.

وَقَوله: لَا يأوي لقلتهَا الخ هُوَ من أَوَى إِلَى منزله يأوي من بَاب ضرب أوياً بِمَعْنى أَقَامَ. وَالْمرَاد لَا يصل إِلَى قلتهَا. وروى السكرِي: لَا يدنو لقلتهَا.

وَضمير قلتهَا لشماء. وَقلة الْجَبَل: وروى: لقنتها بالنُّون. والقنة هِيَ الْقلَّة.

وَقَوله: إِلَّا السَّحَاب هُوَ اسْتثِْنَاء مفرغ أَي: لَا يقرب إِلَى قلتهَا شَيْء إِلَّا السَّحَاب. وكر إِلَّا فِي)

قَوْله وَإِلَّا الأوب للتوكيد. والأوب قَالَ السكرِي: هُوَ النَّحْل حِين تؤوب: ترجع.

وَيُؤَيِّدهُ أَنه روى وَإِلَّا النوب بِضَم النُّون وَهُوَ النَّحْل وَهُوَ جمع نَائِب لِأَنَّهَا ترعى وتؤوب إِلَى مَكَانهَا أَي: ترجع وَقيل: هُوَ الرّيح ذكره الصَّاغَانِي فِي الْعباب.

وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: هُوَ الْمَطَر لِأَنَّهُ بخار ارْتَفع من الأَرْض ثمَّ آب إِلَيْهَا أَي: رَجَعَ وَلذَلِك سمي رجعا فَسَموهُ أوباً ورجعاً تفاؤلاً ليرْجع ويؤوب. وَقيل لِأَن الله تَعَالَى يرجعه وقتا فوقتاً.

وَإِلَيْهِ ذهب صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْع وَأنْشد هَذَا الْبَيْت على أَن الْمَطَر تسمى رجعا كَمَا فِي الْآيَة وأوباً كَمَا فِي الْبَيْت تَسْمِيَة بمصدري رَجَعَ وآب. وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَانَت تزْعم أَن السَّحَاب يحمل المَاء من الْبَحْر ثمَّ يرجعه إِلَيْهِ.

قَالَ صَاحب الْكَشْف: جعل صَاحب الْكَشَّاف الأوب والسبل بِمَعْنى الْمَطَر وَالْأولَى مَا قيل أَن الأوب النَّحْل لِأَنَّهَا تؤوب إِلَى محالها بَعْدَمَا خرجت للنجعة والسبل. بِفتْحَتَيْنِ: الْمَطَر المنسبل أَي: النَّازِل.

قَالَ ابْن خلف فِي شرح أَبْيَات الْكتاب: السَّحَاب اسْم عَام للغيم وَالْمَاء ينسحب فِي الْأُفق أَي: ينجر نازلاً مَاؤُهُ وَغير نَازل. والسبل: الْمَطَر النَّازِل فَهُوَ إِذن أخص من السَّحَاب وَلذَلِك جَاءَ قَوْله تَعَالَى: فترى الودق يخرج من

خلاله لما كَانَ الودق المَاء النَّازِل نَفسه.

وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة عدتهَا عشرُون بَيْتا للمتنخل الْهُذلِيّ تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ رثى بهَا ابْنه أثيلة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمُثَلَّثَة. وَهَذَانِ البيتان قبله:

أَقُول لمّا أَتَانِي النّاعيان بِهِلَا يبعد الرّمح ذُو النّصلين والرّجل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»
رمحٌ لنا كَانَ لم يفلل ننوء بِهِتوفى بِهِ الْحَرْب والعزّاء والجلل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

ربّاء شمّاء لَا يدنو لقلّتها................ الْبَيْت قَوْله: الناعيان بِهِ فِي الصِّحَاح: الناعي الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَت الْعَرَب إِذا مَاتَ فيهم ميت لَهُ قدر ركب رَاكب فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول: نعاء فلَانا أَي: انعه واظهر خبر وَفَاته. وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر مثل نزال.

وَقَوله: بِهِ أَي: بنعيه حذف الْمصدر لدلَالَة الناعيات عَلَيْهِ. والمصدر جَاءَ على نعي بِفَتْح فَسُكُون ونعي على وزن فعيل ونعيان بِضَم النُّون. وَالضَّمِير رَاجع إِلَى أثيلة الْمَقْتُول وَهُوَ ابْن المتنخل.)

وَذَلِكَ أَنه كَانَ خرج مَعَ ابْن عَم لَهُ يُقَال ربيعَة بن الجحدر غازيين فأغارا على طوائف من فهم بن عَمْرو بن قيس عيلان فَقتل أثيلة وأفلت ربيعَة فَقَالَ المتنخل هَذِه القصيدة فِي رثاء ابْنه.

وَقَوله: لَا يبعد الرمْح فَاعل يبعد يُقَال: بعد بعدا من بَاب فَرح

فَرحا إِذا هلك. وَعَادَة الْعَرَب أَن تَقول عِنْد ذكر الْمَيِّت: لَا يبعد فلَان إِمَّا استعظاماً لمَوْته وَإِمَّا رَجَاء بَقَاء ذكره. وَيَأْتِي شرح هَذَا مَبْسُوطا إِن شَاءَ الله بعد أَبْيَات. والنصل: حَدِيدَة الرمْح الَّذِي يطعن بِهِ وَهُوَ السنان وَيُقَال لحديدة السهْم وَالسيف والسكين أَيْضا.

والحديدة الَّتِي يركز بهَا الرمْح فِي الأَرْض من الطّرف الْأَسْفَل يُقَال لَهَا الزج بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْجِيم. وَسمي الزج نصلاً بالتغليب فَقَالَ: النصلين وَإِنَّمَا غلب على الزج لِأَن الْعَمَل وَقَوله: وَالرجل أَرَادَ الرجل الْكَامِل فِي الشجَاعَة وَالْفِعْل وَهُوَ ابْنه وَقيل: أَرَادَ بِالرُّمْحِ ابْنه شبهه بِالرُّمْحِ الَّذِي لَهُ نصل وزج وَيُؤَيِّدهُ قَوْله رمح لنا أَي: هُوَ رمح لنا. وَضمير كَانَ رَاجع إِلَيْهِ وَجُمْلَة لم يغلل خَبَرهَا أَي: لم يكسر وَلم يثلم من الفل بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ وَاحِد الفلول وَهِي كسور فِي الشَّيْء.

وَقَوله: ننوء بِهِ أَي: ننهض بِهِ. يُقَال: ناء بِكَذَا أَي: نَهَضَ بِهِ مُثقلًا.

وَقَوله: توفى بِهِ الْحَرْب أَي: تعلى بِهِ وتقهر. وَهُوَ بِالْفَاءِ وَرُوِيَ بِالْقَافِ أَيْضا من الْوِقَايَة.

والعزاء بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الزاء الْمُعْجَمَة: السّنة الشَّدِيدَة. والجلل بِضَم الْجِيم وَفتح اللَّام: جمع جلى وَهُوَ الْأَمر الْجَلِيل الْعَظِيم مثل كبرى وَكبر وصغرى وَصغر.

وَفِي هَذَا القصيدة أَبْيَات من الشواهد فَيَنْبَغِي أَن نورد بقيتها مشروحة إِجْمَالا. وَهَذَا مطلع القصيدة:

مَا بَال عَيْنك أمست دمعها خضلكَمَا وهى سرب الأخراب منبزل

هَذَا خطاب مَعَ نَفسه. وخضل: ندي. ووهى السقاء إِذا تخرق وَانْشَقَّ. والأخراب: جمع خربة بِالضَّمِّ وَهِي عُرْوَة المزادة وكل ثقب مستدير. وسرب بِفَتْح فَكسر: السَّائِل يُقَال: سربت المزادة من بَاب فَرح إِذا سَالَتْ. ومنبزل: منشق. وَقد أَخذ ذُو الرمة مطلع قصيدته من هَذَا

مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكبكَأَنَّهُ من كلى مفريّة سرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

والكلى: جمع كُلية بِالضَّمِّ وَهِي جليدة مستديرة تَحت عُرْوَة المزادة تخرز مَعَ الْأَدِيم.

لَا تفتأ اللَّيْل مَعَ دمعٍ بأربعةٍكأنّ إنسانها بالصّاب مكتحل

)

لَا تفتأ: لَا تزَال يُقَال: جَاءَنَا وَعَيناهُ بأَرْبعَة أَي: بأَرْبعَة مدامع أَو مسايل أَي: تسيل من نَوَاحِيهَا من المأقين واللحاظين. والصاب: شجر لَهُ لبن مر إِذا أصَاب لبنه الْعين حلبها.

تبْكي على رجلٍ لم تبل جدّتهخلّى عَلَيْك فجاجاً بَينهَا خلل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

لم تبل جدته: لم تستمتع بشبابه من الإبلاء. وَرُوِيَ لم تبل جدته من البلى وجدته فَاعل.

وفجاجاً أَي: طرقاً. بَينهَا خلل أَي: فُرْجَة أَي: كَانَ يسدها. وَمعنى خلى تَركهَا. يُرِيد أَنه لم يمتع مِنْهُ كَمَا قَالَ ابْن أَحْمَر:

لبست أبي حتّى تملّيت بُرْهَةوبلّيت أعمامي وبلّيت خَالِيا
فقد عجبت وَمَا بالدّهر من عجبٍأَنى قتلت وَأَنت الحازم البطل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

أَي: كَيفَ قتلت مَعَ كونك شجاعاً حازماً. يَقُول: لَا تعجب من الدَّهْر فَإِن البطل يقتل فِيهِ والضعيف ينجو فِيهِ وَفِيه أُمُور مُخْتَلفَة.

ويلمّه رجلا تأبى بِهِ غيناًإِذا تجرّد لَا خالٌ وَلَا بخل

هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. قَوْله: ويلمه رجلا هَذَا مدح خرج بِلَفْظ الذَّم يرْوى بِكَسْر اللَّام وَضمّهَا. ورجلاً تَمْيِيز للضمير. وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا مُسْتَوفى فِي بَاب التَّمْيِيز. وتأبى مضارع أَبى بِمَعْنى تكره وَالْجُمْلَة صفة رجلا.

والغبن بِفَتْح الْبَاء: الخديعة فِي الرَّأْي وَفعله من بَاب فَرح. وبسكونها: الخديعة فِي الشِّرَاء وَالْبيع وَفعله من بَاب ضرب. يَقُول: تأبى أَنْت أَن تقبل بِهِ نُقْصَانا.

وَمعنى التجرد هَا هُنَا التشمر لِلْأَمْرِ وَالتَّأَهُّب لَهُ. وأصل ذَلِك أَن الْإِنْسَان يتجرد من ثِيَابه.

يَقُول: إِذا حاول فعل أَمر أَو الدُّخُول فِي حَرْب فَصَارَ مثلا لكل من جد فِي الشَّيْء وَإِن لم يتجرد من ثِيَابه.

يَقُول: إِذا أَتَيْته قَامَ مَعَك وتجرد وجد. وَقَوله: لَا خَال وَلَا بخل فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: الْخَال الاختيال والتكبر فخال مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: لَا فِيهِ تكبر وَلَا بخل أَو هُوَ خبر بِتَقْدِير مُضَاف لمبتدأ مَحْذُوف أَي: لَا هُوَ ذُو خَال.

وَثَانِيهمَا: الْخَال المتكبر ذكر الْمصدر وَأُرِيد الْوَصْف مُبَالغَة أَو هُوَ وصف وَأَصله خول فَانْقَلَبت الْوَاو الْمَكْسُورَة ألفا كَقَوْلِهِم رجل مَال وَيَوْم رَاح وأصلهما مول وروح.

وَيُؤَيِّدهُ أَنه رُوِيَ وَلَا بخل بِكَسْر الْخَاء. فخال خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف اي: لَا هُوَ خَال وَلَا ذُو بخل)

السّالك الثغرة الْيَقظَان كالئهامشي الهلوك عَلَيْهَا الخيعل الْفضل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

أَي: هُوَ السالك. وَيجوز نَصبه على الْمَدْح أَي: أَعنِي السالك والثغرة بِالضَّمِّ والثغر بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ مَوضِع يخَاف دُخُول الْعَدو مِنْهُ. وكالئها: حافظها. والهلوك من النِّسَاء: الَّتِي تتهالك فِي مشيتهَا أَي: تتبختر وتتكسر وَقيل: هِيَ الْفَاجِرَة الَّتِي تتواقع على الرِّجَال. والخيعل بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة.

قَالَ السكرِي: هُوَ ثوب يخاط أحد شقيه وَيتْرك الآخر. وَالْفضل هُوَ الخيعل لَيْسَ تَحْتَهُ إِزَار.

وَقَالَ ابْن الشجري: الخيعل الْقَمِيص الَّذِي لَيْسَ لَهُ كمان وَقيل: وَلَا دخاريص لَهُ. وَيُقَال: امْرَأَة فضل بِضَمَّتَيْنِ إِذا كَانَ عَلَيْهَا قَمِيص ورداء وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِزَار وَلَا سروايل.

وَفِي الْعباب: الْمفضل وَالْفضل بِضَمَّتَيْنِ. وَفِي هَذَا عَن الْفراء كالخيعل تلبسها الْمَرْأَة فِي بَيتهَا وَالْمَرْأَة فضل بِضَمَّتَيْنِ إِذا لبسته.

قَالَ الْأَعْشَى:

ومستجيبٍ تخال الصّنج يسمعهُإِذا ترجّع فِيهِ الْقَيْنَة الْفضل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

المستجيب: الْعود شبه صَوته بِصَوْت الصنج فَكَأَن الصنج دَعَاهُ. يَقُول: هُوَ الَّذِي من شَأْنه سلوك مَوضِع المخافة يمشي مُتَمَكنًا غير فروق وَلَا هيوب

كمشي الْمَرْأَة المتبخترة الْفضل.

قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: الْوَجْه نصب الثغرة بالسالك كَقَوْلِك: الضَّارِب الرجل وَيجوز خفضها على التَّشْبِيه بالْحسنِ الْوَجْه. وَالْيَقظَان صفة الثغرة نصبتها أَو خفضتها وارتفع بِهِ كالئها وَجَاز ذَلِك لعود الضَّمِير على الْمَوْصُوف.

وَقَوله: مشي الهلوك مَنْصُوب بِتَقْدِير: تمشي مشي الهلوك وَإِن شِئْت نصبته بالسالك لِأَن السالك يقطع الأَرْض بِالْمَشْيِ. انْتهى.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: لَا يجوز نَصبه بالسالك لِأَنَّهُ مَوْصُوف باليقظان وَلَا تعْمل الصّفة بعد وصفهَا.

أَقُول: هَذَا سَهْو مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ الْيَقظَان صفة الثغرة كَمَا نقلنا.

وَالْفضل نعت للهلوك على الْموضع لِأَنَّهَا فاعلة للمصدر الَّذِي أضيف إِلَيْهَا وَالتَّقْدِير تمشي كَمَا يمشي الهلوك الْفضل.

وَبِه أنْشد ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية. وَزعم جمَاعَة أَنه مَرْفُوع على الْمُجَاورَة لِلْمَرْفُوعِ الَّذِي هُوَ الخيعل. وَهَذَا شَيْء لم يقل بِهِ أحد من الْمُحَقِّقين. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى بأوسع)

من هَذَا فِي آخر هَذَا الْبَاب.

وعَلى تَفْسِير الْفراء والسكري للفضل بِكَوْن صفة للخيعل.

وَقد تكلم أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري على المصراع الأول بِغَيْر مَا ذكرنَا تمريناً للطَّالِب أحببنا ذكره هُنَا قَالَ: إِن نصبت كالئها لم يجز أَن تجعلها حَالا من السالك وَأَنت قد وَصفته باليقظان لِأَن حِينَئِذٍ تفصل بَين الصِّلَة والموصول وَلَكِن يجوز أَن تنصبه حَالا عَمَّا فِي يقظان كَأَنَّهُ يتيقظ فِي حَال حفظه إِيَّاهَا. وَيجوز إِذا نصبت كالئها أَيْضا أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من الْيَقظَان.

فَإِن قلت: أفيجوز إِذا نصبت كالئها أَن أجعَل الكالئ حَالا من الْمَوْصُول الَّذِي هُوَ السالك على أَن لَا أجعَل الْيَقظَان صفة للألف وَاللَّام وَلَكِن أجعله صفة للثغرة فَلَا يلْزم حِينَئِذٍ إِذا جعلته حَالا أَن أكون قد فصلت بَين الصِّلَة والموصول.

فَالْجَوَاب أَن وصف الثغرة باليقظان لَيْسَ بالسهل لِأَن الْيَقظَان من صفة الرجل دون الثغرة وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُذَكّر والثغرة مؤنث.

فَإِن قلت: فَهَل يجوز أَن أحمل على الاتساع فَأَقُول: ثغرة يقظان وَأَنا أُرِيد يتيقظ فِيهَا لشدَّة خوف السالك لَهَا كَمَا أَقُول: ليل نَائِم أُرِيد أَنه ينَام فِيهِ وأحمل التَّذْكِير على الْمَعْنى لِأَن الثغرة والثغر والموضع وَاحِد فِي الْمَعْنى فَالْجَوَاب: أَنَّك إِن حَملته على هَذَا لم يمْتَنع أَن يكون كالئها حَالا من اللَّام الَّتِي فِي السالك المنتصب.

وَإِن جعلت الْيَقظَان على هَذَا الَّذِي ذكرته من الاتساع جَازَ أَيْضا فِي الكالئ أَن تَجْعَلهُ حَالا مِمَّا أَلا ترى أَنَّك إِذا جعلت الْيَقظَان وَصفا للثغرة وَلم تَجْعَلهُ صفة للام لم تتمّ الصِّلَة وَإِذا لم تتمّ وَلم يكن فِي الْكَلَام شَيْء يُؤذن بِتَمَامِهَا من صفة لَهَا أَو عطف عَلَيْهَا أَو تَأْكِيد يتبعهَا لم يمْتَنع أَن تجْعَل كالئها حَالا من الضَّمِير كَمَا وَصفنَا. فَإِن رفعت كالئها وَرفعت السالك جَازَ أَن يكون السالك ابْتِدَاء مثل الضَّارِب هنداً حافظها.

فَإِن نصبت السالك وَرفعت كالئها كَانَ ارْتِفَاع كالئها باليقظان كَأَنَّهُ قَالَ: السالك الثغرة المتيقظ كالئها كَأَنَّهُ ثغر مخوف يحْتَاج حافظه أَن يكون متيقظاً حذرا لَا يغْفل وَلَا يدع التَّحَرُّز من شدَّة الْخَوْف فِيهَا.

وَيجوز أَن ترفع الْيَقظَان وتنصب السالك وكالئها فَيكون الْيَقظَان بَدَلا من الذّكر الْعَائِد إِلَى)

الْألف وَاللَّام فِي السالك فَيكون كالئها حَالا من السالك. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.

وَبعد خَمْسَة أَبْيَات قَالَ:

فَاذْهَبْ فأيّ فَتى فِي النّاس أحرزهمن حتفه ظلمٌ دعجٌ وَلَا جبل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

هَذَا الِاسْتِفْهَام مَعْنَاهُ النَّفْي وَلذَلِك عطف عَلَيْهِ قَوْله وَلَا جبل.

وَبِهَذَا الْمَعْنى اسْتشْهد الْعلمَاء بِهَذَا الْبَيْت مِنْهُم الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمَا لنَا أنْ لَا نُقاتِل وَقَالَ: هَذَا الْبَيْت مِمَّا حمل على معنى هُوَ مُخَالف لصَاحبه فِي اللَّفْظ أَي: لَيْسَ يحرز وَمثله قَول الشَّاعِر: أَلا هَل أَخُو عيشٍ لذيذٍ بدائم أَي: مَا أَخُو عَيْش. وَمثله فِي قِرَاءَة عبد الله: كَيفَ يكون للْمُشْرِكين عهد عِنْد الله وَلَا ذمَّة أَي: لَيْسَ للْمُشْرِكين.

وَقَالَ الْكسَائي: سَمِعت الْعَرَب تَقول: أَيْن كنت لتنجو مني أَي: مَا كنت لتنجو مني. وَذكر لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة.

وَلِهَذَا أَيْضا أوردهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب فِي الْوَاو العاطفة. وأحرزه بِمَعْنى جعله فِي حرز يمْنَع من الْوُصُول إِلَيْهِ. وَمن حتفه مُتَعَلق بِهِ. والحتف: الْهَلَاك. وَالظُّلم بِضَم ففتحة: جمع ظلماء وَهِي اللَّيَالِي السود. والدعج: جمع دعجاء وَهِي الشَّدِيدَة السوَاد.

وَالْعرب تسمي اللَّيْلَة الأولى من ليَالِي المحاق الثَّلَاثَة فِي آخر الشَّهْر دعجاء وَهِي لَيْلَة ثَمَانِيَة وَعشْرين وَالثَّانيَِة السرَار بِالْكَسْرِ وَالثَّالِثَة الفلتة بِالْفَاءِ وَهِي لَيْلَة الثَّلَاثِينَ. والجبل بِالْجِيم وَالْمُوَحَّدَة وَرُوِيَ الْحِيَل بِكَسْر الْمُهْملَة جمع حِيلَة.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»