من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
لَا يبعدن قومِي الَّذين همسمّ العداة وَآفَة الجزر
النّازلين بكلّ معتركٍوالطّيّبون معاقد الأزر
على أَنه يجوز قطع نعت الْمعرفَة بِالْوَاو كَمَا يجوز قطع نعت النكرَة بهَا. فقولها: والطيبون نعت مَقْطُوع بِالْوَاو من قومِي للمدح والتعظيم بجعله خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم الطيبون.
وَإِنَّمَا حكم بِالْقطعِ مَعَ أَنه مَرْفُوع كالمنعوت وَهُوَ قومِي لقطع النازلين قبله لما ذكرنَا أَيْضا بجعله مَنْصُوبًا بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره أَعنِي أَو أمدح وَنَحْوهمَا. وَالْعرب إِذا رجعت عَن شَيْء لم تعد إِلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي أَبْيَات الْمعَانِي: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النازلين تَابع لقومي على الْمَعْنى لِأَن مَعْنَاهُ النصب كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يبعد الله قومِي.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فِي بَاب مَا ينْتَصب على التَّعْظِيم والمدح: وَإِن شِئْت جعلته صفة فَجرى على الأول وَإِن شِئْت قطعته فابتدأته وَذَلِكَ قَول الله ﷿:
لكِن الرَّاسخون فِي العِلْمِ مِنهُمْ والُمؤْمنونَ يُؤْمِنُون بِمَا أُنزل إِلَيْك وَمَا أُنزِلَ مِنْ قبْلِكَ والمُقِيمينَ الصَّلاةَ والمُؤْتونَ الزّكاة. فَلَو كَانَ كُله)
رفعا كَانَ جيدا. فَأَما المؤتون فَمَحْمُول على الِابْتِدَاء.
وَقَالَ تَعَالَى: ولكنّ البرّ مَنْ آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِر والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِيِّينَ وَآتى المالَ على حُبِّه ذَوِي القُرْبَى واليَتَامَى والمَسَاكين إِلَى قَوْله: وحينَ الْبَأْس فَلَو رفع الصابرين على أول الْكَلَام كَانَ جيدا وَلَو ابْتَدَأَ فرفعه على الِابْتِدَاء كَانَ جيدا كَمَا ابتدأت: والمؤتون الزّكاة.
وَنَظِير هَذَا من الشّعْر قَول الخرنق: لَا يبعدن قومِي الَّذِي هم الْبَيْتَيْنِ
وكلّ قومٍ أطاعوا أَمر مرشدهمإلاّ نميراً أطاعت أَمر غاويها
الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحداوالقائلون لمن دارٌ نخلّيها
وَزعم يُونُس أَن من الْعَرَب من يَقُول: النازلون بِكُل معترك والطيبين. وَمن الْعَرَب من يَقُول: الظاعنون والقائلين فنصبه كنصب الطيبن إِلَّا أَن هَذَا شتم لَهُم وذم كَمَا أَن الطيبين مدح لَهُم وتعظيم.
وَإِن شِئْت أجريت هَذَا كُله على الِاسْم الأول وَإِن شِئْت ابتدأته جَمِيعًا فَكَانَ مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء. كل هَذَا جَائِز فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَمَا أشبههما. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَقَالَ الزّجاج: اخْتلف النَّاس فِي إِعْرَاب المقيمين فَقَالَ بَعضهم: هُوَ نسق على مَا الْمَعْنى: يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك وبالمقيمين الصَّلَاة أَي: يُؤمنُونَ بالنبيين المقيمين الصَّلَاة.
وَقَالَ بَعضهم: نسق على الْهَاء وَالْمِيم الْمَعْنى: لَكِن الراسخون فِي الْعلم مِنْهُم وَمن المقيمين الصَّلَاة يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك. وَهَذَا عِنْد النَّحْوِيين رَدِيء لَا ينسق بِالظَّاهِرِ على الْمُضمر إِلَّا فِي شعر.
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن هَذَا وهم من الْكَاتِب. وَقَالَ بَعضهم: فِي كتاب الله أَشْيَاء ستصلحها الْعَرَب بألسنتها. وَهَذَا القَوْل عِنْد أهل اللُّغَة بعيد جدا لِأَن الَّذين جمعُوا الْقُرْآن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ وهم أهل اللُّغَة وهم الْقدْوَة وهم الَّذين أَخَذُوهُ عَن رَسُول الله صلى
وَهَذَا سَاقِط عَمَّن لَا يعلم بعدهمْ وساقط عَمَّن يعلم لأَنهم يقْتَدى بهم فَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن ينْسب إِلَيْهِم.
وَالْقُرْآن مُحكم لَا لحن فِيهِ حَتَّى يتَكَلَّم الْعَرَب بأجود مِنْهُ فِي الْإِعْرَاب. ولسيبويه والخليل وَجَمِيع النَّحْوِيين فِي هَذَا بَاب يسمونه بَاب الْمَدْح قد بينوا صِحَة هَذَا وجودته.
قَالَ النحويون: إِذا قلت مَرَرْت بزيد الْكَرِيم وَأَنت تُرِيدُ أَن تخلص زيدا من غَيره فالخفض هُوَ)
الْكَلَام حَتَّى تعرف زيدا الْكَرِيم من زيد غير الْكَرِيم. وَإِذا أردْت الْمَدْح وَالثنَاء فَإِن شِئْت نصبت وَإِن شِئْت رفعت وَجَاءَنِي قَوْمك المطعمين فِي الْمحل والمغيثون فِي الشدائد على معنى أذكر المطعمين وهم المغيثون.
وعَلى هَذَا الْآيَة لِأَنَّهُ لما قَالَ: بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك علم أَنهم يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة فَقَالَ: والمقيمين الصَّلَاة والمؤتون الزَّكَاة على معنى أذكر المقيمين وهم المؤتون.
وأنشدوا بَيت خرنق بنت هفان: لَا يبعدن قومِي الَّذين هم الْبَيْتَيْنِ على معنى أذكر النازلين وهم الطيبون رَفعه ونصبه على الْمَدْح. وَبَعْضهمْ يرفع النازلين وَينصب الطيبين وَكله وَاحِد جَائِز حسن. انْتهى.
وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: الْقطع لكَونه بِتَقْدِير الْجُمْلَة أبلغ من الإتباع لكَونه مُفردا. قَالَ فِي سُورَة فاطر: قَرَأَ الضَّحَّاك: الْحَمد للَّهِ فَطَرَ السّموات. وَهَذَا على الثَّنَاء على الله سُبْحَانَهُ وَذكر النِّعْمَة الَّتِي اسْتحق بهَا الْحَمد. وأفرد ذَلِك فِي الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ جعل بِمَا فِيهَا من الضَّمِير فَكَانَ أذهب فِي معنى الثَّنَاء لِأَنَّهُ جملَة بعد جملَة وَكلما زَاد الإسهاب فِي الثَّنَاء أَو الذَّم كَانَ أبلغ.
أَلا ترى إِلَى قَول خرنق: لَا يبعدن قومِي الَّذين هم الْبَيْتَيْنِ ويروى: النازلون والطيبون والنازلين والطيبون والنازلون والطيبين. وَالرَّفْع على هم وَالنّصب على أَعنِي فَلَمَّا اخْتلفت الْجمل كَانَ الْكَلَام أفانين وضروباً فَكَانَ أبلغ مِنْهُ إِذا ألزم شرحاً وَاحِدًا.
فقولك: أثني على الله أَعْطَانَا فأغنى أبلغ من قَوْلك: أثني على الله المعطينا والمغنينا لِأَن مَعَك هُنَا جملَة وَاحِدَة وَهُنَاكَ ثَلَاث جمل.
ويدلك على صِحَة هَذَا الْمَعْنى قِرَاءَة الْحسن:
جَاعل الْمَلَائِكَة بِالرَّفْع. فَهَذَا على قَوْلك: هُوَ جَاعل الْمَلَائِكَة. وَيشْهد بِهِ أَيْضا قِرَاءَة خُلَيْد بن نشيط: جعل الْمَلَائِكَة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِذا طَال الْكَلَام خَرجُوا من الرّفْع إِلَى النصب وَمن النصب إِلَى الرّفْع. يُرِيد مَا نَحن عَلَيْهِ لتختلف ضروبه وتتباين تراكيبه. هَذَا كَلَامه.)
وَقد أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الصّفة المشبهة أَيْضا على أَن معاقد مَنْصُوب بقوله الطيبون على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ وَلَيْسَ مَفْعُولا بِهِ لِأَن عَامله غير متعدٍ وَلَا تمييزاً كَمَا زعم الْكُوفِيُّونَ لِأَنَّهُ معرفَة.
فَإِن قيل: يكون تمييزاً من بَاب حسن الْوَجْه الْمَنوِي بِهِ الِانْفِصَال فَيكون نكرَة.
أُجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ فِي شَيْء إِنَّمَا إِضَافَته من بَاب إِضَافَة المصادر أَو الْأَمْكِنَة إِلَى مَا بعْدهَا كقيام زيد ومقام عَمْرو فَإِن إضافتهما معنوية.
وَقَوْلها: لَا يبعدن مَعْنَاهُ لَا يهلكن وَهُوَ دُعَاء جَاءَ بِلَفْظ النَّهْي. ويبعدن: فعل مُسْتَقْبل مَبْنِيّ مَعَ نون التوكيد الْخَفِيفَة وموضعه جزم بِلَا الدعائية
وقومي فَاعله يُقَال: بعد يبعد من بَاب فَرح إِذا هلك. وَإِمَّا الَّذِي هُوَ ضد الْقرب فَهُوَ بعد يبعد بِضَم الْعين فيهمَا ومصدره الْبعد وَقد يسْتَعْمل فِي الْهَلَاك أَيْضا لتداخل معنييهما كَقَوْلِه تَعَالَى: أَلا بُعداً لمدين كَمَا بَعدتْ ثَمودُ.
قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَاسم الْفَاعِل مِنْهُمَا جَمِيعًا بعيد اسْتَويَا فِيهِ كَمَا اسْتَويَا فِي الْمصدر تَقول بعد وَبعد بعدا وبعداً.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: فَإِن قيل: كَيفَ دعت لقومها بِأَن لَا يهْلكُوا وهم قد هَلَكُوا فَالْجَوَاب أَن الْعَرَب قد جرت عَادَتهم بِاسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة فِي الدُّعَاء للْمَيت وَلَهُم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا: أَنهم يُرِيدُونَ بِهِ استعظام موت الرجل الْجَلِيل وَكَأَنَّهُم لَا يصدقون بِمَوْتِهِ. وَقد بَين هَذَا الْمَعْنى النَّابِغَة الذبياني بقوله:
يَقُولُونَ حصنٌ ثمّ تأبى نُفُوسهموَكَيف بحصنٍ وَالْجِبَال جنوح
وَلم تلفظ الْمَوْتَى الْقُبُور وَلم تزلنُجُوم السّماء والأديم صَحِيح
يُرِيد أَنهم يَقُولُونَ: مَاتَ حصن ثمَّ يستعظمون أَن ينطقوا بذلك وَيَقُولُونَ: كَيفَ يجوز أَن يَمُوت وَالْجِبَال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم الْعَالم صَحِيح لم يحدث فِيهِ حَادث.
وَالْغَرَض الثَّانِي أَنهم يُرِيدُونَ الدُّعَاء لَهُ بِأَن يبْقى ذكره وَلَا يذهب لِأَن بَقَاء ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته بِمَنْزِلَة حَيَاته. أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر:
فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكمبأفعالنا إنّ الثّناء هُوَ الْخلد
)
وَقَالَ آخر يرثي يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ: وَقَالَ المتنبي وَأحسن:
ذكر الْفَتى عمره الثّاني وَحَاجتهمَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش أشغال
وَقد بَين مَالك بن الريب الْمُزنِيّ مَا فِي هَذَا من الْمحَال من قصيدة تقدّمت:
يَقُولُونَ لَا تبعد وهم يدفنوننيوَأَيْنَ مَكَان الْبعد إلاّ مكانيا
وَقَالَ الْفِرَار السّلمِيّ:
مَا كَانَ يَنْفَعنِي مقَال نِسَائِهِموَقتلت دون رِجَالهمْ لَا تبعد
وَقَوْلها: سم العداة الخ السم مَعْرُوف وسينه مُثَلّثَة. والعداة: الْأَعْدَاء جمع عَاد كقضاة جمع قَاض حكى أَبُو زيد: أشمت الله عاديك أَي: عَدوك. وَلَا يكون العداة جمع عَدو لِأَن عَدو فعول وفعول لَا يجمع على فعلة إِنَّمَا يجمع عَلَيْهِ فَاعل المعتل اللَّام. والأعداء جمع عَدو أجروا فعولًا مجْرى فعيل كشريف وأشراف. وَقد جمعُوا أَعدَاء على أعادي. والآفة: الْعلَّة. والجزر بِضَم فَسُكُون: جمع جزور وَالْأَصْل بِضَمَّتَيْنِ كرسول ورسل فسكن الثَّانِي تَخْفِيفًا. وَالْجَزُور هِيَ النَّاقة الَّتِي تنحر.
فَإِن كَانَت من الْغنم فَهِيَ جزرة بِفتْحَتَيْنِ. وصفتهم أَولا بالشجاعة والنجدة وَأَنَّهُمْ يقتلُون أعداءهم كَمَا يقتلهُمْ السم.
قَالَ ابْن السَّيِّد: فَإِن قيل: كَيفَ قَالَت الَّذين هم وَإِنَّمَا يَلِيق هَذَا بِمن هُوَ مَوْجُود وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن تَقول كَانُوا كَمَا قَالَ الآخر:
كَانُوا على الْأَعْدَاء نَار محرّقٍولقومهم حرما من الأحرام
فَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الْعَرَب كَانَت تضمن كَانَ اتكالاً على فهم السَّامع كَقَوْلِه تَعَالَى: واتَّبعُوا مَا تتلُوا الشّياطينُ على مُلْكِ سُلَيْمَان قَالَ الْكسَائي: أَرَادَ مَا كَانَت تتلو.
وَثَانِيهمَا: أَنَّهَا إِذا دعت بِبَقَاء الذّكر بعد مَوْتهمْ صَارُوا كالموجودين وَكَانُوا موصوفين بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
وَقَوْلها النازلين الخ قَالَ ابْن خلف: يجوز فِي النازلين والطيبين أَرْبَعَة أوجه: رفعهما ونصبهما وَرفع أَحدهمَا مَعَ نصب الآخر مقدما ومؤخراً على الْقطع غير أَنَّك إِن رفعتهما جَازَ أَن يَكُونَا نعتين لقومي فَيكون الرافع لَهما رَافع قومِي بِعَيْنِه وَالْكَلَام جملَة وَاحِدَة وَجَاز أَن يَكُونَا)
مقطوعين فِي التَّقْدِير بإضمار مُبْتَدأ فيكونا جملتين والرافع والناصب المقدران لَا يجوز أَن يظْهر وَاحِد مِنْهُمَا لفظا إِنَّمَا يكون مُقَدرا أبدا منوياً وَامْتِنَاع إِظْهَاره إِشْعَار باتصاله بِمَا قبله وتشبيه بِهِ فَلَو ظهر أمكن أَن يكون جملَة قَائِمَة بِنَفسِهَا مُسْتَقلَّة وَلَيْسَ الْغَرَض ذَلِك.
وَيجوز أَن يكون الطيبون مَعْطُوفًا على سم العداة وَآفَة الجزر وَأَن يكون على الضَّمِير فِي النازلين. وَيجوز الرّفْع على إِضْمَار مُبْتَدأ كَمَا ذكر فِي الْكتاب. وَلَا يجوز أَن يكون النازلون رفعا صفة لمجموع قومِي وسم العداة لاخْتِلَاف العاملين.
فَإِن قيل: هَل الأقيس أَن يكون نعتاً لقومي أَو لسم العداة فَالْجَوَاب: لقومي
لِأَنَّهُ مَحْض الِاسْم فَهُوَ أولى بِالْوَصْفِ من الصّفة. انْتهى.
وَإِنَّمَا كَانَ سم صفة لتأويله بالقاتل.
ثمَّ قَوْله: وَفِي نصب النازلين اخْتِلَاف فالزجاجي يذهب إِلَى أَنه نصب على إِضْمَار أَعنِي وعَلى قِيَاس قَول سِيبَوَيْهٍ نصب على الْمَدْح سَاقِط إِذْ لَا اخْتِلَاف معنى فَإِن هَذَا وَنَحْوه مَنْصُوب على الْمَدْح سَوَاء قدر أمدح أَو أَعنِي أَو نَحْوهمَا.
وَالْبَاء فِي بِكُل ظرفية مُتَعَلقَة بالنازلين والمعترك وَكَذَلِكَ المعرك كجعفر والمعركة: مَوضِع الْقِتَال.
وَهَذَا مُشْتَقّ من عركت الرحا الْحبّ إِذا طحنته.
أَرَادوا أَن مَوضِع الْقِتَال يطحن كَمَا تطحن الرحا مَا يحصل فِيهَا وَلذَلِك سموهُ رَحا.
قَالَ عنترة: دارت على الْقَوْم رَحا طحون وَقد بَين ذَلِك زُهَيْر بن أبي سلمى بقوله: وَقَوْلها: النازلين بِكُل معترك يَعْنِي أَنهم ينزلون عَن الْخَيل عِنْد ضيق المعترك فيقاتلون على أَقْدَامهم وَفِي ذَلِك الْوَقْت يتداعون: نزال كَمَا قَالَ ربيعَة بن مقرومٍ الضَّبِّيّ:
وَلَقَد شهِدت الْخَيل يَوْم طرادهابسليم أوظفة القوائم هيكل
فدعوا نزال فَكنت أوّل نازلٍوعلام أركبه إِذا لم أنزل
وَقَالَ ابْن السَّيِّد: النُّزُول فِي الْحَرْب على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا مَا ذكر وَالثَّانِي فِي أول الْحَرْب وَهُوَ أَن ينزلُوا عَن إبلهم ويركبوا خيلهم.
قَالَ اللَّخْمِيّ: وَإِنَّمَا ينزلون عَن الْإِبِل إِلَى الْخَيل فِي الغارات يقودون خيولهم ليريحوها ويركبون)
إبلهم فَإِذا قربوا من عدوهم وأغاروا نزلُوا عَن إبلهم إِلَى خيلهم مَخَافَة أَن يتبعوا فيدركوا.
وَزعم ابْن سَيّده فِي نزولهم إِنَّمَا هُوَ من الْإِبِل إِلَى الْخَيل. وَلَيْسَ كَذَلِك.
وَفِي قَوْلهَا: النازلين الخ إِشَارَة إِلَى أَن حَالهم فِي الْقِتَال على الْخَيل كحالهم فِي الْقِتَال على الْأَقْدَام وَأَنَّهُمْ لَا يكعون عَن النُّزُول إِذْ أَحْوَال النَّاس فِي ذَلِك مُخْتَلفَة وَلَا ينزل فِي ذَلِك الْموضع إِلَّا أهل الْبَأْس والشدة وَلذَلِك قَالَ مهلهل:
لم يطيقوا أَن ينزلُوا فنزلناوأخو الْحَرْب من أطَاق النّزولا
وَقَوْلها: والطيبون أَرَادَت أَنهم أعفاء فِي فروجهم لِأَن الْعَرَب تكني بالشَّيْء عَمَّا يحويه أَو يشْتَمل تَقول: لَا يحلونَ أزرهم على مَا لَيْسَ لَهُم. قَالَ اللَّخْمِيّ: وَقَالَ ابْن خلف: إِذا وصفوا الرجل بِطَهَارَة الْإِزَار وطيبه فَهُوَ إِشَارَة وكناية عَن عفة الْفرج يُرَاد أَنه لَا يعْقد إزَاره على فرج زَانِيَة.
وَكَذَلِكَ طَهَارَة الذيل. وَإِذا وصف بِطَهَارَة الْكمّ أَو الردن وهم الْكمّ بِعَيْنِه أَرَادوا أَنه لَا يسرق وَلَا يخون.
وَإِذا وصفوه بِطَهَارَة الجيب أَرَادوا أَن قلبه لَا ينطوي على غش وَلَا مكر. وَقد يكنون عَن عفة الْفرج بِطيب الحجزة كَمَا قَالَ النَّابِغَة: رقاق النّعال طيّبٌ حجزاتهم والمعاقد إِمَّا جمع معقد بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ مَوضِع العقد وَإِمَّا جمع معقد بِفَتْحِهَا وَهُوَ مصدر ميمي.
قَالَ اللَّخْمِيّ: المعاقد الحجز. والحجزة بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا زَاي مُعْجمَة وَهِي حَيْثُ يثنى طرف الْإِزَار فِي لوث الْإِزَار أَي: طيبه.
وَحكى ابْن الْأَعرَابِي حزة بِضَم الْمُهْملَة وَتَشْديد الزاء كَمَا ينْطق بهَا الْعَامَّة. وَقيل: المعاقد للأزر والحجز للسراويلات. والحجز للعجم وملوك الْعَرَب كَمَا قَالَ النَّابِغَة والمعاقد للْعَرَب لِأَنَّهَا لَا تكَاد تلبس إِلَّا الأزر وَهُوَ جمع إِزَار وَسكن الزاء أَيْضا تَخْفِيفًا وَالْأَصْل ضمهَا والإزار وَلبس السَّرَاوِيل عِنْد الْعَرَب نَادِر. يرْوى أَن أَعْرَابِيًا مر بسراويل ملقاةٍ فظنها قَمِيصًا فَأدْخل يَدَيْهِ فِي سَاقيهَا وَأدْخل رَأسه فَلم يجد منفذاً فَقَالَ: مَا أَظن هَذَا إِلَّا من قمص الشَّيَاطِين ثمَّ رَمَاهَا.
وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لخرنق بنت هفان رثت بهَا زَوجهَا بشر بن عَمْرو ابْن مرْثَد الضبعِي)
وَابْنهَا عَلْقَمَة بن بشر وَأَخُوهُ حسان وشرحبيل وَمن قتل مَعَه من قومه وَكَانَ بشر غزا بني أَسد بن خُزَيْمَة هُوَ وَعَمْرو بن عبد الله بن الأشل وَكَانَا متساندين: بشر على بني مَالك وَبني عتاب بن ضبيعة وَعَمْرو على بني مَالك وَبني رهم.
وَمعنى التساند والمساندة أَن يخرج كل رجل على حِدته وانفراده لَيْسَ لَهُم أَمِير يجمعهُمْ.
فَأَغَارَ على بني أَسد فتقدمتهم بَنو أَسد إِلَى عقبَة يُقَال لَهَا: قلاب فَقتل بشر بن عَمْرو وَبَنوهُ وفر عَمْرو بن عبد الله بن الأشل فَسُمي ذَلِك الْيَوْم يَوْم قلاب. كَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ.
وَبعد الْبَيْتَيْنِ:
قومٌ إِذا ركبُوا سَمِعت لَهُملَغطا من التّأييه والزّجر
فِي غير مَا فحشٍ يجاء بِهِبمنائح المهرات وَالْمهْر
إِن يشْربُوا يهبوا وَإِن يذروايتواعظوا عَن منطق الهجر
هَذَا ثنائي مَا بقيت عَلَيْهِمفَإِذا هَلَكت أجنّني قَبْرِي
وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذِهِ الأبيات على أَن مَا تقدم دُعَاء لمن بَقِي من قَومهَا أَي: لَا أبعد الله من قومِي كبعد من مضى مِنْهُم.
وَيرد عَلَيْهِ قَوْلهَا فِي القصيدة:
لاقوا غَدَاة قلاب حتفهمسوق العتير يساق للعتر
واللغط بِفَتْح الْمُعْجَمَة وسكونها: الْأَصْوَات المختلطة. والتأييه: الدُّعَاء. يُقَال: أيهت بِالرجلِ إِذا دَعوته وأيهت بالفرس. وَفِي الحَدِيث: أَن ملك الْمَوْت سُئِلَ: كَيفَ تقبض الْأَرْوَاح فَقَالَ: أؤيه بهَا كَمَا يؤيه بِالْخَيْلِ فتجيء إِلَيّ.
وَقَوْلها: فِي غير مَا فحش الخ مَا زَائِدَة. قَالَ ابْن السّكيت: تَقول:
يزجرونها بعفاف من ألسنتهم لَا يذكرُونَ الْفُحْش فِي الزّجر.
وَقَوْلها: إِن يشْربُوا يهبوا لَيْسَ بمدح تَامّ لِأَنَّهَا جعلت الْعلَّة فِي كرمهم شرب الْخمر.
وَقد عيب على طرفَة قَوْله:
فَإِذا مَا شَرِبُوهَا وانتشواوهبوا كلّ أمونٍ وطمر
وعيب على حسان قَوْله: وَقد قَالَ البحتري فِي هَذَا فَأحْسن: الطَّوِيل)
تكرّمت من قبل الكؤوس عَلَيْهِمفَمَا اسطعن أَن يحدثن فِيك تكرّما
وَأول من نطق بِهَذَا امْرُؤ الْقَيْس فِي قَوْله:
سماحة ذَا وبرّ ذَا ووفاء ذَاونائل ذَا إِذا صَحا وَإِذا سكر
فَأخْبر أَنه جواد فِي الْحَالين جَمِيعًا: فِي حَال الصحو وَفِي حَال السكر. وَهَذَا هُوَ الْمَدْح التَّام. ثمَّ اتبعهُ زُهَيْر فَقَالَ:
أَخُو ثقةٍ لَا تتْلف الْخمر مَالهولكنّه قد يهْلك المَال نائله
والهجر بِالضَّمِّ: الْكَلَام الْقَبِيح.
وَقَوْلها: والخالطين نحيتهم الخ النحيت بِفَتْح النُّون وَكسر الْمُهْملَة: الخامل السَّاقِط الذّكر.
والنضار بِضَم النُّون بعْدهَا ضاد مُعْجمَة: الْخَالِص النّسَب الْعَزِيز الشهير.
يَقُول: إِنَّهُم خلطوا خاملهم برفيعهم وفقيرهم بغنيهم فاكتسبوا مِنْهُم الْغنى والخصال الحميدة فَلَيْسَ فيهم خامل وَلَا فَقير.
وَمثله قَول زُهَيْر:
على مكثريهم حق من يعتريهموَعند المقلّين السّماحة والبذل
وَالْعرُوض فِي هَذَا الْبَيْت على متفاعلن تَامَّة وَهِي فِي جَمِيع الأبيات على فعلن حذاء وَلَا يجوز ذَلِك. وَالشعر من الضَّرْب الرَّابِع
وَقَوْلها: فَإِذا هَلَكت الخ: أجنني: سترني. قَالَ ابْن السَّيِّد: كَلَام لَا فَائِدَة فِيهِ على ظَاهره وَالْمعْنَى فَإِذا هَلَكت قَامَ عُذْري فِي تركي الثَّنَاء عَلَيْهِم لهلاكي فَهُوَ مِمَّا وضع السَّبَب فِيهِ مَوضِع الْمُسَبّب.
وَقَوْلها: لاقوا غَدَاة الخ الحتف: الْهَلَاك. وسوق مفعول مُطلق أَي: سيقوا إِلَى الحتف سوقاً كسوق العتير وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: مَا يذبح للأصنام فِي رَجَب فِي الْجَاهِلِيَّة تَعْظِيمًا لأصنامهم. والعتر بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: ذبح العتيرة فَهُوَ مصدر.
وقلاب بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَآخره بَاء مُوَحدَة قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ جبل من محلّة بني أَسد على لَيْلَة. وَفِي عقبَة قلاب قتلت بَنو أَسد بشر بن عَمْرو زوج خرنق وَابْنهَا مِنْهُ عَلْقَمَة بن بشر فَقَالَت:
منت لَهُم بوائلة المنايابِحرف قلاب للحين المسوق
)
ثمَّ إِن بني ضبيعة أَصَابُوا بني أَسد بهرشى وأدركوا بثأرهم فَقَالَ وَائِل بن شُرَحْبِيل بن عَمْرو بن مرْثَد: انْتهى.
ومنت أَصله منيت أَي: قدرت المنايا لَهُم فحذفت الْبَاء.
وَهُوَ آخر بَيت من أَبْيَات وَهِي:
لَا وَأَبِيك آسى بعد بشرٍعلى حيّ يَمُوت وَلَا صديق
وَبعد الْخَيْر عَلْقَمَة بن بشرٍإِذا مَا الْمَوْت كَانَ لَدَى الحلوق
وَمَال بَنو ضبيعة بعد بشرٍكَمَا مَال الْجُذُوع من الْحَرِيق
فكم بقلاب من أوصال خرقٍأخي ثقةٍ وجمجمةٍ فليق
وآسى: أَحْزَن. وَلَا محذوفة أَي: وَأَبِيك لَا أَحْزَن بعد بشر. والحلوق جمع حلق وَهُوَ مجْرى الطَّعَام. وَمَال بَنو ضبيعة أَي: تساقطوا بعد بشر. والخرق بِكَسْر الْمُعْجَمَة من الفتيان: الظريف فِي سماحة ونجدة.
وخرنق بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا قَاف هِيَ امْرَأَة شاعرة جَاهِلِيَّة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ خرنق بنت بدر بن هفان من بني سعد بن ضبيعة رَهْط الْأَعْشَى. كَذَا فِي الْعباب للصاغاني.
وَفِي كتاب التَّصْحِيف للعسكري وشروح أَبْيَات الْكتاب والجمل: خرنق بنت هفان القيسية من بني قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن
وَائِل بِحَذْف بدر. وَقَالُوا: هِيَ أُخْت طرفَة بن العَبْد لأمه.
وَقَالَ يَعْقُوب ابْن السّكيت فِي أَبْيَات الْمعَانِي: هِيَ عمَّة طرفَة بن العَبْد. وَالله أعلم.
وَقيس هُوَ رَهْط الْأَعْشَى أَيْضا وَإِلَيْهِ ينْسب فَيُقَال أعشى قيس.
وخرنق من الْأَسْمَاء المنقولة لِأَن الخرنق فِي اللُّغَة ولد الأرنب. والخرنق أَيْضا: مصنعة المَاء وَهُوَ نَحْو الصهريج وَالنُّون أَصْلِيَّة.
وَأما هفان بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا وَتَشْديد الْفَاء فَهُوَ اسْم مرتجل غير مَنْقُول مُشْتَقّ من الهفيف وَهُوَ سرعَة السّير.)
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع